رواية "أمنية" وإشكالية العلاقة مع الآخر

16-11-2017 | 08:10

 

تثير رواية " أمنية " للدكتور سليمان عوض الكثير من الأسئلة الشائكة عن علاقتنا بالآخر الديني، الذي يعيش معنا وله نفس الحقوق والواجبات.

التعصب الأعمى يقوده في المستشفى، عامر طبيب الامتياز صاحب اللحية الكثيفة الذي يُصلي إمامًا بالجميع، ويتحرش بالممرضات ليلا، ثم يُطالب في النهار بطرد الدكتور شكري، ويرفض أن يأكل وينام معه في مبيت الأطباء؛ لأنه مسيحي. لم يكن عامر يكره المسيحيين فقط، بل يكره الجميع، ويستحل لنفسه ما يُنكره على الآخرين، شخصية وصولية مريضة؛ ولهذا استغل عامر كسر رجل زميله في حادثة الاعتداء عليه، وجمع تبرعات لزميله سامي، ثم تزوج بهذه الأموال فتاة صغيرة لا تزال طالبة بالصف الثاني الإعدادي.
هي رواية ترصد إشكالية البوح ورعشة اللمسة الأولى للحب الأول وسؤال يطرح نفسه: هل استطاعت أمنية ـــ فتاة التمريض الحلوة ـــــ فتاة ليست بالنحيلة، دقيقة الملامح، بيضاء البشرةِ مع صفاء فيها، عيناها واسعتان، وكأنهما اللؤلؤ حين تتحرك، وابتسامة كأنها تختصر كل جمال العالم أن تغوي سامي طبيب الامتياز وتُدخله جنة الحب والعشق؟
رواية كتبها طبيب شاعر ــــ يتخفى وراء مشرط الجراحة ـــ تميزت بالمشاهد البصرية ومساحات شديدة الثراء للبوح، حاول فيها أن يغوص داخل سراديب هذه الشخصيات، من خلال سرد جذاب شفيف، ولغة شاعرية موحية.
عالم المستشفى عالم غامض يشي بالتفاصيل الكثيرة، وعالم الأطباء والممرضات يُجسد المجتمع بتناقضاته، في هذا العالم نرى الطبيب العالم الحقيقي ويُجسد هذا النموذج الطبيب سامي الذي تعب وسهر وأخذ العلم عن أساتذة كبار وقرأ مئات الأبحاث العلمية، وتدرب على يد كبار الإخصائيين والاستشاريين، وفي المقابل نجد الطبيب الذي لم يتدرب أو يدخل غرفة العمليات، ولم يجلس يومًا في غرف الاستقبال في العيادات الخارجية للمستشفى التي تم تعيينه بها كطبيب امتياز، بل نجده يتحالف مع الأستاذ عبد السلام المدير الإداري للمستشفى؛ ليقوم بالتوقيع نيابةً عنه في دفتر الحضور والانصراف، ويُجسد هذا النموذج الطبيب عامر الذي يستغل الدين في تحقيق نزواته، فهو يُطلق لحيته ويُصلي بالناس في المستشفى طوال النهار، وفي الليل يُطارد الممرضات في غرف المبيت حتى لو كُنّ في عمر أمه.
صراع من نوع آخر نراه بين الأطباء الكبار مثل الدكتور عبد العال والدكتور شنودة، صراع قائم بينهما للسيطرة على أطباء الامتياز الجدد، ومحاولة كل منهما أن يضم الكثير منهم للقسم الذي يُشرف عليه من أجل العمل في عيادته الخاصة بعد مواعيد المستشفى، تجسدت صورة هذا الصراع مع طبيب الامتياز سامي الذي أحبه الدكتور عبد العال وشجعه على التدريب والكشف على المرضى، بل شجعه لدخول غرفة العمليات وإجراء عمليات جراحية بنفسه، وعندما حاول الطبيب سامي أن يدخل غرفة العمليات مع الدكتور شنودة للاستفادة من خبرته، قام الدكتور شنودة بطرده من غرفة العمليات؛ لأنه من فريق عمل الدكتور عبد العال منافسه وعدوه في المستشفى.
الدكتور سلام نموذج آخر للتناقضات، نجده يقرأ في الكثير من الكتب الدينية ونرى المصحف لا يُفارق يده ثم نراه يمارس الجنس مع الممرضة ماجدة في مبيت الأطباء، وعندما بدأت تتمنع عليه، نراه في آخر صفحات ال رواية يُقرر الزواج منها، وعلى الطرف الآخر نجد الطبيب أحمد الدمرداش ذا الخلفية العلمية يقرأ في كتب الصوفية ويؤمن بالغيبيات وكرامة الأولياء، وإذا كانت الممرضة أمنية نموذجا للممرضة المثقفة التي تعلمت وقرأت الكثير من الكتب بحكم عمل والدها كأمين مكتبة بإحدى المدارس الثانوية، فهي قارئة للأدب العربي وتحفظ الكثير من قصائد الشعر وتحب قراءة كتب الفلسفة، فهي تعرف ماذا تُريد؟ وتفعل ما تُحب، في المقابل نجد الطبيبة سلوى تُؤمن بالسحر والشعوذة، بل نراها تذهب للعرافة لتعمل لها عملا من أعمال السحر حتى يُعجب بها ويُحبها زميلها سامي طبيب الامتياز، وإذا كان والد الممرضة أمنية نموذجا للمثقف الواعي الذي يُشجع زوجته وابنته على قراءة الكتب في مختلف التخصصات الثقافية والعلمية، نجد في المقابل شخصية الدكتور عبد العال الطبيب الكبير المشهور يهيم حبًا بالممرضة أمنية التي في عمر أحفاده وعندما تصده لارتباطها بقصة حب مع سامي طبيب الامتياز، نجده يتآمر عليه فيقوم باستئجار بلطجية للاعتداء على سامي في محاولة قتله حتى يخلو له الجو مع أمنية .
نموذج آخر من نماذج الفساد في هذه المستشفى، هو الأستاذ عبد السلام المدير الإداري الذي يفرض الإتاوات على الأطباء، ويقوم بتحديد مبلغ من المال يحصل عليه منهم كل شهر للتوقيع بدلا منهم في دفتر الحضور والانصراف، عبد السلام هذا المُنحرف إداريًا يتحالف مع الطبيب عامر المُنحرف أخلاقيًا رغم مظهره الكاذب بلحيته الطويلة، فيتزوج الطبيب عامر من ابنة عبد السلام التلميذة في الصف الثاني الإعدادي، نجده خلال عدة أشهر، وهو الطبيب الملتحي، يتزوج ثلاث بنات في الصف الثاني الإعدادي، وكأن عامر عنده هوس وشغف جنسي بالبنات الصغيرات.
هي رواية واقعية نجحت في رصد شخصيات كثيرة نقابلها كل يوم في حياتنا، وجاءت الشخصيات واضحة الملامح من لحم ودم، عايش الكاتب هذه الشخصيات بحكم عمله كطبيب، مُعايشةً إنسانية وفكرية واجتماعية، ورصد نجاحهم وانكساراتهم وأزماتهم النفسية، من خلال لغة سهلة وواضحة، واعتمد الكاتب العامية لُغةً للحوار، وجاء السرد باللغة الفصحى البسيطة البعيدة عن التكلف التي عبرت عن الأبعاد النفسية والفكرية لشخصيات ال رواية المتعددة والمتباينة.
موضوع اللغة في ال رواية موضوع قديم وكثر فيه الكلام، أيهما أفضل للقارئ العربي أن نكتب ال رواية كلها، سردًا وحوارًا، باللغة الفصحى حتى تكون ال رواية ُ مُوجهةً للعالم العربي كله، بعيدًا عن اللهجات المحلية، حتى يتخلص القارئ العربي من صعوبة قراءة ال رواية التي تكثر فيها الكلمات الدارجة باللهجات المحلية؟! وقديمًا دارت معارك كثيرة بين الدكتور طه حسين والدكتور يوسف إدريس حول اللغة عند كتابة ال رواية ، واختار إدريس أن يكتب الحوار باللغة العامية والسرد باللغة الفصحى، أما محفوظ فقد اختار أن يكتب ال رواية باللغة الفصحى سردًا وحوارًا.
هي رواية تضع إشكاليات حياتنا الاجتماعية والاقتصادية على مائدة الحوار والمناقشة؛ لتثير الكثير من أسئلة الحياة، نتفق معها أو نختلف في مناقشتها، وتنجح ال رواية في أن تضعنا في مواجهة مع أنفسنا للبحث عن قيم الحياة الإنسانية العادلة.
ميزة ال رواية .. أي رواية .. أنها قادرة على إثارة الأسئلة، فال رواية الجيدة هي التي تطرح الأسئلة التي تُثير شهية القارئ، دون الإجابة عنها، وعندما تنتهي آخر كلمات ال رواية ، تبدأ مهمة القارئ في إجابة الأسئلة التي تطرحها ال رواية .## ##

اقرأ ايضا:

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]