ثرثرة على مقهى باب الليل

30-11-2017 | 09:47

 

عندما تفقد الشخوص قدرتها على الفعل , قدرتها على الحلم , قدرتها على اتخاذ القرار ينتهي الحال بها إلى الانغماس فى العدمية , والاستغراق فى المخدرات والجنس حد الهوس والغياب التام عن الحياة كما حدث مع شخوص رواية نجيب محفوظ ثرثرة فوق النيل، التى كتبها قبل الهزيمة بعام 1966 وكانت نذيرًا لما يحدث من خراب يجتاح الوطن من إجرام ضد الحريات وقهر وإذلال للمصريين.

كانت ال رواية ضد الفساد السياسي والمادي المريع, جرس إنذار لطبقة سياسية لا تعي, مصابة بالخرف وجنون العظمة لذلك سقطت فى العمى التام لتسقط وتتعري بهزيمة مروعة هى هزيمة يونيو 1967 , أو تقضي باقى عمرها على مقهى فى تونس تثرثر عن كرة القدم والخديعة والحظ السيئ والأمجاد العظيمة التي تحققت فى الماضي كما فى " رواية الروائي المصري وحيد الطويلة " أبواب الليل "والتي تمت كتابتها أيضا فى حضن أكبر عملية قمع مادي وروحي ورمزي لتنتهي بثورة شعبية كبيرة فى تونس ثم مصر وليبيا وسوريا .

تدور أحداث ال رواية على مقهى بلا ملامح , يسمى " لمة الأحباب , والبعض يسميه " مقهى الأجانب " وفى نهاية ال رواية تحتار صاحبته فى تسميته , هل تسمية على اسمها, أم على اسم سيدة تونس الأولى ؟, لذلك الاسم غير مهم بالمرة , فالاسم يخلق خصوصية , وتاريخًا وهذا المكان خصوصيته, أن يكون بلا خصوصية , هو مقهى ضمن 60 مقهى , فى شارع فى بلد , وكل مقهى خلق لكى يحتوي عاملات الجنس أو بائعات الهوى , مجرد مكان ترانزيت , أشبه بملعب لكرة القدم , كلاهم يكتسب أهميته فى وجود اللعيبة / المتفرجين / الحكم / المدرب / وإن كان الملعب يكتسب خصوصية ولكن تظل خصوصية برجماتية , لا قيمة له إلا فى لحظات الاحتفال الكرنفالى , الذي يصنعه البشر أثناء إقامة المباراة فرحة المتفرجين, بمناسبة فوز الفريق ضد الفريق المنافس.

عندما تنتهي المباراة , يهجٌر الملعب, ويظهر الملعب كيانا ضخما أجوف خاليا من الجمال , المقهى هنا مجرد نقطة انطلاق للوصول للهدف " كسب المال/ الهروب من الزمن / الموت الرمزي أو الفعلي , مكان لا يمس الروح , يفتقر للجمال, لذلك لا يثبت وجوده داخل ال رواية , للمكان فاعلية وقدرة على الوجود فى النص الروائي , المكان صاحب كرامات وهذا مكان سطحى , يمر عليه وكأنه قنطرة , ورغم ذلك مكان معبر عن حال شخوص لا تري نفسها فى المكان.

تراه نقطة مجبرا عليها , مجبرا على الوجود فيها , كما يحدث مع أبو شندي / أبو جعفر/ نعيمة ,مهدي / أو الحالمة بالسفر للاحتراف فى إيطاليا/ نعيمة / ألفت / حتى الملكة صاحبة المكان والوحيدة الفاعلة القادرة على سحق زوجها أو وتهميشه , وتحدي السلطة ممثلة فى الشيخ / الضابط/الضابط/ الشيخ , لا تستقر فى المكان من دبى لفرنسا , فلا قدرة لهذا الفاعلة على الاستقرار تحت وطأة دكتاتورية راسخة , رغم أنها متواطئة مع السلطة المستبدة .

ولكن تظل جزئيا خارج إطار السلطة المغلقة , فهي تحاول أن تحفظ توازنها الروحي بالهروب إلى السفر وشراء الملابس لكى توحى بأنها مفعمة بالحياة , تحاول أن تكون سوية , لا تحتمل القهر الذي لا يسمح لأحد حتى بالكلام , حتى بالفضفضة , ففوق كل زبون مخبر أمن لذلك عقلها الباطني يعبر عن داخلها العصي على الترويض فتقوم بتهنئة الرئيس بلافته ضخمة بعيد الخريف , فتصل الرسالة للسلطة , فتقرر معاقبتها , أما باقى الشخوص فتم خصيها , رمزياً لذلك رغم الثرثرة الرهيبة عن الجنس ووصفه من خلال الراوي أو باقى الشخوص لا وجود لجنس , لأن الجنس / خصوبة وفاعلية , فكيف لمن فقد قيمة الفعل أن يمارس الجنس؟ الراوي يحاول دائما باعتباره المعلق والذي يقدم الوصف التفصيلي للمباراة السردية , أن لا يتكلم عن نفسه , أو يفصح عن تاريخه.

قد يكون لاعباً وقد لا يكون ,و يكتفي فقط بإدماج قدرته كزير نساء من خلال وصف لتفاصيل الجسد الأنثوي ، ورغم ذلك لا يفتح الراوي سحابة فى الحمام إلا للتبول , لذلك غابت الإيروتيكا عكس المتصور عن ال رواية لأن الإيروتيكا , هو مزيج مابين الطقوس الاحتفالية , الكرنفالية , واللذة وغياب اللذة طبيعي، لأن الغرض من الجنس , تجاري , لذلك أصبحت الشخوص ظلالاً أو صوراً تمثيلية رمزية لا أكثر , تكافح ليس لكى تكون فاعلة فى الحياة , ولكن لكى تظل كظلال , كليل سرمدي لا فى الظلام المعتم والغياب الأبدي .

إنه الليل الذي يخفى الأعطاب والتشوهات , تحت أضواء النيون وأدوات التجميل والملابس البراقة فى عالم قاس , لا يحفل بأحد أو يتذكر أحدا , شخوص استعراضية , تحاول الثرثرة حول , مأساتها ولا تفكر فى الخلاص لذلك هذه الشخوص عقيما , لا تفعل شيئًا ولم ينجُ من تلك الحالة , سوي الشخصية السوية الوحيدة فى ال رواية , ألفت " الذي تستجيب لحواسها ورغباتها وتضرب عرض الحائط بالتجارية , وبالمادية , تشوط كل ذلك فى لامبالاة تليق بمستهترة ووقحة , لا تخضع لسلطة مريضة غبية أو مجتمع استهلاكي , حقير حول تسليع الحياة الإنسانية وتحويلها لمجرد بيع وشراء , لذلك تخون زوجها الألماني الذي وفر لها كل شيء والذي أتاح لها الحرية الكاملة طبقاً للمنظومة الغربية التى تتيح لها الاستقلال التام دون وصاية , عالم فقد البراءة وأصبح تحت وصاية العقل البارد الجامد , لذلك تضجر , وتنفر وتبحث عن غوايات بين أبناء بلدتها لعلها تجد ما يلائم روحها الفطرية , أن هذه الشخصية مع نعيمة مع الملكة , مع حبيبة , هى الشخصيات التى لولا وجودها لوقعت ال رواية فى القتامه والسوداوية .
ومادام انتفى الجنس المقابل للثورة فى عرف أبوشندي فلا وجود لثوار ولا ثورة ولكن يوجد كلام , كلام عن الثورة والقضية , مع أنه لم يقف أحد فى وجه الثائر أو المكافح لكى يدعم القضية , ومأساته أبو شندي , ليست فى تغييب الثوريين له وإهماله ولكنه لأنه هو من أهمل الثورة بسبب وقوعه فى الحب , فالثورة لا شريك لها ويظل اغتيال العدو الثورة لزوجته وحبه الوحيد , هو الانكسار الأكبر , فللبشر طاقة وطاقة أبو شندي استنفذت بموت زوجته ولذلك يقول , امرأتي كانت فلسطين ,الآن-كيف أوفق بينهم , لم استطع بسهولة واحدة بين عيني وواحدة تحت عيني , أخرت عملية ألمانيا من أجل عيونها , خربتها بسبب فروق التوقيت فى صلاة العشق .56 .

