أمير تاج السر يكتب: رحلة الالتصاق بالجذور (فصل من رواية سيرة)

25-12-2017 | 16:06

أمير تاج السر

 

اختص الكاتب السوداني أمير تاج السر "بوابة الأهرام" بنشر فصل من رواية سيرة ذاتية له، تصدر قريبًا.

أمير تاج السر ، كاتب سوداني، صدر له من قبل عدد من الأعمال من بينها: "صائد اليرقات"، "366"، "العطر الفرنسي"، "إيبولا 76"، "منتجع الساحرات"، وغيرها، ترجمت أعماله لأكثر من لغة، فاز بجائزة "كتارا" للرواية العربية في دورتها الأولى 2015 فئة الروايات المنشورة، كما بلغت روايته "صائد اليرقات" القائمة القصيرة لجائزة البوكر عام 2011.

..

إلى سوسن إبراهيم دائمًا
-١-

لا أذكر بالضبط تاريخ موت شريفة مختار، تلك المرأة البيضاء، الطويلة المنسقة إلى حد ما، التي كانت تعرج من قدمها اليمنى، وتتدلى من أذنيها حلقات فضية كبيرة، لكني أذكر جيدا أنه كان في شهر أغسطس، ويوم وقفة عيد الفطر، بعد شهر طويل من الصيام الصعب في مدينة تطل على بحر خامد، ولها صيفها القاسي الذي يصعب تحمله، الصيف الذي يجعلك تفكر كثيرا، أن تنزع جلدك تماما، تلقيه في مكان بعيد، وتجلس هكذا عاريا إلا من خلايا داخلية رطبة.

 وكالعادة، لا توجد كهرباء منتظمة، لا يوجد ماء منتظم، لا يوجد هواء، تتلقفه الرئات بسهولة، ولا حتى بصعوبة، ولا يوجد أي مزاج لفعل أي شيء، أو ممارسة أي نشاط.

 كنا في وقت الظهيرة، وبعد انتهاء ساعات العمل واشتداد الحر، نلتف بخرق مبتلة بالماء، ما تلبث أن تجف سريعا، لنعيد غمرها في الماء مجددا، ونلفها من حولنا، وفي ساعة الإفطار عند المغرب، لم نكن نتسابق إلى الأكل كما هو مفترض أن يفعل الصائمون في أي مكان، بقدر سباقنا إلى شرب الماء حتى التخمة، ثم مطالعة أصناف الطعام المرصوصة أمامنا، والتي تجتهد في إعدادها الأمهات عادة، بكثير من الحسرة، وكنا نسمع كلاما دائما وفي كل رمضان يأتي في الصيف، بأن ثمة فتوى أطلقت في مكان ما، تجيز الفطر لمن يسكن الساحل، لكن لا شيء يحدث في العادة، كان الناس يصومون، ويعملون بجدية في نهار الصيام، ولا يهتمون لأي أخبار قد تكون حقيقية بالفعل، وقد تكون مجرد إشاعات، وفي الغالب هي إشاعات.

 كان عدد كبير من سكان المدينة يفرون في الصيف عادة، يفرون إلى العاصمة أو أقاليم أخرى قريبة وبعيدة، وتملك هواء أفضل، وربما أمطارا خريفية، وهناك من يسافر إلى مصر، ولندن، وباريس وسويسرا، واليونان،  وحتى إلى جزر ميرلاند، وهضبة الأناضول، ينفق جزءا كبيرا من الصيف هناك، ولا يعود حتى تعود الحرارة إلى قراءة محتملة.

وكنا أيام الطفولة، وحتى مطلع الصبا، وحين تأتي إجازة العام الدراسي، نسافر كلنا إلى بلدتنا البعيدة في شمال  السودان، كان والدي يسميها رحلة الالتصاق بالجذور، ويستمتع بها استمتاعا كبيرا، يعود صبيا، يتسلق النخل، يقص سبيط التمر، يبرك على  ركبتيه ويديه، يشرب من جدول صاف أو معكر لا يهم، يحفر في حقل هنا، ويقطع نبات البرسيم من حقل هناك، يلفه في حزم،  يحملها على ظهره، وربما يستخدم في تنقله داخل البلدة، حمارا من الحمير المتوفرة في البيت، وأي بيت هناك، بوصفها مواصلات الريف الأكثر انتشارا.

نحن كنا نسمي تلك الرحلة رحلة التخلف، نحاول الاندماج في معطياتها ونحن نرتدي السروال الطويل، والقميص القصير، والطاقية البيضاء، وصندلا خفيفا من المطاط، ولا نستطيع، لم يكن يوجد أدنى ارتباط بالمدنية، في قرية بلا مقومات للحياة المتطورة، ولكن في المقابل، كل شيء فيها طبيعيا للغاية، من الماء الذي يأتي من النيل عبر قنوات كثيرة، أو  يستخرج من آبار نظيفة إلى حد ما، إلى اللبن الذي يحلب مباشرة من الماعز  والبقر، والمحاصيل، والخضروات التي تزرع هناك، في تربة خصبة، والأهم من ذلك  لا يوجد ذلك الحر الغريب  الطارد الذي نعرفه في مدينتنا الساحلية.

أيضًا كانت فرصة جيدة للتعرف إلى شخصيات كثيرة متباينة، وموحية يمتلكها الريف وحده، ولا يمنح ثراءها للمدن البعيدة، مثل مغنيي الربابة الجوالين، وصيادي الطيور والثعالب والتماسيح، وسائقي اللواري السفرية الذين يدخلون القرى ملوكا أو أمراء، تهلل لهم الوجوه، وتنسج حولهم الأساطير، وتركض من خلفهم أحلام البنات، وإلى كثير من الظواهر التي لا تغشى المدن أيضا، مثل ظاهرة غزو الجراد الصحراوي التي شهدتها في مواسم كثيرة، وظاهرة السيل الذي لا يمكن أن تمحي من الذاكرة أبدا، السيل الذي يأتي جبارا ومذهلا، وأسطوريا من العدم، يهش الدنيا كلها أمامه، ويلقي بهياجه في النهر.

تلك الأيام، كنت أعمل في قسم النساء والتوليد بالمستشفى الحكومي، مساعدا لرئيسه،  ومسؤولا عن تلقي كثير من الوعكات والمخاطر، وخامات فوران الدم.

 قسم لم أختره حقيقة، ولم أتحاوم حوله أبدا، ولكن اختارته ظروف معينة، تلك الظروف التي تلت إضراب الأطباء الكبير أواخر ثمانينيات القرن الماضي، حين تبعثرت الوظائف الطبية فجأة بدخول بعض الأطباء إلى السجن، انتقال بعضهم إلى مدن أخرى قريبة وبعيدة، وتشرد آخرين في الشوارع.

وبالرغم من أنني قضيت أياما عدة في السجن المركزي، بزعم أنني كنت من المحرضين على ذلك الإضراب، ولم أكن أعرف عنه شيئا في الحقيقة، ولا سمعت به إلا قبل يومين فقط من حدوثه، فإنني لم أمس وظيفيا أبدا، لم أطرد، ولم أعالج الفراغ في الشارع، ولم أنف لأي بلد بعيد، فقط وجدت نفسي برغمي، وحين خرجت من السجن، ملتصقا بقسم النساء والتوليد، وليس ثمة خلاص يلوح في الأفق.

لن أتطرق لأيام السجن تلك، فلم تكن في الحقيقة قاسية، ولا امتلأت بحرمان كبير. كنا نأكل ونشرب وندخن بعادية مطلقة، وإن كان التدخين  بمعدل ثابت لا يتجاوز السيجارات العشر في اليوم. ذلك أن أيام الحبس لا يعرف متى تنتهي عادة، والتدخين كان ضرورة قصوى لهزيمة الوقت، وقتل التفكير الذي قد يتولد في مثل تلك الأيام الجديدة تماما علي، وعلى كل الزملاء ولكنها ليست كذلك على آخرين وجدناهم في الداخل أو جاءوا ووجدونا هناك. وكان فيهم شعراء وكتاب قصة وصحفيون، وموظفون في البنوك والسكة الحديد، ومحامون وضباط شرطة سابقون، ورؤساء نقابات يسارية، ومغنون أيضا، وبعضهم أنفق معظم حياته متنقلا من سجن إلى آخر من دون أن يفقد صلادته.

 أيضا كان ثمة نشاط رياضي يومي، فيه ركض في ميدان فسيح إلى حد ما، ولعب لكرة القدم والمضرب، وفي الليل كانت تنصب ناموسيات على الأسرة منعا للدغات البعوض.

 كانت حقيقة أياما يمكن اعتبارها مرفهة، وبدت لكثيرين أفضل من أيام حرة قد لا يجدون فيها أي شيء.

 بمرور الوقت، ومع التمرس في العمل في قسم النساء، أصبحت من عشاقه فعلا، أحببت الطوارئ التي لا تنقطع أبدا، أحببت السهر الطويل، وترقب قدوم المواليد، وإيقاف النزيف، وإزالة عوائق الحمل، وطمأنة الأمهات اللائي ينتظرن أن يرين ما كن يحملنه ويضعفهن لأشهر، واقعا باكيا أو ضاحكا أمام أعينهن، وأيضا أحببت ملاقاة تلك الحالات الإنسانية الكثيرة التي لم تكن ستمر بنا من دون أن نتفاعل معها، مثل أن نحاول التغطية بكل ما نملك من أدوات الستر على فتاة مسكينة أخطأت في لحظة ضعف، أو تعرضت للإيذاء رغما عنها، وجاءت بحمل فضائحي، مثل أن نتبرع  نحن العاملون في القسم بالدم لمريضة تنزف، فر أهلها نتيجة الخوف من سحب دمهم، وتركوها باهتة، تنتظر الموت لو لم يتبرع أحد، ومثل أن نشارك بعض الباكين على فقد بكاءهم، نذهب للعزاء، ويمكن جدا أن نجلس في السرادق المقام، نتلقى معهم عزاء الآخرين مثل أي أفراد حميمين في الأسرة.

 وما زلت أذكر ذلك الصباح المتوتر، حين لملم عسكري شاب اسمه جبريل حنظل، ساقيه وفر من المكان  بمجرد أن طالبناه بالتبرع بالدم لزوجته التي كان اسمها: كاكا كوكو، وكانت نزفت كثيرا من جراء إجهاض مبكر، ويمكن أن تموت في أي لحظة، وكيف ذهبت ومعي زميلان آخران حديثي التخرج، إلى بنك الدم القريب من المستشفى، منحناها من دمائنا الكثير، وكانت فصيلتها لحسن الحظ، من النوع الذي يستقبل الدماء كافة، وحين أفاقت من الغياب، وأكلت وشربت، وتنفست بلا تعب في الصدر، ولا رجة في الدماغ، سألت إن كنا أخذنا دما من زوجها جبريل؟، أجبنا بالنفي، فانشرحت.

 كان الأمر كما يبدو معتقدا سائدا في قبيلتها، أن من يمنح الدم لأحد،  يمرض أو يموت ولم يستطع العسكري الشاب أن يفسر لنا الأمر، فآثر أن يفر حيا، ويعود بعد ثلاثة أيام ليرى إن كانت امرأته موجودة، أم غادرت الحياة. وكان عناقا حارا مصحوبا بالبكاء، أن لا أحد منهما مات، وستعود حياتهما إلى طبيعتها في ذلك البيت العشوائي البعيد الذي يقطنانه. أكثر من ذلك ستحمل كاكا كما وعدت وهي تتمايل وتتكئ على كتف زوجها القوي الخشن، بثلاثة ذكور دفعة واحدة، يسمون على أولئك الأطباء الذين لحقوا بحياتها، قبل أن  تفر إلى الأبد.


لوحة للفنان السوداني راشد دياب

شارك برأيك

توقع من سيتوج بكأس الأميرة الإفريقية ؟

اقرأ ايضا:

مادة إعلانية

[x]