[x]

ثقافة وفنون

دفتر أحوال الجامعة المصرية (7) - صناعة الإرهاب

4-12-2017 | 08:56

.

مصطفى الضبع

لأن الجامعة ليست منعزلة عن مجتمعها، فإن من آليات عملها رصد الظواهر الاجتماعية ومراجعتها وتحليلها واقتراح حلولها أو الاكتفاء بوضع يد المجتمع على مكامن الخلل.

وعندما تمر الأوطان بلحظة استثنائية يكون التزام الصمت نوعا من اختراق الوطنية وقتلها، حيث اللحظة تتطلب جهودا من الجميع ومشاركة من كل الجهات التي يعنيها أمن الوطن وسلامة الأجيال، ولا يختلف اثنان على دور الجامعة أو ما يجب أن تقوم به، ويكون من العبث أن تقف الجامعة في منطقة رمادية، حين لا تتقدم بمشروع طويل المدى للخروج من الأزمة أو وضع تصورات لها أو دراسة الحالة و طرح أفكار لها طبيعتها العلمية التي يعتمدها المجتمع للخروج من المعضلة.
وقوف الجامعة في هذه المنطقة أفضى إلى خلق مساحة من السخط (سخط الشاب على واقعه يقربه درجة من الوقوع في شباك من يأخذه في طريق كراهية الوطن والوقوف في الخندق المقابل، وفقدان الشاب للقدوة في محيط الجامعة يأخذه سريعا إلى اعتناق أفكار التطرف).
إن الطالب يفهم تمامًا شخصية أستاذه ويدرك مكامن التميز فيه، كما يدرك نوعية الأستاذ الحقيقي أو المزيف أو الفهلوي أو التاجر وغيرها من الأنواع التي يكون لها تأثيرها الواضح على الأجيال إيجابا وسلبا، يتقرب من أستاذه الإنسان وينفر من أستاذه الذي لم يدرك بعد معنى قول الشاعر:
أحسِنْ إلى النّاسِ تَستَعبِدْ قُلوبَهُمُ.. فطالَما استبَعدَ الإنسانَ إحسانُ
وحتى الذين يدرسون البيت لطلابهم لا يعملون به، يرددونه كما يرددون الكثير من محفوظاتهم من قرآن وحديث وحكم وأمثال وأشعار دون تأملها أو تدبر معانيها، تماما كما نرتدي مسوح رجال الدين فنردد أحاديث تغيير المنكر نظريا، نكتفي بمواعظ للطلاب دون أن نكون قدوة صالحة أو قدوة نافعة (هناك أساتذة شاركوا في أعمال تخريب المنشآت جنبا إلى جنب مع طلابهم ، فهل هذه القدوة؟!).
عندما التزمت الجامعات الصمت تجاه السرقات منحت الأجيال رخصة الإباحة، إباحة السرقة فاستفحل الأمر واعتمد بعض الباحثين الشباب الطريقة لصناعة مستقبلهم فقد جربها أساتذتهم وآتت ثمارها وتصدر بعضهم المشهد الجامعي.
يمارس بعض الأساتذة صنوفا من التصرفات ذات الطبيعة الإرهاب ية، حين يهدد الأستاذ طالبا ضايقه بالرسوب في مادته ، وحين يضع امتحانا لم يدرب طلابه على أسئلته وطرائق وضعها والإجابة عنها، وحين يعاقب طلابه بوضع أسئلة من الأجزاء الملغية من المقرر أو من مقدمة الكتاب وحين يمارس القهر فتتحقق النتيجة نفسها، وحين يتخلى عن دوره التنويري فيعتمد نظام الفهلوة في التعامل مع عقول الأجيال يؤدي إلى النتيجة نفسها، وحين يكون ديدنه قهر تلاميذه، وحين يجبر طلابه على شراء كتابه، وحين يستعبدهم لأداء خدمات خاصة له، و حين لا يخاطبهم إلا بأحط الألفاظ وحين لا يمنحهم الفرصة للحوار ، وحين ... وحين ، قائمة من التصرفات التي لا تليق بمؤسسة لا تقل قدسيتها عن قدسية دور العبادة.
