جمعة "العزة والكرامة".. يوم احتشد التحرير بحثًا عن "العزة" وتعرض الإخوان لألفاظ تمس "الكرامة"

27-1-2012 | 23:53

 

أحمد حافظ

حين حصلت جماعة الإخوان المسلمون على أغلبية المقاعد فى "برلمان الثورة".. لم يتوقع أى شخص ينتمى إليها، أن ينقلب عليها ميدان التحرير يوم "العزة والكرامة".. فحين خرج مئات الآلاف الأربعاء فى الذكرى الأولى لـ"25 يناير"، كان الهتاف الذى توحدت عليه ميادين مصر، هو رحيل المجلس العسكرى عن السلطة، لكن بعد ساعات معدودة، تحولت الهتافات من مناهضة لسياسات "العسكرى" إلى معادية لأفعال جماعة الإخوان، وبات الهتاف الجديد لبعض الثوار "الإخوان بره.. مصر حرة".


تساؤلات تبادرت لأذهان كثير من المراقبين حول تغير موقف الثوار من "ايد واحدة مع الإخوان" إلى "انتو برة واحنا جوة".. لكن: هل أخطأ الإخوان فى حق الثورة والثوار؟ ولماذا أصرت الجماعة على الاحتفال بذكرى الثورة رغم أن شعلة الغضب على دماء الشهداء والمصابين لم تنطفئ بعد؟ وما هى الخطيئة التى ارتكبها الإخوان المسلمون ليرفع بعض ثوار التحرير الأحذية فى وجوههم؟

وعندما يقول أحد المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين إن ماحدث فى التحرير اليوم الجمعة، من هتافات عدائية ضد حزب "الحرية والعدالة" ليس إلا حدثًا فرديًا، وقع من بعض المتشددين، فإن الرد عليه سيكون بالنفى القاطع.. فحين أجبر ائتلاف شباب الثورة بأسيوط أعضاء حزب "الحرية والعدالة" على ترك المنصة التى أقاموها للاحتفال بالثورة بميدان المنفذ، فهذا ليس حدثًا فرديًا، وحين تصل المشادات بين الثوار وشباب الإخوان فى المنصورة إلى استخدام الصواعق الكهربائية، لرفض المتظاهرين أسلوب الجماعة، فى التعامل معهم، فهذا – أيضًا- ليس حدثا فرديا.

لم تفرق هتافات الثوار ضد الإخوان، بين كبيرهم وصغيرهم.. فقد نال الدكتور محمد بديع المرشد العام للجماعة، سيلا من الهجوم، لم يكن يتخيل يومًا أن يتعرض له، حتى من ألد أعدائه، حيث حاصرت أعداد غفيرة من المتظاهرين منصة الإخوان، ورددت هتافات مدوية، كان نصها: "بيع بيع بيع.. فى الثورة يابديع" و"يابديع يابديع.. ثورة مصر مش للبيع".

هنا يكمن التساؤل: لماذا شعر الثوار بأن الجماعة تبيع مصر؟ وما علاقة شائعات الصفقة التى يروج لها البعض الآن بأن المجلس العسكرى عقدها مع الإخوان؟ وهل هذا الهتاف له علاقة بما حدث خلال الجلسات الثلاث لمجلس الشعب، خاصة بعد التسريبات التى خرجت من بعض النواب، والتى تفيد بأن عددًا من نواب الإخوان يسيرون على نفس نهج الحزب الوطنى تحت قبة البرلمان؟.

غير أن مصادر مقربة من جماعة الإخوان المسلمين، حين ردت على موقف ثوار التحرير من الجماعة، قالت إن احتفالات الإخوان بالثورة، ماهو إلا احتفالا بالذكرى، وليس بالنصر، للتعبير عما تم إنجازه حتى الآن، من إجراء انتخابات حرة ونزيهة شهد لها العالم أجمع، وإسقاط نظام مبارك، وممارسة الشعب لحقوقه بكل حرية مطلقة دون أدنى قيود، وأن الاحتفال بالذكرى، لايقلل من قيمة ملف الشهداء والمصابين، الذى عبر عنه الإخوان بكل قوة، فى أول جلسة بالبرلمان، لدرجة أن عددًا من الإخوان لديهم شهداء ومصابين فى الثورة.

وحسب المصدر المقرب، فإن جماعة الإخوان على قناعة بأن المجلس العسكرى، حقق شيئا من الوفاء بتعهداته، فهم يؤمنون بأنه لابد من استمراره لتحقيق باقى المطالب، حيث أن إسقاط المجلس العسكرى فى هذا التوقيت، قد يدخل البلاد فى فراغ دستورى، وبالتالى من سيتولى وقتها إجراء الانتخابات الرئاسية؟ وهل التعجيل بإجرائها هو الحل الأمثل خروج البلاد من هذه المحنة خاصة وأن توقيت إجرائها ليس ببعيد؟

المصدر اعتبر أن ماحدث اليوم فى ميدان التحرير من هتافات معادية للإخوان، ماهو إلا نوع من المكايدة السياسية ضد النصر الذى حققوه فى الانتخابات البرلمانية، لكنه أشار إلى قيام بعض شباب الجماعة بالهتاف ضد حكم العسكر مساء اليوم الجمعة، الأمر الذى اعتبره عدد من ثوار التحرير، متاخرا.

وبينما تدرك جماعة الإخوان خصوصية الشعب المصرى، من حيث التنوع السياسى والثقافى والاجتماعى، فقد بدأت فى إجراء مشاورات مع عدد كبير من القوى السياسية للتفاهم معها حول عدد من القضايا التى تمثل مشكلات قائمة داخل المجتمع، للتوصل إلى صيغة مرضية للجميع.. هذا ما أراد المصدر المقرب من الإخوان الإشارة إليه.

