بعد إثارة الجدل حول بيع لوحة "دافنشي".. خطاب نادر عن اختراعه سفينة لا تؤثر فيها النيران والمدافع | صور

11-12-2017 | 00:36

لوحة "سلفاتور موندي"

 

محمود الدسوقي

عام 1935 م، ومنذ أكثر من 80 سنة، نشرت مجلة "الهندسة" الشهرية المهتمة بالعلوم خطابًا للفنان والمهندس الإيطالي ليوناردو دافنشي، استعرض فيه أهم ال اختراعات القادر على تنفيذها في وقت الحرب والسلم، منها اختراعه سفنا لا تؤثر فيها المدافع والنيران، وإنشاء عرب ات مغطاة، وعمل أنفاق تحت الأنهار، وغيرها من ال اختراعات التي لم تكن موجودة في عصره الذي يعيش فيه في القرن الخامس عشر الميلادي.

وكانت لوحة الفنان "دافنشي" المسماة "سلفاتور موندي"، أو "مخلص العالم"، التي بيع ت في مزاد نيويورك بـ450 مليون دولار، قد أثارت الكثير من ردود الأفعال في العالم أجمع – حسب ما تناقلته وكالات الأنباء العالمية، إذ نشرت صحيفتا "نيويورك تايمز" و"ول ستريت جورنال" أن ال لوحة بيع ت لأمير سعودي، بينما أكدت صحف أنه أفاد الحساب الرسمي لمتحف "اللوفر أبو ظبي" على "تويتر" بأن دائرة ال ثقافة والسياحة – أبو ظبي قد استحوذت على لوحة ليوناردو دافنشي "سالفاتور موندي"؛ وذلك من أجل عرضها في المتحف الذي تم افتتاحه في 8 نوفمبر الماضي.

وتنشر "بوابة الأهرام" قصة الخطاب النادر الذي شغل الرأي العام المصري في المجلات العلمية الصادرة في ثلاثينيات القرن الماضي، مثل مجلة "الهندسة" التي أفردت مقالًا للكاتب أحمد فهمي أبوالخير، وهو يتحدث عن خطاب ليوناردو دافنشي، رائد الميكانيكا التطبيقية في العالم، وأحد أهم مؤسسيها في العالم.

كان ليونارد دافنشي (1452- 1519) شخصًا ممتازًا - كما وصفته "الهندسة" - ظهر في ذروة النهضة الإيطالية، ولد بالقرب من مدينة فلورنسا، وتتلمذ في الرابعة عشر من عمره علي يد أشهر الفنانين آنذاك، وهو الفنان أندريا فيروتشيو، واستفاد منه كثيرا، وتأثر في أيامه الأولى في فلورنسا برجال العلم المعاصرين، وفي عام 1483م هاجر إلي ميلان، والتحق بخدمة لودفيكو سفورزا كمهندس مستشار في أعمال البناء والنحت.

وأوضحت "الهندسة" قصة الخطاب النادر، مؤكدة أنه شيق وغريب، على حد قولها، فهو الخطاب الذي بعث به ليوناردو دافنشي إلى "سفورزا" الحاكم القوي آنذاك، حيث يؤيد الخطاب طلبه الذي كان قدمه للالتحاق بوظيفة مستشار في أعمال البناء والنحت، وتوضح المجلة: "هذا الخطاب يعطينا فكرة عن هذا العبقري ومزاياه الفنية، ثم أن الخطاب نفسه يتفق والغرض الذي نكتب من أجله، أي علم الميكانيكا التطبيقية" .

وأضافت: "كانت قراءة ما تركه ليوناردو أمرًا صعبًا يستلزم الجلد والصبر، وقد بدأ يكتب مخطوطاته وهو في سن العشرين، وجعل يكتبها بطريقة أراد بها إرباك قارئها، فهو كتبها من الشمال إلى اليمين على طريقة اللغات السامية، وكانت كتابته من النوع المعروف باسم "ذي المرآة"، أي أنها معكوسة الوضع، فكانت كتابته تظهر ما يظهر في المرآة إذا وضعت أمامها صفحة مكتوبة، كما اتبع في كتابته الكثير من الترخيم، أي الاختصار في الحروف، كما أنه لم يستعمل التنقيط، أي علامات الوقف، ولولا ما بذله النساخ من جهد عظيم لظلت مخطوطات ليوناردو مهملة".

في 10 نقاط مهمة استعرض "دافنشي" رؤيته لل اختراعات المستقبلية في خطابه، وهو الخطاب الذي جعل المجلات العلمية المصرية تتساءل: كيف لشخص يعيش في القرن الخامس عشر يهتدي إلى الوقاية من الدخان والغاز السام؟! وكيف لشخص يعيش في هذا القرن يعرف إنشاء شكل عرب ات مغطاة لنقل المدافع قبل اختراعها في العالم وسفن لا تتأثر بالمدافع ولا بالنار؟!.

قال ليوناردو دافنشي في خطابه: "بعد أن رأيت يا مولاي تجارب أولئك الذين يدعون أنهم أئمة في اخترع آلات الحرب، وفكرت فيها، وبعد أن وجدت أن جميع آلاتهم لا تختلف اختلافًا جديًا عن الآلات الشائعة الاستعمال، فإني عليّ إخبارك يا مولاي، وأنا لا أريد إخبار أحد بعض الأسرار الفنية والهندسية والصناعية التي وصلت إليها، وإليك هي يا مولاي باختصار".

وأضاف في الخطاب: "أولًا: أعرف عملية إنشاء جسور كباري خفيفة جدًا للتنقل، يسهل عن طريقها فتح باب الهروب للعدو ثم اقتفاء أثره، وكذلك إنشاء جسور تقاوم فعل النار والسيف تنخفض وترتفع بسهولة، كما إني أعرف وسائل لحرق جسور الأعداء وإتلافها. ثانيًا: في حالة محاصرة مكان أعرف كيف أصفي الخنادق وأجففها، وكيف أنشئ سلمًا للتسلق وما إلى ذلك من الأجهزة. ثالثًا: وفي حالة إذا ما استعصى علينا إطلاق المدافع على مكان الأعداء سواء كان قويًا أو خلافه فلدي وسائل أخرى لهدمه، وذلك بلغمه ومتفجراته، على أساس أن تكون أسس القلعة غير مبنية بالصخر".

وتابع: "رابعًا: أعرف كيف أجعل المدافع الخفيفة السهلة الانتقال تقذف مقذوفات نارية ينشر دخانها الفزع والاضطراب والفناء بين الأعداء (يلاحظ هنا توقع فى القرن الخامس عشر الحاجة إلى وقايات للدخان والغاز السام)، خامسًا: أستطيع أن أوجد ممرًا ينفذ إلى الأماكن المنيعة وذلك بأن أحفر دون جلبة أنفاقاً ضيقة مستديرة تمر حتى تحت الأنهار. سادسًا: أعرف كيف أنشئ عرب ات مأمونة مغطاة لنقل المدافع إلى خطوط الأعداء لا تعوقها كثرة الجند، ومن خلفها يسير المشاة آمنة مطمئنة". 

وقد تساءلت المجلة: ألا تكون هذه عرب ات التنكس الحديثة وقد تخيلها ليوناردو قديمًا؟!

وأوضح: "سابعًا: أستطيع أن أصنع مدافع واستعيض عنها بالمنجنيق وغيرها من أجهزة القذف المستعملة الآن، وباختصار إذا كانت الحال كذلك فإني قادر على ابتكار ما لا عدد له من وسائل الهجوم. ثامنًا: أستطيع أن أصنع مدافع طويلة وأخرى قصيرة والآلات البخارية وما إلى ذلك، تكون نافعة وجميلة ومغايرة لتلك المستعملة الآن. تاسعًا: وإذا كان الصدام في البحر لا البر، فلدي آلات بخارية قوية كثيرة للهجوم والدفاع، وسفن لا تؤثر فيها المدافع ولا النيران، وهذا عدا البارود والمفرقعات".

وفي البند العاشر، أكد ليوناردو دافنشي في خطابه: "أما في زمن السلم، فاعتقادي أني استطيع أن أباري أي مهندس في البنايات وإنشاء النصب التذكارية الخاصة أو العامة وحفر الترع، بل أستطيع أن أصنع تماثيل من الرخام والبرونز والطفل، واستطيع أن أخذ على عاتقي صنع الجواد الابدي البرونزي الذي يقام تخليدًا لذكرى أبيك العظيم، وذكرى بيت سفورزا الكريم، وإذا بدا لك يا مولاي أن شيئًا مما ذكرت غير ممكن صنعه، فإني مستعد لصنعه على الفور تحت إشرافكم في حديقة قصركم، أو في أي مكان يقع عليه اختياركم، وأضع بكل خضوع نفسي تحت تصرفكم" .

وأوضحت مجلة "الهندسة" المصرية، التي كانت تصدر باللغتين ال عرب ية والإنجليزية، في عرض خطاب ليوناردو دافنشي، أنه لم ينظر بعين العناية لمؤلفات الفنان والمهندس والعالم إلا قريبًا، أي في ثلاثينيات القرن الماضي، وسبب ذلك أن ما خلفه من كتابات ورسوم اختفي بعد موته، وظل لسوء الحظ كذلك عدة قرون إلى أن واتاه الحظ، فظهر للناس من جديد، لافتة إلى أنه كان ينظر للط بيع ة نظرة مغايرة، حيث تفتحت أمامه مغاليق أمور كثيرة لم تنكشف لغيره، ولو جاء الذين من بعده وقرأوا مؤلفاته ومكتشفاته العلمية لتغير وجه التاريخ العلمي.



اقرأ ايضا: