رآه نجيب محفوظ أجمل الآداب جميعًا.. كيف أثر الأدب الروسي في الكتاب المصريين؟

11-12-2017 | 16:03

نجيب محفوظ

 

محمد فايز جاد

مثلما تأثر الكتاب الروس منذ القدم بالشرق، الذي مثل لهم منظومة قيمية شغلت جانبًا كبيرًا من تفكيرهم، كان الأدب الروسي ذا تأثير واضح على الأدب المصري بأنواعه المختلفة الأمر الذي صنع صلة وثيقة بين الأدبين من الصعب أن يمر عليها قارئ أو ناقد مرور الكرام.


قد يتوقع البعض أن تأثر الأدباء المصريين ب الأدب الروسي جاء بعد الثورة البلشفية وما تمخضت عنه من صياغة للواقعية الاشتراكية بالإضافة لإسهامات الماركسيين بدءًا من نقاد الاتحاد السوفييتي ووصولًا إلى انتشار المدرسة الماركسية في عدة بلدان. ولكن يبدو أن الأمر قد بدأ قبل ذلك، فالشاعر الروسي الشهير بوشكين (1799 – 1837) الذي يلقب بأمير الشعراء الروس، والروائي ليو تولستوي (1828 – 1910) اللذان كانا قد اهتما بالشرق اهتمامًا كبيرًا، إلى الحد الذي دفع الأول لكتابة قصيدة تشتبك مع القرآن الكريم، ودفع الثاني للغوص في تأملات عميقة حول الشرق الإسلامي، كانا قد تركا أثرهما على الرواد من الأدباء المصريين وبخاصة الشعراء الذين كانوا قراء جيدين للآداب الغربية.

يقول شوقي في رثاء الأديب الروسي:

تولستوي تجري آية العلم دمعها
عليك ويبكي بائس وفقير

ويندب فلاحون أنت منارهم
وأنت سراج غيبوه منير

يعانون في الأكواخ ظلمًا وظلمة
ولا يملكون البث وهو يسير

أما القطب الثاني في الشعر المصري والعربي آنذاك، الشاعر حافظ إبراهيم، فلم يفوت فرصة رثاء أحد أهم الأدباء في التاريخ:

رثاك أمير الشعر في الشرق وانبرى
لمدحك من كتاب مصر كبير

ولست أبالي حين أرثيك بعده
إذا قيل عني قد رثاه صغير


فقد كنت عونًا للضعيف وإنني
ضعيف وما لي في الحياة نصير

ولست أبالي حين أبكيك للورى
حوتك جنان أو حواك عسير

كانت صورة الأديب الروسي إذن في عين أدباء الشرق تتمثل في انحيازه للفقراء، وشعوره بالمعاناة التي يعانيها الفلاحون في بلاده، وتأثره لحالهم، هذا بالإضافة إلى نظرته للشرق الإسلامي التي امتاز بها، وامتاز بها أقرانه من الأدباء الروس.

منذ الثلاثينيات ازدهرت حركة الترجمة من الروسية، وتوفرت ترجمات كثيرة كان كثير منها بالإنجليزية لأعمال كبار كتاب روسيا، مثل تشيخوف وتورجينيف و تولستوي و دستويفسكي ومكسيم جوركي، وكان هذا الأخير صاحب تجربة مهمة وهي روايته الشهيرة "الأم" التي صارت نموذجًا للواقعية الاجتماعية أو الواقعية الاشتراكية بالأحرى، ومثلت نموذجًا لدور الأدب في مواجهة الظلم الاجتماعي، وكان الكتاب المصريون آنذاك مطلعين على هذه الكتابات الأمر الذي يدفع بعض الباحثين للتأكيد على أثر الأدب الروسي في انطلاقة فن القصص المصري.

محمود طاهر لاشين (1894 – 1954) يعد واحدًا من أبرز رواد فن القصة القصيرة المصرية، وهو أحد الأسماء التي توقف عندها الكاتب الراحل يحيى حقي في كتابه "فجر القصة المصرية". كانت النقلة التي قام بها محمود طاهر لاشين في القصة القصيرة المصرية، أو في السرد المصري بشكل عام، تتمثل في إصراره على التخلص من النموذج التقليدي القائم على الزركشة اللغوية والإغراق في استخدام المحسنات البديعية، لينتقل إلى الالتحام بالمجتمع ومشكلاته، مما يدفع بعض الباحثين إلى تشبيهه ب تشيخوف مستعينين في ذلك بالتشابه بينما في التوقف عند البعد الاجتماعي وإبراز المشكلات الاجتماعية في كتاباتهم.

أما عن النموذج الأبرز في القصة المصرية فهو الروائي والقاص الراحل يوسف إدريس، الذي ما إن يذكر اسمه حتى يذكر اللقب الذي أطلق عليه وهو " تشيخوف القصة المصرية".

يتوقف النقاد في تجربة صاحب "أرخص ليالي" عند تناوله للمجتمع المصري بعين ناقدة تبرز التفاوت بين الطبقات، خاصة في الريف المصري، مع تأثر باللمحة الساخرة التي اشتهرت بها أعمال تشيخوف التي لم تقصد إلى نقد التفاوت الاجتماعي وإظهار الظلم الذي تتعرض له الطبقات الدنيا بشكل مأساوي، بقدر ما تناولت ذلك بصورة ساخرة.

أما عن نجيب محفوظ فإن الحوارات التي أجريت معه لم تتناول الأدب الروسي بشكل كبير، رغم أن هناك أمورًا تؤكد أنه اطلع على الأدب الروسي بشكل جيد، بالإضافة إلى ما يراه البعض من تأثر – بخاصة في ثلاثيته- بأعمال عملاق الرواية الروسية دستويفسكي .

في مقال مجهول نشره صاحب نوبل في جريدة "السياسة" عام 1933، وأعادت نشره صحيفة "الأهرام" في 1 سبتمبر 2015، يتحدث نجيب محفوظ عن أنطون تشيخوف بطريقة يبدو فيها إطلاعه الكبير على كتابات تشيخوف بل وأفكاره وفلسفته ورؤيته للحياة، وهو ينشر المقال وكأنه يريد تعريف القرئ المصري بذلك الكاتب الذي مثل نقلة في الآداب الأوروبية والعالمية بشكل عام.

"كان في طبيعة تشيكوف ما يمنعه عن الإبانة الصريحة عن ذات نفسه، فلم يخلف لنا مذكرات شخصية تنفع المؤرخ النفساني، حقًا إن رسائله كثيرة ولكنها في الغالب تتناول مواضيع عامة أدبية وفلسفية وعلمية، فالمرجع الثقة لمن يريد أن يتعرف إلى هذه النفس الأدبية هو مؤلفاته وبعض رسائله الخاصة، ومن الحق علينا أن نتكلم عن إيمانه، فإن إيمان الرجل أو عدمه أدق مقياس يزن أفعاله وتصرفاته، وتشيكوف يقول صراحة إنه فقد الإيمان وهو صغير، وطال عهده بهذه الحرية الدينية وبقي يلهو ويعبث ويعمل من غير ما يكدر صفو قلبه بأسئلة الإيمان الملحة التي قد تبلغ حد العذاب، وكأنك بعد ذلك تحس بالجد في كتابته، فكأن نظرته إلى الحياة حالت وكأن الحياة في نظره كبرت، وتتوالى أسئلته عن الحياة والموت. وتكاد تلمس المرارة التي يفيض بها قلبه المرهف الحس، وخرج عن قبة نفسه ليواجه المشاكل الاجتماعية الكثيرة، واستحوذ عليه اهتمام كبير بها، أغراه بالتعرض لأهوال السفر لمجرد التعرف إلى أناس جدد وأخلاق جديدة".

غير أن أبرز صورة لتأثر محفوظ ب الأدب الروسي قد تتضح في مقال نشره مؤخرًا الروائي والكاتب المسرحي محمد سلماوي في صحيفة الأهرام، كان قد أجراه مع صاحب نوبل، وفيه يجيب على محاوره – سلماوي- حين سأله عن رأيه في الأدب الروسي : "الله علي الأدب الروسي الله!..( سرد أسماء كتابها بسعادة واضحة) دوستويفسكي وترجنيف و تولستوي و تشيخوف ، إن الأدب الروسي أجمل الآداب جميعًا لأنه أقربها لنا أفقًا وموضوعًا وفلسفة".

أثرت إسهامات الماركسيين الروس وغير الروس في النظرية الأدبية في تنشئة جيل من الكتاب المصريين الذين انحازوا إلى هذا الاتجاه الاجتماعي، كان من بينهم الكاتب الراحل محمود أمين العالم الذي دخل في سجال مع عميد الأدب العربي د.طه حسين، الذي قلل من أهمية الاتجاه الاجتماعي، ليرد عليه الكاتب الشاب.

محمود أمين العالم الذي سيصير بعد ذلك أحد أهم الأسماء في الحزب الشيوعي المصري صاحب الاتجاه الماركسي اللينيني قدم عدة كتابات في المجال الثقافي تعتمد على البعد الماركسي والقراءة الطبقية للأدب، ليسجل اسمه كأحد أهم الأسماء في اليسار المصري المعاصر.

كتاب كثيرون انضموا للحزب الشيوعي المصري صاحب الاتجاه اللينيني – نسبة إلى فلاديمير لينين قائد الثورة البلشفية التي أطاحت بالقيصر الروسي- من بينهم الكاتب صنع الله إبراهيم الذي كان أحد الشهود على مقتل المنظر الشيوعي شهدي عطية الشافعي في سجن الواحات في الستينيات.

وتتخذ كتابات صنع الله إبراهيم اتجاهًا سياسيًا معارضًا نابعًا من خلفيته الماركسية، وهو الذي قرأ أعمال المنظر الماركسي المعروف جورج لوكاش في سجن الواحات ودون ملاحظاته عليها على أوراق السجائر – كما روى في عدة مناسبات. هذا بالإضافة إلى أسماء كثيرة أخرى من بينها لطيفة الزيات على سبيل المثال.

في المسرح المصري كان للواقعية الاجتماعية التي تبلورت بشدة على يد المنظرين الماركسيين الروس وغير الروس دور كبير فيما عرف بنهضة المسرح المصري. ففي الخمسينيات والستينيات ظهر جيل من كتاب المسرح الذين تبنوا القضايا الاجتماعية مثل سعد الدين وهبة ونعمان عاشور وألفريد فرج، وهي المرحلة التي شهدت تقاربًا كبيرًا بين المسرح المصري والقضايا الاجتماعي.

تعرف هذه الحقبة بحقبة "المسرح السياسي" وهو المصطلح الذي يشير إلى الحركة التي ظهرت في روسيا القيصرية كما يقول الناقد د.عبد العزيز حمودة الذي يرى أنه ظهر نتيجة ".. للموجة الجديدة من الوعي السياسي والاجتماعي الذي اجتاح ألمانيا القيصرية بعد هزيمتها في الحرب الكبرى".

في قلب موسكو كان الشاعر والمسرحي المصري الراحل نجيب سرور يمر بمرحلة شديدة التأثير في تجربته الأدبية، وذلك بعد أن سافر إلى الاتحاد السوفييتي في 1959 في بعثة لدراسة الأدب، وهناك اجتذبه الفكر الماركسي واقترب من الحمر للدرجة التي دفعته لرفض العودة إلى مصر حيث أشيع أنه على صلة بمنظمة "حدتو" الشيوعية في مصر، ولكن بعد أربعة سنوات دب الخلاف بين الشاعر المصري والحمر في موسكو فاضطر للسفر إلى بودابست عاصمة المجر.

كان لهذه العزلة أثر في كتابات سرور الذي راح يندب حظه وما وصل إليه من عزلة ومطاردة في ديوانه "لزوم ما يلزم" الذي تأثر فيه بأبي العلاء المعري، أحد أشهر التشاؤميين في الأدب العربي. بعد ذلك قدم سرور عدة أعمال مسرحية – منها "منين أجيب ناس" نابعة من وعيه الاجتماعي، ومتأثرة بتجربته الذاتية، التي ربما ظل أسيرًا لها حتى وفاته في 1978.





اقرأ ايضا:

الأكثر قراءة

مادة إعلانية