من "نهر الحب" لـ"الإخوة الأعداء" و"أغاني الاشتراكية".. تعرف على التأثير الروسي في الفن المصري

11-12-2017 | 14:50

"نهر الحب" - "الاخوة الأعداء"

 

أحمد عادل

علاقات ثقافية متميزة وجسور فنية ممتدة بين القاهرة وموسكو، أبت إلى أن تسير في خط إبداعي يسير بالتوازي مع العلاقات السياسية الاستراتيجية بين البلدين، لتتحول بمقتضاها أعمال فنية حفظت بذورها في الأرض السيبيرية المتجمدة، لتزهر بمجرد إلقائها في الأرض المشرقة لوادي النيل .


المسرح والسينما شكلا معا البوابة الأولى لمثل هذا التأثير الروسي عبر واحد من الآباء والرواد المؤسسين لهما، هو الفنان حسين رياض، والذي كان والده واحدا من أكبر تجار الجلود في الشرق الأوسط، كما كان صديقًا مقربا لقيصر روسيا الأخير نيكولاس الثاني، وقد أتاحت هذه الصداقة زيارات متكررة لحسين رياض وشقيقه فؤاد شفيق إلى عاصمة روسيا القيصرية سان بطرسبرج ، حيث تردد رياض على خشبة مسرح "البولشوى" قرب قصور الكرملين، وقد أثر هذا الأمر على النزعة الأدائية لحسين رياض في المسرح والسينما، لذلك كان تفوقه المسرحي في بدايته الأولى مع فرقة نجيب الريحاني من خلال مسرحية "كش كش بيه" .

في الستينيات كانت السينما المصرية على موعد مع الروائع الأدبية المترجمة للأدب الروسي، و لا أدل على ذلك من فيلم "نهر الحب" الذى تم إنتاجه عام 1960، بطولة سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة، والفنان العالمي عمر الشريف، وشاركهما البطولة زكى رستم وعمر الحريري، وأخرجه عز الدين ذو الفقار عن رواية "أنا كارنينا" للأديب الروسي ليو تولستوى، ليصبح الفيلم أيقونة للأفلام الرومانسية المصرية، واختير واحدا من بين أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية.

وساهمت الرواية الرومانسية الشهيرة "دكتور زيفاجو" للأديب الروسي بوريس باسترناك ، فى ترسيخ نجومية عمر الشريف في السينما العالمية، والفيلم من بطولة عمر الشريف ، وجولي كريستى، جيرالدن تشابلن، وإخراج ديفيد لين .

عزز المخرج حسام الدين مصطفى من هذا التأثير الروسى حين أخرج الفيلم الشهير "الأخوة الأعداء" عام 1974 من بطولة يحيى شاهين ، ونور الشريف، ونادية لطفي، وحسين فهمي ، وميرفت آمين، ومحي إسماعيل ، عن رواية "الإخوة كرامازف" للأديب الروسي دوستوفيسكى.

ساعد هذا التقارب المصري الروسي في إرسال بعثات فنية من مصر لدراسة التمثيل والإخراج في موسكو، ومن أشهر الفنانين الذين درسوا في روسيا ، ونالوا الدكتوراه في الإخراج الفنان فاروق الرشيدي.


انتماء عدة أسر مصرية للفكر الاشتراكي، ساهم في تنمية مواهب أبنائهم ، ولا أدل على ذلك من الكاتب المسرحي الكبير لينين الرملي، الذي تسمى باسم قائد ثورة البلاشفة "فيلادمير لينين" الذي استطاع تكوين ثنائي مسرحي رائع مع الفنان الكبير محمد صبحي في أعمال خالدة مثل "وجهة نظر، الهمجي، تخاريف"، فضلا عن مسرحية "سك على بناتك" مع الفنان فؤاد المهندس، وأفلام سينمائية ناجحة مثل، "العميل رقم 13" مع محمد صبحا، والإرهابي" و"بخيت وعديلة" مع عادل إمام ، حيث تميزت أعمال لينين الرملي بالنقد المجتمعي القائم على السخرية والكوميديا السوداء.

