حصاد السينما "١".. الدورة الـ ٣٩ لمهرجان القاهرة السينمائي "الحسم وإعادة الحسابات"

15-12-2017 | 13:19

الدكتورة ماجدة واصف

 

سارة نعمة الله

لعل الدورة التاسعة والثلاثين ل مهرجان القاهرة السينمائي والتي اختتمت فعالياتها في نوفمبر الماضي بمثابة "دورة الحسم" لسنواته المقبلة، ليس لمجرد مغادرة رئيسته الدكتورة ماجدة واصف لرئاسته والتي مكثت بها على مدار ثلاث سنوات فقط ولكن لكونها دورة الترتيب، وإعادة الحسابات لمستقبل مهرجان دولي طالته الانتقادات طيلة السنوات الأخيرة من عمره تحديدًا فيما بعد ثورة يناير ٢٠١١، بل إن الدورة الأخيرة للمهرجان فتحت المجال نحو المقارنات بين مستقبل صناعة المهرجان وغيره من المهرجانات الناشئة والتي اتجهت أنظار الكثيرون نحوها.


في البداية لا يمكن المقارنة بين مهرجان القاهرة السينمائي وغيره من المهرجانات الوليدة حتى وإن نجحت في اقتناص بعد الفرص منه مثل شراء أفلام عالمية بعينها أو الحصول على العروض الأولى للأفلام المصرية، فالأول هو المهرجان الوحيد المعترف به دوليًّا بالقاهرة وأصبح يتمتع بخبرة طويلة من سنوات العمل والاحتكاك مع العالم الآخر.

والأعوام الأخيرة في عمر المهرجان شهدت نقلة في برمجته التي عاشها عليها لفترة طويلة وذلك بعد أن قام الناقد الراحل سمير فريد بتقديم هيكلة جديدة له مع دخول فكرة البرامج الموازية والدفع بدماء شابة لتولي مهام إدارة المهرجان وغيرها خلال الدورة التي تولى رأستها عام ٢٠١٤.

كان الحدث الأعظم للدورة الأخيرة ل مهرجان القاهرة السينمائي توقيع عقد الشراكة بينه وبين إدارة قنوات "دي إم سي" والتي أعلنت مسئولياتها عن تولي تنظيم حفل الافتتاح والختام فقط، وبالرغم من حالة الدفع التي أدى بها التعاقد لخروج مهرجان مختلف على مستوى تنظيم الحفلان إلا أنه على الجانب الآخر أثار عاصفة من الهجوم من قبل عدد من النقاد والصحفيين خصوصًا بعد الأخطاء التي شهدها حفل الافتتاح بجلوسهم في الصفوف العلوية ووضع سُوَر زجاجي شفاف أمام المسرح بشكل أحجب الرؤية بنسبة كبيرة برغم أن القاعة السفلية كانت نسبة الحضور فيها ضعيفة وبدا المسرح في شاشات التليفزيون خاويا بكثير من المقاعد حيث يبلغ عدد مقاعد القاعة ١٧٠٠ كرسي.

ويضاف لذلك التعليمات التي فرضتها إدارة القناة بمنع وجود قنوات فضائية دونها برغم كونه المهرجان الرسمي للدولة ورفضها لدخول المصورين قاعة الاحتفال حتى مصور المهرجان ذاته واجه صعوبة بالغة في الدخول بحفل الافتتاح بخلاف التضييقات على تحركات الحضور مع الاستعانة بشاشة عرض غير مؤهلة أحدثت مشكلة في عرض فيلم الافتتاح "الجبل بيننا" للمخرج هاني أبو أسعد لكن رغم هذه الأخطاء وغيرها تداركت القناة كل ذلك في حفل الختام الذي بدا أكثر تنظيميًا عن الافتتاح الذي كان قد تأخر ثلاث ساعات.

