محمد عفيفي مطر شاعر "الجوع والقمر"

24-12-2017 | 15:27

محمد عفيفي مطر

 

رؤية لـ: محمد فايز جاد

تعد تجربة الشاعر الراحل محمد عفيفي مطر تجربة ثرية، سواءً من حيث الكم، أو من حيث الزخم النقدي الذي حاول تحليلها، ساعيًا للوقوف على جماليات تجربة شاعر كان تلقي القارئ – وربما بعض النقاد- لشعره تناولًا متباينًا.


محمد عفيفي مطر الذي ولد في قرية رملة الأنجب بمحافظة المنوفية عام 1935، صار أحد رموز جيل الستينيات، وامتلك صوتًا مميزًا رآه البعض خصوصية تمنح تجربته تفردًا بين أبناء جيله – وهو الجيل الذي ضم أسماءً كبيرة- فيما رآه الآخر صوتًا معقدًا عصيًا على الفهم والتذوق.

فمطر الذي أصدر ديوانه الأول عام 1968 وهو الديوان الذي حمل عنوان "من دفتر الصمت"، ثم أتبعه بعدها بعام واحد فقط بديوان "ملامح من الوجه الأمبيذوقليسي" تشكلت تجربته من خلال عدة عوامل، واستمدت خصوصيتها من مصادر شتى، فصاحب "أنت واحدها وهي أعضاؤك انتثرت" كان على معرفة كبيرة بالحضارات القديمة والأديان المختلفة فضلًا عن معرفته بالفلسفة التي كانت مجال دراسته في كلية الآداب، بالإضافة إلى لغته المكثفة وصورته المركبة.

ووجه مطر بهذ الأمر أكثر من مرة، بخاصة بعدما وصف بعض النقاد شعره بالغموض الأمر الذي يراه البعض دليلًا على "تهمة" كون شعره غير مفهوم. يجيب عن ذلك في إحدى الحوارات الصحفية:

"ما دلالة كلمة أفهم، ما الذي تريد أن تفهمه، أنت تريد أن تفهم ما تعرف أصلًا، أم أنت تريد أن تتذوق ما لا تعرف، وتريد أن تتحسس المجهول والغامض والمحير والغريب في العالم، فالعادات الرديئة في القراءة، والتاريخ البشع لتعليم الشعر في المدارس وعلاقة الجمهور بالشعر هو الذي ينتج هذه العبارة التي لا معنى لها: أنا لا أفهم".

مسألة الغموض وصعوبة "فهم" قصائد مطر كذلك تطرق لها د.شاكر عبد الحميد، وزير الثقافة الأسبق في كتابه "عفيفي مطر.. الحلم والكيمياء والكتابة". يقول عبد الحميد:

"وأنا أعتقد أن عفيفي مطر ليس شاعرًا سهلًا، لكنه ليس غامضًا في الوقت نفسه، وصعوبته – وليس غموضه- نابعة من فقدنا الكثير من مفاتيحه. والمهم هنا هو أن نضع أيدينا على بعض مداخل عالمه الخاص، ونستعين بأكبر قدر من الخيال والقدرة على التصور البصري، حتى نستطيع أن نتحرك بحرية أكبر ي عالم هذا الشاعر، وأن تتوافر في أيدينا معرفة تراثية تتناسب مع العمق التراثي الكبير له".

بإنتاج كبير تمثل في عدد من الدواوين من بينها: "أنت واحدها وهي أعضاؤك انتثرت"، "والنهر يلبس الأقنعة"، "من مجمرة البدايات"، و"رباعية الفرح" صنع محمد عفيفي مطر تجربته.

وخلال هذه الرحلة لم يفت مطر أن يخوض التجربة التي رأى أبناء جيله أنفسهم مقحمين فيها، وهي الدخول في نزاع مع السلطة السياسية، الأمر الذي ترك أثره على المنتج الإبداعي لغالبيتهم. فبعد التغيرات التي شهدتها مصر بعد وفاة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وتولي خلفه أنور السادات مقاليد الحكم، صار عدد من المبدعين أصواتًا معارضة وجهت سهام نقدها الحادة صوب النظام بسبب سياساته كان من بينهم مطر.

وكان صدام عفيفي مطر مع نظام السادات بمصادرة السلطة لمجلة "سنابل" التي كان يشرف على تحريرها، وذلك بعد نشر المجلة لقصيدة "أغنية الكعكة الحجرية" للشاعر الراحل أمل دنقل، وبعد عدد من الصدامات قرر الرحيل إلى العراق حيث عمل هناك لسنوات.

غير أن الصدام لم ينته باغتيال السادات عام 1980، إذ استمر سخط صاحب "الجوع والقمر" على سياسات خليفته حسني مبارك، والذي بلغ ذروته بعد مشاركته في مظاهرة خرجت اعتراضًا على الموقف المصري من الحرب في الخليج ليتم اعتقاله حيث تعرض لضروب من التنكيل تركت أثرها على ديوانه "احتفاليات المومياء المتوحشة" الذي صدر عام 1994.
..
"غبش يبلله دخول الليل
والغيطان تسحب من بدايات النعاس
تنفس الإيقاع منتظمًا على مد الحصيرة والمواويل،

- الزمان كأنه فجر قديم مستعاد-
قد كنت مضطجعًا أعابث شعر بنتي
الصغيرة أفزعتها قشرة الدم والصديد على
عظام الأنف
- أهذي أم هي الزنزانة انفتحت على زمنين
واتسعت على هول المكان...
قال المخنث للمخنث: "أنا نوبة نومي اقتربت فأخرس صوته بعصاك"
فانفجرت برأسي الصاعقة
كان الصدى متشظيًا بدم الهلاوس..."

يذكر أن مؤسسة "بتانة" للنشر تستضيف في السابعة من مساء غد الإثنين حفل توقيع كتاب "عفيفي مطر.. الحلم والكيمياء والكتابة" للدكتور شاكر عبد الحميد، وزير الثقافة الأسبق"، ويدير الأمسية الشاعر والكاتب شعبان يوسف، ويناقش الكتاب كل من: الناقد د.شوكت المصري، والشاعر محمد سليمان.


.

اقرأ ايضا: