حكاية هويس إسنا الذي أنشأه الخديو إسماعيل وأغلقه بعض الموظفين الغاضبين

8-2-2012 | 20:54

هويس إسنا

 

قنا - محمود الدسوقي

ربما لم يعرف الخديو إسماعيل إنه سيأتي اليوم الذي يتم فيه إغلاق هويس إسنا الذي بلغ عيد ميلاده المائة منذ سنوات من قبل موظفين يرون في الظلم سبباً مقنعاً لإيقاف الهويس عن عمل ربما لم يتوقف منذ مئات السنوات.


فحين أوردت وكالات الأنباء المختلفة قرار رفع الشركات السياحية لمدينتي الأقصر وأسوان من برامجها داخل مصر بسبب الشكاوى التي تلقتها تلك الشركات من آلاف السياح العالقين لليوم الثالث على متن بواخرها السياحية في إسنا، لم تشر هذه الوكالات إلى أن قناطر إسنا القديمة والمنشأة من عام 1908م تمثل حلقة الوصل بين الشرق والغرب اللذين لا يلتقيان إلا فوقها.

هويس إسنا



القناطر الواقعة على بعد 162 كيلو مترا شمال خزان أسوان القديم تحكى قصصها للقادمين والعابرين، فكل يوم يمر عليها المئات من القصص والحكايات التي يحكيها الطرف الشرقي لنظيره الغربي، ففي ساعات معينة حين تفتح القناطر الهويس البالغ ارتفاعه 80 مترا كي تعبر منه السفن السياحية المتجهة إلى مدينة أسوان يقف السائحون على السطح ليشاهدوا عالم الصعيد، وهو نفسه مافعله المسيو دورجا مندوب الصحف الأوروبية في مطلع القرن التاسع عشر حين رمق هذا العالم الجنوبي لأول مرة منذ افتتاح الهويس.

تقول المصادر التاريخية إن بناء هذا الهويس تم عقب فيضان 1906م في عهد الخديو عباس حلمي الثاني في السنة الثامنة عشرة من حكمه كما يقول النقش الخديوى الذي مُحى من القناطر، وكانت فكرة القناطر إنجليزية، قدّمها السير وليم جارستن، إلا أن بناءها تم بعرق ودماء وأموال مصرية بلغت مليون جنيه في عصرها، لتبدو كما هي بمشهدها الحالي قناة وصل أو خزانة للتاريخ.

هويس إسنا



عندما جلبت الشركة الإنجليزية -التي أنشأت القناطر وهى شركة (رنسوم وآرييه)- الونش لأول مرة في تاريخ مصر أطلق عليه الصعايدة وقتها "العفريت"، بينما العربات الترولى التي أتت لتمر على القناطر بالعربات أطلقوا عليها العربات المكسحة.

الأغرب أن الأهالي أرادوا استقبال الخديو بمسابقات الخيول والعصي التي يتقوننها لكنه - أي الخديو - رفض هذا الاستقبال بل إنه عين اثنين من "أكابر" البلدة لاستقباله، وكانت تلك البيوت هي بيت عائلة حزين وبيت عائلة بكرى وهى بيوت معروفة إلى الآن بعراقتها في.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل امتنع الخديوى والوفد المرافق عن تناول الطعام الذي أعدوه لهم حيث كان يتوجس منهم خوفاً بسبب نبوءة سابقة لعراف حذره من الصعايدة الذين حاولوا اغتياله في اسطنبول بتركيا على يد حارسه ابن محافظة المنيا.

هويس إسنا



كانت القناطر كما وصفها المسيو دورجا ترتفع ستة أمتار ونصف المتر فوق منسوب المياه، ويبلغ طولها 900 متر وتشمل 120 عينا كل عين تمتد لخمسة أمتار، أما في طرفها الغربي يوجد هويس للملاحة لعبور السفن طوله 80 مترا وعرضه 16 مترا وفوق القناطر يوجد الطريق المرصوف وعرضه 6 أمتار.

أما الحائط البحري من القناطر فقد كانت توجد عليه أكثر من 12 راية موزعة مابين رايات إنجليزية وإيطالية وفرنسية ويونانية وكان نصيب مصر أربعة رايات فقط تضم راية وحيدة لعلم الدولة العثمانية، وهذه الأعلام لم يعد لها وجود الآن مثل بعض النقوش الخديوىة.

وفي الطرف الشمالي الشرقي للهويس، فقد وضع صاحب السعادة حسين بك فخري باشا ناظر الأشغال العمومية في 24 يناير أول حجر في هذه القناطر عام 1908، ولكن لماذا بنيت هذه القناطر، وما الفائدة التي جنتها منها محافظات الجنوب؟

الباحثون الأكاديميون في السجلات الافتتاحية للقناطر يستدلون في ذلك بخطبة إسماعيل باشا سرى التي ألقاها في حفل الافتتاح، حين أشار إلى أن أراضي محافظة قنا كانت تصاب بالجفاف وهو ما حدث عام 1877م، حيث انخفض منسوب المياه، وبالتالي حرم أكثر من 25000 فدان بلا ري، أما قناطر إسنا فإنها "ستحمى المحافظة من الجفاف والشراقى وستضيف 350 ألف فدان جديدة تكون صالحة للزراعة" بحسب خطبة الخديو.

الافتتاح كان بتاريخ 1909م، كما يقول مراسلو تلك الصحف، ومنهم مراسل مجلة المقتطف الصادرة ـ كانو يستقلون البواخر الأنجلو أمريكية بينما كان هو يستقل باخرته المسماة بهيا بجانب يخت المعية الملكية المسمى بنسيم البحرـ ووصل عدد البواخر التي رست هناك من أجل حضور الافتتاح لأكثر من 20 باخرة، إلا أن أهل إسنا كانوا غائبين عن هذا الاحتفال رغم أنه في بلدهم، الأغرب أن مقترح القناطرالإنجليزى وليم جارستين لم يحضر الافتتاح وكانت حجته أنه معتل المزاج.