نجاح حفل الختام صاحبه العديد نقاط النجاح أبرزها الإعلان السابق والالتزام بحضور النجوم الثلاث الأجانب الذين تم الإعلان عنهم، مع التأكيد على دور القوى الناعمة في محاربة العنف والإرهاب من خلال عرض الباليه الافتتاحي لحفل الختام وكما نجح مهرجان "الجونة" في تقديم أغنية أصبحت هي حديث الشارع خلال الشهرين الماضيين "٣ دقات" ربط المهرجان نجاح ختامه بأغنية "سينما" التي قدمتها الفنانة أنغام وباتت أيضًا أغنية تمثل عنوانًا للدورة الـ ٣٩ للمهرجان خصوصْا مع إذاعتها باستمرار على شاشة قنوات "دي إم سي".

لكن يبقى الخطأ الذي وقعت فيه إدارة المهرجان بتعاقدها مع إدارة القناة تتمثل في هوية تحديد الأدوار لكلاهما فكيف يمكن لمهرجان دولي أن يبقى محتفظًا على أسماء نجوم سيكونوا ضمن المكرمين به وكان وسائل الإعلام يفترض أن تكون "آخر من يعلم"، والأمر الذي لم يتضح هويته أيضًا من المسئول عن اختيار النجوم العالميين من الحضور الذين تم تكريمهم.. المهرجان أم القناة التي تحفظت على هذه الأسماء.

هناك بعض التضييقات التي وقعت فيها المنظمون من إدارة القناة والذين كانوا يمنعون المصورين من تغطية بعض الآحداث بل وصل الأمر بتعدي أحدهم على كاميرا مصورة "بوابة الأهرام" خلال إحدى الندوات ومحاولة سحب كاميراتها ومسح بعض الصور منها، هذه الأمور وغيرها كان لابد من وضع محددات خلالها في شروط التعاقد بين إدارة المهرجان والقناة حتى تكون آلية العملية منفذه بصورة أفضل.

بالمقارنة بأفلام الدورة الماضية ل مهرجان القاهرة السينمائي ، فإن هناك تراجع كبير في مستوى الأفلام التي عرضها في دورته ال ٣٩ لا تتمتع بجودة عالية في المستوى الفني والتقني وذلك بالرغم من المجهود الذي بذلته إدارة المهرجان في استحضار مجموعة من الأفلام الهامة والمميزة بالعالم لكن بعضها فضل الدخول في المنافسة بمهرجان دبي أو المشاركة بالجونة بالسينمائي.

وعلى الرغم من مستوى التراجع الذي شهدته المسابقة الرسمية في دورتها الحالية والذي كان مثارًا للانتقاد من قبل بعض أعضاء لجنة التحكيم، إلا أن نجاحًا كبيرًا حققته مسابقات سينما الغد لمديرها الناقد محمد عاطف والتي شهدت إختلافًا عن الأعوام الماضية في مستوى الأفلام المعروضة وجودتها بالإضافة للحضور الجماهيري الكبير الذي شهدته، وكذلك مسابقة آفاق السينما العربية لمديرها الناقد أحمد شوقي بما حملته من تنوع في اختيار القضايا العربية بالأفلام المعروضة، وأيضًا أسبوع النقاد الدولي لمديرها الناقد رامي عبد الرازق حيث كانت أفلام هذا البرنامج مثار للجذب الجماهيري لحضورها والمشاركة في الندوات التفاعلية لها بشكل تخطى الاهتمام بالمسابقة الرسمية والتي كانت تقام عروضها في نفس التوقيت.

ثلاث ندوات رئيسية شديدة الأهمية أقامها المهرجان هذا العام في مقدمتها ندوة شبكة "نتفليكس" ومستقبل صناعة الأفلام والتوزيع السينمائي، وتحديات صناعة السينما والتي فتحت كثير من المخاطر والمخاوف التي تزداد بين الحين والآخر نحو الصناعة وأخيرًا العنف ضد المرأة التي أقيمت بالتزامن مع اليوم العالمي لهذه الحملة بالعالم وكان من المميز أيضًا ترتيب أفلام بعض برامج المسابقات في اليوم ذاته نحو هذا الهدف، كما حدث في عرض فيلم "الجايدة" التونسي والذي يناقش قضية العنف ضد المرأة في عهود سابقة للاستقلال التونسي.

