أوتار التراث في "العفاريت لن تحكم المدينة"

22-12-2017 | 14:09

 

مجموعة "العفاريت لن تحكم المدينة" للكاتبة نهى يسري تحوي عددًا كبيرًا من القصص القصيرة، التي تعتبر متوالية سردية، تعزف على وتر التراث العربي القديم.

تذكرنا منذ البدء بأننا أمة الحكي، أمة الـ"كان يا ما كان"، وأعتقد أنها قرأت في التراث العربي القديم؛ والأمثال المختلفة وتعرفت على مضرب المثل ومورد المثل، لأنها تمثلت قصص "ألف ليلة وليلة" وقصص كليلة ودمنة لبيدبا الفيلسوف الهندي، فضلًا عن كتب القصِّ العربي القديم، وهي قصص تصح أن تكون مقررًا للطلاب في سن الإعدادي والثانوي، وليس بغريب عليها، وعلى هذه الكتابة، فوالدها هو الدكتور يسري عبدالغني الباحث في التراث العربي والمهتم بقضايا التراث وله ما يقارب الخمسين مؤلفًا، لذلك فهي بلا شك متأثرة بأحاديث الوالد عن التراث وألف ليلة وليلة وهو ما نلاحظه هنا في هذه المجموعة.

تبدأ مجموعتها بقول الرواة: "كان يا ما كان لا يحلو الحكي أو الكلام إلا بذكر أنبياء الله ورسله جميعًا عليهم السلام".. لتبدأ بعد ذلك رحلة الملك وأولاده مع الإسقاطات الذكية على الواقع المعيش وهو ما نلاحظه بين الفينة والأخرى، وهي في مجملها قصص تعليمية تهذيبية فهذا هو الملك يعلم أولاده، ينصح لهم ما استطاع من نصح، يقول الملك لأولاده في قصة "الملك يمهد" وهي البداية في تلك المتتالية السردية: "لا تكونوا قوالين غير فعالين، فإنه لا خير في قول لا يتبعه عمل، ونظفوا أقوالكم من الكذب، فإنه شر عظيم، وكلمة واحدة كاذبة لا يمحوها عارها وخزيها ألف كلمة صادقة وداووا الأعداء مداواة الأمراض، ليكثر صديقكم ويقل عدوكم".

 

وهي القصة التي تعتبر قصة الإطار العام الذي سارت عليه الكاتبة في المصدر الذي انطلقت منه لتحكي وتربط بينها وبين القصة التي تليها حيث تنهيها بسؤال بقولها: " فاحذروا مصاحبة الأشرار، فمن صاحبهم أو جالسهم أصابه ما أصاب الفلاح من الحية! قال كبيرهم: وكيف كان ذلك؟" وهنا تنتهي من القصة الأولى الإطار لتدخل إلى عالم السَّرد والحكي مع قصة "الغدر".

وقصة "الغدر" و"معاهدة العار"، هي قصة النصيحة بأن على الإنسان ألا يغدر بمن استأمنه وكانت الإشارة في هذه القصة إلى ما كان من قبل الرجل والحية والمثل المعروف " هذه أثر فأسك في الأرض" أي أنها تعزف على فكرة التراث، وهو حينما عاهدت الحية أخو من قتلته بألا يمسها بسوء بعد أن أراد أن ينتقم منها حين لاح له ذكرى اعتداء الحية على أخيه، فهاجت نفسه وأراد أن يقتلها [ جزاء وفاقاً ] ولكنَّ فأسه قد أخطأت مكانها.. وأرادت الحية أن تنتقم منه فخشي على نفسه وبدأ يتوسل إليها بأن يعود الود مرة أخرى ولكنها قالت [ كيف أعاودك وهذا أثر فأسك؟!] وهو المثل الذي يضرب لمن يحذر شر نقض العهد وكان من المفترض ألا تبرر الكاتبة سبب ذلك المثل؛ لأنه معروف وفي الوقت نفسه عدم انتهاك المعاهدات وما آلت إليه الأمور، فما أجمل الوفاء بالوعد وما أقسى الغدر والخيانة.

أما قصة "مقبرة الملك" فهي قصة ضمن عدد من القصص التي يحكيها الوالد وعلى غرار "كان يا ما كان" أيضًأ حين ينصح أولاده بفعل الخير والبعد عن الشر، وفي نهاية كلامه ذكر عبارة " واعتبروا بما فعله مساعد التاجر" هذه الجملة هي الجملة الكاشفة في القصة أي هي التي أضاءت النصَّ وعليه يجب البحث عن أهدافها فما الذي فعله مساعد التاجر الذي أخذ الأموال وسافر من أجل التجارة؟ لقد أتت الرياح بما لا تشتهي السفن.. حيث ضاعت تجارته في البحر، فأخذته الأمواج إلى جزيرة نائية، وحين وصلها قابلوه بالبشر والترحاب، ونصَّبوه ملكاً عليهم؛ لأنه جرت العادة أن ينصب ملك غريب عليهم وفي العام القادم يلقوا به إلى مكان معزول يظل فيه حتى الموت، مثلما فعلوا من قبل مع من سبقوه، وعلم من أحد المقربين ذلك فأراد أن يجعل ذلك المكان دون علم أحد جنة خضراء وبالفعل أوصى سراً بعض العاملين أنه في خلال عام يصبح هذا المكان جنة خضراء.

وهنا لمحة ذكية من الكاتبة لتسقط هذا الأمر على ديننا الحنيف وهو أن الإنسان إذا أطاع ربه ولم يعصه سيجد هناك في الآخرة خيرًا ونعيمًا كثيرًا، أي أن الإنسان لا بد وأن يعمل لآخرته، وهو ما حدث في هذه القصة وقراءة أخرى نقول إن هذا الملك كان مخلصاً من قبل لصاحب التجارة ولم يضيعه الله بسبب ذلك الإخلاص فعوضه الله عنه بهذا الخير وذلك الملك، ولم يتركه الناس حتى بعد نفيه إلى تلك الجزيرة التي أصبحت روضة من الرياض ونصَّبوه ملكاً عليهم طوال الحياة إلى أن جاء أجله.. ومن تلك القصة نتعرف أن الإنسان عليه أن يكون مخلصاً أولاً لعمله ويأخذ بالأسباب وعلى الله الاتكال.

نلاحظ الإطار فبدايات كل قصة فيها التهيئ للقصة بمعنى أن الكاتبة أجملت ثم فصلت وفي النهاية أوجزت.. وإذا ما طبقنا ذلك على قصة المقبرة نجد أنها بدأتها بالعظة للأولاد وكيف أنهم لا بد وأن يكونوا راعين للحق باعدين عن النفاق والرياء ثم تسرد القصة وفي النهاية نجد شرح الوالد التعليمي لهذه العبر وكيف أن الوالد ذكر لهم مثالين من أمثلة الملوك من لهى ومن لعب في حياته وغرته الحياة فكانت عاقبته الفناء، وبين من عمل لآخرته وأنفق في سبيلها الغالي والنفيس فأصبح مخلداً فيها بأعماله حتى بعد مماته فلن ينساه أحد.

ومتابعة للمتتالية السَّردية تأتي بقصة أخرى عنوانها "النجاة من الشدة" وقد خشي الابن الأكبر عليه وعلى إخوته مما ستؤول إليه الأمور ويشبه ذلك بما حدث مع الفأر حين لم يخلص الغزالة من شرك الصياد" وهنا الاعتماد على التراث القديم، وبالتالي ضيع على نفسه فرصة الصداقة التي تظهر عند الشدة.. وهنا نرى الحال قد انتقل من الابن إلى الوالد الحكي من الابن وهو متماش مع الحدث فقد خشي أن يحدث لهم ما حدث مع الفأر وألا يقفوا معاً في الشدة... حيث وقعت الغزالة في شرك الصياد وأصبحت تضرب يميناً ويساراً ولم تفلح محاولاتها للهروب منه، وطلبت من الفأر أن يقرض الشبكة بأسنانه على أن يكون ذلك بداية عهد الصداقة إلا إنه رفض فجاءته حدأة وخطفته بعد أن ضيع صداقة الغزالة... فلم تجد الغزالة إلا العودة إلى الله ودعته أن يخلصها مما هي فيه ومن سكين الصياد، وأراد الصياد أن يبيعها في السوق فقابله من يرفق بالحيوان واشتراها وأطلقها إلى حال سبيلها... فالفأر خطفته الحدأة بينما الغزالة فق قيدها وأصبحت حرة.

 

لقد ضيع على نفسه تلك الصداقة.. وتذكر الكاتبة بأن الابن الأكبر أراد من هذه القصة أن يدله والده على طريقة تنجيه من الشدة وأن يبقى الإخاء بينه وبين إخوته.. فقال له الوالد إنه أعد له بصنائع المعروف ملوكاً وأمراء أخلصوا الود والوفاء ونصحه بأنه لو أصابه مكروه أو شدة عليه باللجوء إليهم والطلب منهم..وأوصى الوالد الابن بأن يلجأ إليهم عند الحاجة لأنه قدم لهم معروفاً وخيرات كثيرة.

ويتواصل الحكي مع قصة "الجرب هو الحل" لتحكي الخيانة وما تؤول إليه عاقبتها، مع نديم الملك الذي وشى به من قبل إنسان كان قد قربه رشيق إليه وقدمه إلى الملك ليعطف عليه حيث جاء من بغداد ولكنه كان خائناً قد خان من وقف بجواره في وقت الشدة وحين علم ورأى أن الملك يقربه منه أي رشيق المخلص للملك أراد أن يزرع الفتنة ويبحث عن طريقة تبعد رشيق عن الملك ويفوز هو بالقرب منه ويسعد بالعطاء وبالفعل حدث وذكر للملك أن رشيق مصاب بالجرب فخشي الملك على نفسه وأبعده عن مجلسه إلا إن رشيق لم يقف مكتوفي الأيدي وجاء إلى حاشية الملك ونزع ثيابه ورأى الجميع جسمه ولم يصب بأي شيء سواء أكان جرباً أم غيره ... فأغدق عليه الملك العطايا وولاه مكانًا بعيدًا.

وفي قصة "العم خائناً" وكأنها أسطورة من الأساطير نحيا بها في عالم الخيال، تؤكد فيها الكاتبة على حب السلطة والمال وتؤكد في الوقت نفسه أن الحق لا بد وأن يعود لأصحابه.. الكاتبة تجعل العم بعد أن تولى السلطة من أخيه أراد أن تظل لأسرته هو ويبعد ابن أخيه حتى لو كلفه ذلك قتل ابن أخيه الذي كان من المفترض أن يرث الحكم بعده.. دبر العم لابن أخيه حيلة الإيقاع به فأخذه في الصحراء وفقأ عينيه حتى لا يرى، وتركه وحيداً في الصحراء لتأكله السباع، وظل يهيم على وجهه في الصحراء حتى اصطدم بشجرة فاعتلاها وظل بها فترة إلى أن جاء مجموعة من الجن تحتها، فهو مكان محبب لهم وظلوا يتحدثون عن أوراق هذه الشجرة التي تعيد البصر لمن فقئ عينه وأيضاً تناولوا الحديث عن الحية التي ارتبط وجودها في الحياة بوجود الملك في الحكم وفعل ابن عم الملك ما استمع إليه فعاد إليه بصره وذهب إلى مكان كذا ليقتل الحية وقد فعل وماتت الحية وعاد يحكم المدينة.

وهنا تحاول الكاتبة تتكئ على اليوتوبيا في الحكي وعلى الشيء الخارق للعادة وهي طريقة كانت متبعة من قبل في طريق السرد كما هو الحال في " ست الحسن والجمال " الشاطر حسن" و"وأمنا الغولة" تلك الأساطير القديمة والحكايات الخرافية هي نفسها لها وقع على الأدب ولها إسقاطاتها السياسية تحت باب " ماذا لو حدث ذلك؟ أما الجملة التي تريدها الكاتبة وهي " فإن الغدر لا يفوت الملوك والحكام ، إلا من عصم ربك " هنا الإسقاط الذي تريد أن تقوله، وهناك جمل أخرى بعينها ولكن الكاتبة تدور وتدور حول هدف الاستنفار أي استنفار الكاتب لكي ينهض ويقرأ ما سيأتي بعد ذلك.

وفي قصة "الفقير الصالح" وقطبيش العفريت، "صنع المعروف باقٍ" و أيضاً الحذر من [ الغدر والخيانة ] فهي قصة مسلية وممتعة ولها إسقاطها على الواقع المعيش. فهذا الفقير وجد مجموعة من الصبية يلقون حجارة على عفريت في قاع البئر قصد القتل فأبعدهم قائلاً ليس هكذا فمن الممكن أن تفعل له معروفاً ستجده فيما بعد، وبالفعل أخرجه من البئر وقال له اذهب إلى حال سبيلك فشكره العفريت، وقال له لا بد وأن أردَّ له هذا الجميل ذات يوم فلو احتجتني في أي وقت قل فقط يا قطبيش، ودخل الفقير الجوال "المدينة على حين غفلة من أهلها" واستضافه أحد أهالي هذه القرية، وفي الوقت نفسه كان هناك قربان يقدم للألهة وشرط أن يكون شخصاً غريبا فلم يجدوا غريباً فاقترعوا فوقعت القرعة على الحداد، فقال لما تأخذونني وعندي غريب في البيت فاقتادوا الغريب، فوقف بجواره من صنع له المعروف ذلك العفريت وأصبح مقرباً من الملك بعد أن أزال المس الذي لحقه بابنه ومن هنا نرى أن الكاتبة تعزف على جزئية الخير وكيف أن صنائع المعروف تقي الإنسان مرارة السوء كما قال علي ابن الجهم في أشعاره مكرراً أداة الشرط: ومن طلب المعروف من غير أهله أطال عناء وأطال تندما. وكما قال المتنبي: إذا أنت أكرمت الكريم ملكته.. وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا.

الكاتبة تبحث عن القيمة وعن صنع المعروف وكأنها تقول من بين السطور عليك بفعل المعروف فإنه سيأتيك يوما ويرد إليك، وتورد لنا تلك القصة الجميلة والتي بالفعل تذكرنا بقصص ألف ليلة وليلة وما كان يحدث في تلك الأوقات. وتسير الكاتبة في عدد من القصص على منوال إظهار الحقيقة وكيف أن الإنسان لا ينخدع بها وأن تكون لديه قريحة واعية الرجل والمرأة [ الغدر والخيانة ] وتأتي بقصص شارحة للأمثال العربية الأصيلة كما في قصة "صديق التجربة" وهي تتناص مع المثل أو أنها شارحة للمثل الذي يقول "سبق السيف العزل"، وفي قصة "الأميرة تعثر على فتى أحلامها" تشرح من خلالها المثل "ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه".

شارك برأيك

توقع من سيتوج بكأس الأميرة الإفريقية ؟

اقرأ ايضا:

مادة إعلانية

[x]