إن أجيالا تتربى على الإرهاب وبه لا تتوقع منها إلا نسخا مصغرة تأخذ فرصتها في النجومية لاحقا، نجومية خدمة الكراهية لكل ماهو وطني ومن يهن عليه وطنه يفرط في كل شيء فيبيع الوطن قبل أن يبيع نفسه لأول كاره للإنسانية (تحدثت سابقا عن غياب الإرشاد الأكاديمي وكيف يؤدي إلى ارتماء الشباب في أحضان مرشدين من نوع خاص خارج الجامعة ).
درس طلاب الجامعة البلاغة فلم تمنحهم دراستها فرصة لتذوق الجمال الذي بثته يد الخالق سبحانه في الكون، ولا حتى تذوق بلاغة الكتاب الأعظم (القرآن الكريم)، ودرسوا النحو فلم تمنحهم دراسته تعلم النظام ولا إدراك بديع تركيب القول، ودرسوا الشعر فما استشعروه، ودرسوا الفلسفة فلم يدركوا الحكمة ولم يتأملوا، ولم تمنحهم الدراسة فرصة لمحبة الحكمة ولا حكمة المحبة، ودرسوا الأدب فما حصلوا قيمة من قيمه ولا اكتسبوا مما يطرحه من خبرات ولا ما يبثه من إنسانيات.
ودرسوا التاريخ على يد من يعد التاريخ مجرد معلومات تنقل وأحداث تذكر دون وعي بما فيه من خبرات ومواعظ واستشراف الحاضر ومن قبله المستقبل، ودرسوا الشريعة على يد من يكفر أو على يد من يعظ ولا يتعظ أو على يد من يقول فتحسبه نبيا ويفعل فترى الشيطان يتصاغر بجانب أفعاله ويصبح كل الشياطين ملائكة إذا قارنتهم به إذن فمن أين تأتي القدوة ومن أين يتحقق التأثير الإيجابي.
من المفترض أن الجامعة تملك الكثير مما يمكن أن تقدمه من أفكار ومن احتواء للشباب ومن برامج لتطوير الواقع المحيط، ومن غير المنطقي أن تتشابه البرامج في ظل متغيرات الواقع، فالمناطق ذات الحضور الإرهاب ي، والمناطق الحرجة لا تتشابه برامجها مع المناطق ذات الأوضاع المستقرة نسبيا ،فالدلتا ليست كالصعيد والصعيد ليس كالقاهرة وهكذا.
تحرص كثير من الجامعات العربية والعالمية على تحديد وقت لممارسة الأنشطة على اختلاف أنواعها، وقت ثابت أسبوعيا يتضمنه الجدول الدراسي شأنه شأن جدول المحاضرات، يشارك فيها جميع الطلاب وليس النخبة التي تمثل الجامعة في المنافسات الجامعية، أنشطة تحقق الكثير من النتائج قد يكون أولها تجديد شباب العلاقة بين الأستاذ وطلابه، ولكن ليس آخرها تدريب الطلاب على العمل الجماعي وخلق روح التنافس الخلاق وغيرها من نتائج لم تجرب جامعاتنا تحصيلها.
انحصر دور الجامعة في عملية تعليمية ينقصها الكثير وتفتقر كثيرا إلى عملية تطوير جذرية لم يعد هناك من بديل لها، ولم تعلن جامعة من الجامعات عن مشروع للتنمية المستدامة من شأنه وضع المؤسسة على خارطة الألفية الثالثة، لن أتحدث هنا عن الجودة وطرائق تحققها، إذ هي لم تصبح بعد ثقافة يؤمن بها الجميع أو منهجا يعتنقه القائمون عليها.
إن أسئلة تفرض نفسها لن تجيب عنها إلا الجامعة إن كانت تريد.

اقرأ ايضا:

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة