النحات آدم حنين لـ"بوابة الأهرام": أم كلثوم غيّرتني من الداخل.. والفن المصري يتحرر من تبعية الماضي | صور

29-11-2017 | 12:34

النحات آدم حنين

 

حوار: منة الله الأبيض

أقفُ مشدوهة أمام تمثال " أم كلثوم " بمتحفها على النيل، أكاد أسمع صوت تمثالها يُطرب المقطع الشهير من "الحب كله"، المحبب إليّ: الهوى العطشان.. عطشان في قلبي بيندهك.. "، أتساءل في نفسي؛ كيف لهذا الحجر أن ينطق؟ يشدو؟ هامته مرفوعة بالضبط كشموخ أم كلثوم الاستثنائي على خشبة المسرح، تلويحاتها المٌحكمة بالمنديل، تجليها، وحالة السلطنة التي تغلفها وغيرها، قد يمتلك ال نحات العالمي آدم حنين ، تفسيرات، ذلك الفنان الذي يمتلك القدرة الإبداعية على منح الأحجار والتماثيل روحًا وحياة مغايرة، أشهر ال نحات ين المعاصرين في الوطن العربي.

الجلوس في حضرة فنان ك آدم حنين ، اقترب من التسعين من عمره، تتعثر خطواته، في إحدى فنادق القاهرة الكُبرى، ربما مصادفة في الليلة الأخيرة لمعرض تشكيلي عالمي، يشارك فيه بعدد محدود من القطع الفنية، يجلس الفنان في بهو قاعة المعرض، تعطيني المنظمة 10 دقائق للقاء لانشغالهم باجتماع، يطلب شايًا، وبعض الحلوى، أحجز المقعد المجاور له على يساره، ورأسي ممتلئ عن آخره، كيف أسأله؟ فيض من التساؤلات والاستفسارات في 600 ثانية، فقررت أن أمنحهم ل أم كلثوم .

آدم حنين ، لا ينحت إلا مدفوعًا، مدفوعًا برغبة الحب وتدفق مشاعر الإنسانية في عروق وشرايين كفيه، فثمة أعمال فنية كثيرة استغرقت عشرات السنين في نحتها، لأن مخزون المشاعر في لحظتها لم يكن كافيًا، فيعود إليها مجددًا بعد سنوات لكنه يعود مشحونًا بالمشاعر ذاتها، فيستكملها، لذلك أغلب الأعمال التي ينحتها تكون على مدى طويل.


أم كلثوم بالنسبة للفنان آدم حنين ، ليست رمزًا تاريخيًا أو شخصية فنية مهمة، يُشيّد لها الفنانون عادة تمثالًا كأداء لواجب فرضه الالتزام الأدبي والإنساني تجاه أهم فنانة في الشرق الأوسط، وإنما كان مدفوعًا بوازع الحب والعشق لصوت غيّره من الداخل، أم كلثوم بالنسبة له، صوتًا عظيمًا حُفر في أعماقه، فتخلّقت المشاعر، فتحركت يداه لنحت تمثال أسطورة الغناء العربي.

تمثال أم كلثوم ، قطعة حجرية حية، بلا ملامح، أو تفاصيل إنسانية صريحة، لأنه يؤمن أن الخطاب الذي يقدمه التمثال ليس خطابًا بصريًا وإنما خطابًا وجدانيًا، إذ يرصف الفنان علاقة بين المتلقي بوجدانه والتمثال، فيقول "لا أميل إلى المباشرة في أعمالي، كنحت الوجه والتفاصيل الجسدية الأخرى، لأن نحت الشكل (شطارة) نجح فيها فنانون كثر، لكن الإبداع وروح الفنان هما ما يُعول عليهما".


مازحت "حنين"، وسألته، عما إذا يمكنه أن يشيّد تمثالًا لرئيس من رؤساء مصر، يصمت ليفكر، ويبتلع السؤال برشفة شاي، ويجيب: "لا أعتقد أنني من الممكن أن أنحت تمثالًا لرئيس، لأن المعاني التي يعطيها لي الرئيس معنوية ومنطقية، لكن أم كلثوم على سبيل المثال غيّرتني من الداخل، فحركتني المشاعر لا العقل".


تجربة الفنان آدم حنين ، في عالم النحت ، بدأت مبكرًا، بتمثال أخناتون، في سن الثامنة، حين دخل المتحف المصري بالتحرير لأول مرة في حياته ضمن رحلة مدرسية بصحبة أستاذ التاريخ في الابتدائية، وهي الزيارة التي يوصّفها بالمحور الأهم في حياته، إذ يقول "دخلت المتحف المصري، وهمتُ بين التماثيل والتوابيت والأحجار الفرعونية والمقابر، ووقعت في غرام الحضارة المصرية القديمة، كأن قلبي انفطر من فرط ما شاهدت".

هذا العالم الثري، جعل الفنان الصغير أن يكون يقرر أن يجعله جزء منه، فترجم ذلك في أول تمثال صنعه من الصلصال كان لإخناتون، عرضه والده في فاترينة ورشة الفضة التي كان يمتلكها والده.

تأسس في وعيه منذ تلك الزيارة، فكرة إحياء التراث، والتحلل والتحرر من التبعية للنظام الأوروبي، وضرورة أن يكون للفنان خصوصية تنبني على التراث، فقاد شبه ثورة داخل كلية الفنون الجميلة، اعتراضًا على الأسلوب السائد في التدريس بقسم النحت ، المتمثل في اتخاذ التماثيل اليونانية نموذجًا بدلًا من الفرعونية، فقد طلب للتحويل لقسم التصوير، لكنه تراجع بعد موافقة عميد الكلية على طلبه، وبالفعل بدأ التدريب في المتحف  المصري لمحاكاة التماثيل القديمة.

"حنين" يرى أن الفن المصري الحديث الآن، يشهد تحررًا من تبعية الماضي، والأسلوب في أوروبا، فبدأت الأعمال تحاكي التراث المصري والحضارة القديمة، وهو أسلوب "حنين" بالأساس، إذ يعتبر أن تفاصيل الحياة المصرية ثرية ومنبع كبير لينهم منه الفنانين.


قدم الفنان آدم حنين ، العديد من المنحوتات التي شكلت بصمة مهمة في مشواره، حتى أطلق عليه البعض لقب "كاهن النحت "، يشعر بألفة بالغة مع بعض أعماله، كـتمثال شيخ البلد، والبومة والحمار والقارئة.

في أثناء الحديث، اعترضتنا المنظمة أكثر من مرة، في المرة الأخيرة، أخبرتها أنني على وشك الانتهاء، فضحك آدم حنين ، فسألته سؤالًا أخيرًا، "بعد كل الإنتاج الضخم من المنحوتات، وأنت على مشارف التسعين من عمرك، هل اكتفيت وحققت حلمك بأنك تكون أكبر نحات في الوطن العربي، يبتسم ويعلق: "ليس بعد، كل فنان لطالما يتنفس، لديه الكثير ليقدمه، وأنا كذلك".






اقرأ ايضا:

مادة إعلانية

[x]