الموسيقى كانت الأكثر تأثيرا بالطابع الروسي، فحين شدت سيدة الغناء العربي أم كلثوم برائعتها "ولد الهدى" ، وقالت من كلمات شوقي في مدح الرسول ـصلى الله عليه وسلم :" الاشتراكيون أنت إمامهم .. لولا دعاوى القوم والغلواء" ، تدخل القصر الملكي لمحاولة تعديل هذا البيت الذي رأى فيه انتصارا للاشتراكية الوافدة من الاتحاد السوفييتي، وقد أصرت أم كلثوم على عدم تغيير كلمة "الاشتراكيون" رغم محاولات القصر والإنجليز، الذين رضخوا في نهاية المطاف.

وفور نجاح ثورة 23 يوليو، وفى خضم الحرب الباردة ، تشكلت علاقات سياسية متميزة بين مصر والاتحاد السوفيتتى ، وأعلت الثورة من مبادئ الفكر الاشتراكي السائد في الاتحاد الأوروبي عبر سياسات الإصلاح الزراعي والتأميم، غنى عبد الحليم "على راس بستان الاشتراكية" من كلمات صلاج جاهين والحان محمد الموحى ، والتي تقول كلماتها : "علـى رأس بستان الإشتراكية، واقفين بنهندس على المياه، أمة أبطال عُلما وعمال، ومعانا جمال "، وغنى المسئولية من كلمات جاهين ، والحان كمال الطويل ، والتي تقول كلماتها :" مفيش أنا فيه إحنا يا صاحبي..أنا وأنت وهو وهي علينا نعمل الاشتراكية..من كلمة حلوة للقمة حلوة، وبيت وكسوة ،وناس عايشين، أدي القضية أدي القضية، أديك أهو خدت العضوية، وصبحت في اللجنة الأساسية، أبو زيد زمانك وحصانك، في الكلمة والخدمة الوطنية، ودى مسئولية" .

موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب كان الأكثر غناء وتلحينا لمبادئ الاشتراكية التي أعلتها الثورة ، ومنها أغنية حرية أراضينا من كلمات الشاعر صالح جودت ، والتي تقول كلماتها :" في طريق الاشتراكية اختار الشعب حياة.. فاتحتها الحرية و تحياتها المساواة، والروح العربية كرامتها صيام وصلاة، والعزة المصرية ما تذل لغير الله، ولنكران الذات عمرنا ما تارنا يبات..حرية أراضينا فوق كل الحريات" .

هذا بالنسبة لكلمات الأغاني التي اقتبست كثيرا من كتب الاشتراكية التي تفجرت في الأراضي الروسية، أما على صعيد الألحان، فنجد بعض الأغاني التي تأثرت بالتوزيع الأوركسترالى لبعض الملحنين الروس، وخير مثال على هذا أغنية "طير بينا يا قلبي" للموسيقار الفذ محمد فوزي، حيث تأثر بأنشودة "كانوا الخيالة" ، وهى أغنية شعبية روسية، كتبها الشاعر فيكتور جوزيف، ولحنها الموسيقار الروسي لييف كنيبر، وقد كان الجيش الأحمر الروسي ينشد هذه الأغنية خلال الغزو النازي، وعُرفت باسم "فرسان مارس الحمر" .

وجعل الموسيقار محمد فوزي "خطوة الحصان" أساسا للحن الأغنية التى تعلقت بها قلوب المصريين، وشدي بها خلال فيلم "دايما معاك" عام 1954، وشاركه البطولة فاتن حمامة و عبد الوارث عسر، وسعيد أبو بكر .

وبعد ذلك التاريخ بعشرين عاما أعادت فيروز والأخوين رحبانى توزيع تلك الأغنية تحت عنوان "كانوا يا حبيبي" خلال مسرحية لولو عام 1974، في العام الذي توفى فيه الملحن لييف كنيبر، وتقول كلماتها :" كانوا الخيالة..برد وصهيل وخيل..مارق عا باب الليل ... مارق عا باب الليل..كانت أصواتهم تاخدنا مشوار..صوب المدى والنار " .

وقد ساهمت الدراسة الأكاديمية للموسيقار المصري من أصل لبناني المايسترو سليم سحاب في التوزيع الموسيقى بموسكو، على تطوير الغناء والتوزيع الموسيقى، حيث سعى سحاب على إعادة تحرير واكتشاف التراث الغنائي المصري والعربي في قالب موسيقى يتمتع بالحداثة والجاذبية الموسيقية .