أزمة كبيرة في العروض واجهتها مسألة العرض خارج المسرح الكبير للمسابقة الرسمية للمهرجان، تمثل ذلك في ارتباك مستوى الرؤية بالعروض خصوصًا وأن تكوين المسرح الصغير غير مؤهل ذلك فهناك توحيد في مستوى رؤيته بعكس الكبير الذي يمثل تدرجًا في المشاهدة بالإضافة إلى صغر حجم القاعة فلا يعقل أن تقارن قاعة عددها ٦٠٠ مقعد بآخري بزيادة الضعف.

المشاكل التقنية كانت أيضًا عائق هام في دورة المهرجان الحالية تمثلت في ضعف مستوى الشاشات وتقنيات الصوت وهو ما أثار غضب الكثير من صناع الأفلام خصوصًا صناع "سرب حمام" الذي يناقش ساعات فاصلة في حياة المقاومة الشعبية إبان حرب الكويت والعراق مطلع التسعينات من القرن الماضي بعد سيل من الانتقادات وجه من قبل الحضور حيث أكد صناع العمل أن شاشة العرض أطاحت بفيلمهم بنسبة ٦٠ فالمائة من الصورة الجيدة التي قدموها به.

عزوف ليس بقليل من صناع الأفلام وبعض النقاد ظهر هذا العام في متابعة المهرجان وهو ما يمثل أزمة حقيقية خصوصًا من قبل هؤلاء الذين حملوا رايات انتقاد ومهاجمة المهرجان طوال الوقت دون أن يكون لهم تواجد على أرض الواقع، وباتوا يهللون بأزمة صناعة السينما وهم غائبون عنها وهو ما ينطبق أيضًا على أعداد الفنانين الغفيرة التي حضرت المهرجان هذا العام ولم تكترث أبدًا لفكرة حضور الأفلام أو النقاشات التي تقام عليها باستثناء الفنانة يسرا الرئيس الشرفي للمهرجان والتي كان لها حضور واضح في دورته هذا العام.

الدورة الأربعون ل مهرجان القاهرة السينمائي والتي ستنطلق في نوفمبر المقبل تطلب العديد من نقاط الحزم أهمها أن ينحصر دور وزارة الثقافة في الإشراف على المهرجان وألا يكون شريك أساسي في تنفيذه حتى يتحرر من العديد من العوائق والقيود التي تعيق نجاحه أما استمرار عقد الشراكة مع قنوات "دي إم سي" لابد أن يكون محددًا بشروط وقواعد تحدد الأدوار وتلزم بتطبيقها لدى كل طرف تجاه الآخر ولا ينكر أحد الإضافة المختلفة التي أضافها هذا التعاقد على مستوى الدعاية الجيدة بالمهرجان في شوارع القاهرة وهو ما غاب عنه في السنوات الماضية، وكذلك رفع كفاءة حفلي الافتتاح والختام.

رئيس المهرجان القادم لابد أن يكون محملًا بخبرة حقيقية في المهرجانات الدولية ويمتلك الكثير من العلاقات التي تؤهله للقيام بهذه المهمة وليس مجرد اسم مشهور، كما أنه يستلزم شخص يتفرغ للعمل بالمهرجان طوال العام ويستلزم ذلك تضاعف أعداد العاملين بإدارة المهرجان فلا ينكر أحد المجهود الكبير الذي بذله فريق العمل بالمهرجان وكذلك المركز الإعلامي به لكنه يتطلب مزيدًا من الطاقات الشابة للتوسع وتوزيع مهام العمل بصورة أكبر.

على المهرجان أيضًا محاولة إنشاء صندوق منحة أو تمويل لمشروعات سينمائية تقدم للمهرجان حتى لا يواجه أزمة في غياب وجود فيلم مصري مشارك به كما حدث هذا العام، بالإضافة لوجود نية عزم حقيقية من قبل شباب السينمائيين بوجه عام لتقديم مشروعات جادة تصلح للمشاركة بالمهرجان مع ضرورة تواجدهم ومتابعتها في حضرة هذا الحدث السينمائي.

[x]