ورغم أنه لا يدين الحياة بالعكس يعرف قيمته ولكنه يتخذ منها موقف الرائي لا أكثر .أما مهدي المسلم الذي لا يجد طريقة ليمارس بها حريته أو تحرره من البلد والفقر والعجز سوي تغيير ديانته يكتشف أن تغيير الديانة لم يغير أحواله ولم يحل مشاكله , فلم يتم قبول أوراقه ليلتحق بالمارينز ويصبح أمريكيا سعيدا كما تصور له أوهامه , وتكتمل العبثية بعرض عمل حارس لجامع لكى تكتمل عبثية هذا الطريف جودو والذي بعد هذه الانتظار يجد العمل نقيض ما أراد , هذه شخصيات تم تشويهها بعنف وقسوة تحت راية الاستبداد, لا حرية فيها لبشر سوي حق ممارسة الجنس , حتى تحول لممارسة حيوانية , أو متعة ومشاهدة والكلام عن كرة القدم .
الزمن فى رواية باب الليل زمن مغلق على الصباح والمساء , لأن الزمن يتناوب بايجابية الشخوص وتفاعلها مع الواقع , مما يخلق أحداثا , أنها أشبه بأهل الكهف , يتناوب عليها الليل والنهار , لا وجود , لظهيرة أو عصر لا وجود لأي عنصر رمادي، لأن البرجماتيين لا يحترموا الألوان الرمادية ولكن يثمنون الألوان الصارخة, الأبيض أو الأسود. تعلق عليه نعيمة:
- الدنيا هنا مقفولة , الزمن مغلق .
هذا الموات تحاول بعض الشخوص عدم الاستسلام له مثل شخصية الصحفية وبعقل الكاتب اللاواعي فضل عدم ذكر اسمها لأنه أراد أن تكون هذه المرأة، معبرة عن المرأة الحديثة المستقلة , الحرة , نموذج للمرأة التى تملك الإرادة , إرادة الاختيار , ورغم أنه هذه المرأة مفعمة بالحياة والحرية , امرأة جديرة بلقب امرأة الحواس .
"تختار من أعجبها بصلة , وأن تعذر عليها تختار أكثرهم فتوة وشباباً من تتقد فى عينيه نظرة معجونة بشبق طازج لمحة إغواء " صفحة 107 باب الليل. ولكنها رغم ذلك غير سوية , عنكبوتيه استحواذية , تستغل الشباب الصغير فى المتعة الجنسية , وكل يوم تستقطب عضو جديد ,لا يكرر نفسه مرة ثانية , هذه المرأة لا أعتقد أنه يعنيها الجنس بقدر رعبها من الزمن , تريد أن تمتص رحيق الشباب لإضافة عمر لها أو التذكير الدائم بأنها شابة جميلة جذابة.
2
ليس هناك فروق كثيرة بين اللعب فى ساحات الملاعب واللعب فى ال رواية فكلهما قائم على الصراع , الصراع فى الملاعب ينتج أهدافا وانتصار وهزائم وإذا كان بانتهاء المباراة تنتهي اللعبة فى الواقع فيسدل الستار عن اللعبة وليفوز من يفوز وليهزم من يهزم , ولكن ال رواية تبدأ فى استبطان لجوهر الروح الإنسانية أستلهم الروائي وحيد الطويلة ,والنتيجة دائماً كما يقول الراوي : هذا اللعب كله من أجل النقود وواحد يدفع ويركب, وواحدة ترقد وتقبض , التعادل نتيجة مرضية للطرفين فى مباراة لا يفوز فيها أحد , وحتى لو حدث ففى الغالب تفوز البنات 17 اللعبة إذا هى البناء المماثل لعالم رواية " أبواب الليل لذلك يمكننا أن نقول مباراة سردية تحققت فيها كل آليات , اللعبة سواء فى أول إعلان عن بدأ المباراة يبدأ من المعلق الرياضي , الذي يستحوذ على التعليق على السرد/ المباراة / ولأن المعلق يبدأ من خلال غرفة تغيير الملابس , فالسارد يبدأ ال رواية من الحمام الذي يوازي غرفة تغيير الملابس. كل شيء يحدث فى الحمام , حمام المقهى بالطبع .
وينتهي بال رواية كالآتي . كل شيء يحدث فى الحمام , باب الليل الصفحة الأولى والأخيرة .
فى غرفة تغيير الملابس لا يحدث لعب توضع فيه الخطط , الكلمة الفصل , هو مكان للحصول على المعلومات والاتفاق ووضع الخطط , وبعدها يكون الانطلاق للعب المباراة ولا فى الحمام يحدث جنس ولكن الحمام مركز التفاهم وتبادل المعلومات, وخرائط الملعب الذي سيخوض الفريق سواء الفريق الفردي / أو الجماعي/ أبو جميل/ ألفت المحترفة فى أوروبا/ وقد ينسحب الهداف , لا يهم المهم أن يحصل الفريق على الكأس , وفريق باب الليل فريق كوزموبوليتانية , بدأ نشأة أول فريق على يد أبو شندي فى إلمانيا مكون من 11 لاعبة وعندما تدخل 12 يتم اغتيالها عن طريق عميل مزدوج بالتأكيد لأنها خارج قانون اللعبة , مخالفة , وعندما لم يستطع أبو شندي فرض قانونه , تم تسريح الفريق واعتزل وأستقر فى تونس , ولذلك عندما تكٌون الملكة الفريق يكون بالصدفة 11 رغم أن الملكة لم تذكر ذلك ولكن الذي كشف عن ذلك الراوي أو المعلق السري / وهو يتساءل : هل تكون نعيمة بائعة الهوى الثانية عشر , تحتاج لحكم , الملكة
- الحكم يحتاج لقلب قاسي , لحكم قاس , 159 ومن يملك القلب القاسي سوي الملكة التى تزيح عفاف المنافس , لكى تظل ملكة فى الملعب , والحوار من خلال مصطلحات الرياضة كخدعة..
أنت مع فريق الترجى , وأنا مع النادي الأفريقي : وبنصف ابتسامة متوعدة :
- الفائز يأخذ المهزوم كله , من يربح المباراة يربح الآخر , والابتسامة تزداد توعداً:
وبنفس النتيجة- يضحكان بحذر.
3
منذ بدايته الأولى ومن خلال قصصه القصيرة حتى روايته "باب الليل" اعتمد وحيد الطويلة فى بناء عالمه على الواقع فكل شخوص وحيد الطويلة شخوص واقعية لها وجود فى الواقع والخيال يأتي من إعادة بناء شبكة العلاقات، وإنجاز وحيد المهم هو قدرته على تحويل اللغة المحكية الشفاهة الخشنة الذي يستخدمها الناس فى حديثهم ومسامراتهم وحكيهم , وتذويبها فى مناخ شعرية جميل ومن خلال لغة رائقة وشفافة ,يتم نحتها وإضمارها فى لغة مكتوبة مستجيبة لقوانين الكتابة , فلغته مأخوذة من أفواه الناس , وهذه اللغة مدهشة وساحرة وهذا مكمن خطورتها فإذا استسلم الكاتب للنقل بدون أن ينحتها ويلضمها فى عقد السرد , ظهرت فجاجتها_اللهجة العامية - وثقلها , فللمنطوق الشفاهى قوانينه وللكتابي قوانينه وقليل من الكتابة من استطاع أن يروض المنطوق الشفاهى مثل عمنا خيري شلبى وإبراهيم أصلان , سعيد الكفراوي.

 والغريب فى هذه ال رواية أن الروائي , قهر اللغة الشفاهة حد الخصي مع أن هذه اللغة مرئية وفاتنة وداله , وهذا ما لا أفكر فيه , ولكن السؤال هل قمع اللهجة العامية التونسية , هو بغرض أن يقول أن هذا المقهى وهذه الشخوص , ليست حصريا بتونس وأنها حالة كوزموبوليتانية , تستطيع أن تراها فى كل عواصم العالم المتخلف الذي يسيطر عليه حكام ديكتاتوريين , أفقروا الشعوب وأنهكوها وحولوا شعوبها لكيانات مستعبدة , وظيفية , مهمشة , غارقة فى الفساد , قد تجدها فى مصر , فى المغرب ,اليمن , بنجلاديش , السودان , بانكوك , أفغانستان , الأردن , إلخ أم أن الروائي , لم يفضل أن يستخدم اللهجة العامية, لخوفه من عدم فهم القاري فى الوطن العربى , ففضل أن يستخدم لغة نقية , أم روح الكاتب المتدفقة بالشاعرية كانت أقوي من إرادة الكاتب .

اقرأ ايضا:

[x]