فيما يتسائل مقربون من الإخوان: كيف لا يرضى الناس عن نواب الإخوان، قبل اختبارهم فى الحكم، خاصة وأنهم داخل البرلمان منذ أيام قليلة؟ ومن أين جاءت الهيمنة وهم فى الأساس ليس لديهم سلطة تنفيذية؟ وكيف يهيمن الإخوان على شئ، وهم أكثر فصيل سياسى عانى من هيمنة النظام السابق؟.

لكن عندما يتمعن البعض فى طبيعة الهتافات التى ترددت اليوم الجمعة، ضد الإخوان المسلمون، سيجد أنها كانت صادمة للجماعة، ومنها على سبيل المثال: "كل همهم الانتخابات لا الحرية والكرامات.. لا حرية ولا عدالة البسوا أسود على الرجالة.. يسقط الإخوان.. الإخوان برة الميدان.. يسقط الإخوان والمجلس العسكري.. دى ثورة مش حفلة.. ليه بتشوه صورة أخوك ظبط فكرك وهما يحبوك.. كدابين كدابين... وحسبى الله ونعم الوكيل".

يرى بعض الثوار أن السبب فيما حدث فى التحرير في جمعة "العزة والكرامة" من هتافات معادية للإخوان، أن منصة الجماعة قامت بإذاعة أغانى وطنية، وتعليق لافتات تتضمن شعارات للاحتفال بالثورة، فضلا عن محاولة التشويش على باقى المنصات الأخرى بالميدان من خلال تشغيل إذاعة القرآن الكريم، لكن عددًا من المحللين والمراقبين للمشهد السياسى، اعتبروا أن هذه الأسباب ماهى إلا ظاهرية، ومسببة لما حدث، لكن الأسباب الخفية كانت أكبر من ذلك بمراحل، ومن بينها مثلاً، أن موقف الإخوان من رحيل المجلس العسكرى فورًا، مازال مبهمًا، ولم يتم التعبير عنه علانية، فضلاً عن خروج قيادات الإخوان المسلمون وتوجيه الشكر للمجلس العسكرى على إدارته للفترة الانتقالية، وحديثهم عن أن "العسكرى" لم يرتكب جريمة نكراء خلال فترة حكمه للبلاد، ناهيك عن عدم الوقوف بجوار الثوار المطالبين بمحاكمة أعضاء المجلس.

منذ تنحى الرئيس السابق حسنى مبارك عن الحكم فى فبراير من العام الماضى، ورغم الهتافات المدوية التى شهدها ميدان التحرير للمطالبة برحيل المجلس العسكرى، من خلال المشاركة فى "جمعات" متعددة، فلم يشهد الميدان أن قام متظاهرون برفع أحذيتهم فى وجه أى عضو بالمجلس العسكرى، رغم أن مطلبهم الوحيد –كان وما زال- هو أن يرحل ويعود لثكناته، بينما فى أول مواجهة شبه واقعية بين الثوار والإخوان، قام متظاهرون برفع أحذيتهم فى وجه منصة الإخوان، وتحديدًا عندما كان يتحدث عليها الدكتور محمد البلتاجى، القيادى البارز بحزب "الحرية والعدالة" وعضو مجلس الشعب عن جماعة الإخوان.. فهل هذا الموقف من المسهل أن يمر مرور الكرام دون دراسته من جانب الإخوان؟.

الدكتور محمود غزلان، عضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين والمتحدث الإعلامي باسم الجماعة، رد على ذلك بقوله إن ثقة الشعب المصري في الجماعة تعلو فوق ما وصفه بحملات السباب والشتائم والحقد والكيد.

وقال: إن ما وصفه بالهتافات غير الأخلاقية التي ظهرت اليوم بميدان التحرير من بعض المتظاهرين "غير المهذبين" بقصد الإساءة إلى الإخوان، ومشاركتهم في الثورة، تمثل تعبيرا عما وصفه بالحالة التى بدأت بعد الثورة من قلة وصفها بأنها مجندة للهجوم على الإخوان.

لكن البعض اعتبر احتفالات الإخوان بالثورة، ماهو إلا رسالة منهم تشير إلى أن الثورة قد انتهت، خاصة أنهم كانوا الفصيل السياسى شبه الوحيد الذى كان يحتفل بذكرى الثورة على مرأى ومسمع من الجميع فى ميدان التحرير، بينما اعتبر البعض الآخر أن احتفالات الإخوان بالثورة، تأكيدا منهم على حماية المجلس العسكرى لها من بدايتها وحتى نهايتها، وهذا مايشكك فيه البعض فى التحرير، مما اعتبره عدد من المتظاهرين أن "الإخوان سنيد العسكرى فى الميدان".

اتصالا بما سبق.. لم تقف إحدى السيدات المسنات مكتوفة الأيدى أمام احتفالات منصة الإخوان بالثورة، بينما قررت أن تصعد علي المنصة وبدأت حديثها بالهجوم علي الذين يحتفلون بالثورة، خاصة الإخوان، وقالت لشباب الجماعة: "الثورة لم تكتمل حتي الآن ولا يزال حق الشهداء ضائعا.. أنا باجي من يوم 25 إللي فات، لكن منزلتش في ذكري الثورة السنة دي علشان مش عايزه احتفل مع اللي بيحتفلوا.. فمازالت هناك الكثير من الأمهات يبكين على أبنائهم الشهداء حتي اليوم".. لكن كيف سيخرج الإخوان من هذا المأزق؟ وبأى خطوة سيبدأون حتى يدخلون التحرير، دون أن يصرخ الميدان فى وجههم بعبارة "برة برة.. مصر حرة"؟!.