فتة بالكوارع!

16-11-2017 | 00:03

 

في كتاب مدهش بعنوان "النِّيءِ والمطبوخ" عن العلاقة بين نشوء وتطور صنع الطعام و"آداب المائدة" وبين مختلف الثقافات الإنسانية وطريقة أبناء كل ثقافة في صنع طعامهم وتناوله على نوع ومستوى ثقافتهم وتحضرهم..


في هذا الكتاب، قال عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي "كلود ليفي شتراوس" عام 1964 "إن تحول البشر من التهام الأطعمة "نيئة" إلى تناولها "مطبوخة" كان علامة من العلامات المهمة على نشأة "الثقافة" و"التحضر".

وحين علم المتقدمون حضاريًا أنه كلما كان الطعام "المطبوخ أو النِّيءِ" بسيطًا في تركيبه، كان أسهل في تمثيله وأكثر فائدة، وبالتالي أصبح تناول الطعام "البسيط" التركيب والأقرب إلى مواصفات الطبيعة علامة من علامات الرقي الثقافي و"التحضر"..

فإذا فقدت صلتك بجزء كبير من وجباتك التقليدية، وطعامك الذي اعتدت عليه في بلدك، فاعلم أنك فقدت جزءًا كبيرًا من موروثك الغذائي..

الأمر ليس هينًا ولا يدعو للسخرية والرد بأن "معدتنا تعبت من الفول والطعمية"، فكون أن شعبًا تجاوز تعداده حاجز المائة مليون يظل طبق الفول والطعمية رئيسيًا على مائدته ونتوارثه جيلًا بعد جيل، مهما تعددت أصناف موائد علية القوم، فهذا في حد ذاته يعني موروثًا حضاريًا يشكل ركنًا أساسيًا ورمزًا في ثقافة هذا البلد الغذائية..

مثلما هو الحال حين تكون طبخة "الفتة بالكوارع" مثلا رمزًا لثقافة معينة، وطبخة "الكبسة" رمزًا لثقافة أخرى، و"الأرز المسلوق مع مكعبات اللحم الصغيرة" رمزًا لثقافة ثالثة، بينما تكون "البيتزا أو الهمبروجر" رمزًا لثقافات مختلفة..

والمشكلة الكبيرة حين تتباهى بغزو مائدتك وصفات غذائية من ثقافات أخرى، فأنت بذلك فقدت التواصل مع ماضيك الغذائي، والأخطر من ذلك أن يتحول الغزو الغذائي من ثقافات أخرى إلى أداة سياسية لربط شعوب أخرى بثقافة غذاء الآخر، كإحدى وسائل ربط ثقافات وشعوب بثقافات أخرى، مثلما كان فرض اللغة الفرنسية هدفًا لفرنسا الاستعمارية، فالغزو لم يعد عسكريًا أو فكريًا، بل بات غذائيا أيضًا، وأبسط الأمثلة على ذلك أن "سلاح الهمبورجر ومطاعم الوجبات السريعة" أحد أهم وسائل ربط الشعوب بالثقافة الأمريكية!!

ولم تقف ثقافات عديدة مكتوفة الأيدي أمام هذا الغزو الغذائي، ففي مواجهة انتشار مطاعم الوجبات السريعة في العالم، بدأ يظهر في بعض الدول اتجاه معارض لها ولما تقدمه من وجبات جاهزة؛ أصبحت في كثير من الأحوال سببًا للإصابة بأمراض الشرايين والسكر والسمنة المفرطة..

وكانت بريطانيا هي أول دولة تعلن معارضتها للوجبات السريعة في هجمة غذائية مرتدة، حيث تكونت فيها جمعية تدعو إلى الأكل البطيء، وانتقلت الفكرة كإحدى صور معارضة الوجبات السريعة إلى إيطاليا، حيث تأسست فيها منظمة تدعو أيضًا إلى الطعام البطيء، وتضم هذه المنظمة، والتي اعتبرها خبراء التغذية بمثابة "حركة سلام أخضر للتغذية" أكثر من 50 ألف عضو في إيطاليا وحوالي مائة ألف آخرين ينتشرون في أكثر من 80 دولة للدعوة إلى الطعام البطيء.

ومع معارضة جمعية الطعام البطيء لزيادة الإقبال على تناول الوجبات السريعة، أو بالأحرى "الغزو الغذائي الأمريكي" فإنها تدعو للعودة لإعداد وتجهيز الطعام بطريقة كاملة في المنزل، كما كان يتم في الماضي، وتعارض إحضار وجبات سريعة إلى المنزل ولا توافق على شراء الأغذية شبه الجاهزة.

وتؤكد جمعية الطعام البطيء ضرورة تناول الوجبات المنزلية بطريقة بطيئة تسمح بتمام تمتع كل فرد من أفراد الأسرة بطعم ورائحة وقوام كل جزء يتناوله منها، وللمساعدة على تحقيق ذلك تنصح بعدم مشاهدة التليفزيون أو تصفح المحمول خلال تناول الوجبة لتركيز حاسة النظر على الطعام لينعم المستهلك بالمزيد من متعة الأكل البطيء.

ومن الأهداف الأخرى لهذه المنظمة إنقاذ ما أطلقت عليه وجبات الطعام البطيء النادرة من الضياع، بسبب زحف الوجبات السريعة الجاهزة، ويقصد بها الوجبات الغذائية النادرة والتي توصف أحيانًا بأنها تمثل أصل الأغذية الحقيقية للإنسان، تلك الوجبات التقليدية المتوارثة ويتم تحضيرها وطبخها وتناولها ببطء ويخشى عليها من الإهمال والاختفاء.

لكن من المثير للانتباه أنه في مواجهة ما تدعو إليه جمعية الطعام البطيء تعمدت المطاعم الأمريكية زيادة كمية التوابل المضافة لوجباتها الجاهزة، ليس فقط بهدف زيادة الشهية لتناولها، ولكن أيضا كمحاولة لاكتساب المستهلك صفة التعود على تناول الوجبات السريعة.

من المهم جدًا تأكيد، أنه إذا كانت صفات وملامح البشر الشكلية واللونية تختلف من قارة إلى أخرى فمن المؤكد أنها "هبة من الخالق" للتكيف مع تقلبات طقس وأجواء كل قارة، فمن الأحرى التسليم بأن الأطعمة التي تميز ثقافة كل بلد وحضارته وتوارثها أبناؤه منذ مئات السنين، فمن يدري، ربما كانت هذه "منحة ربانية" أيضا لحماية صحة الناس في كل منطقة.. وإلا فبماذا يفسر العلماء سر إصابة الناس في ثقافات ودول مختلفة بأمراض لم تكن منتشرة بينهم؛ بسبب تغير نوعية الغذاء والتخلي عن الموروث الثقافي الغذائي لصالح مطاعم الوجبات السريعة الأمريكية؟!!

مقالات اخري للكاتب

ما بعد الإنترنت! العالم بعد 10 سنوات!

قد يمل الناس من أى حديث، إلا حديث المستقبل، فما إن تشاهد أو تقرأ شيئًا عن تكنولوجيا المستقبل، حتى تجد آذانًا صاغية وعيونًا شاخصة وأفواهًا فاغرة.. فكل ثانية

3 نساء يغيرن وجه التاريخ!

البريطانية "لويز براون" والأمريكية "إيما رين" والمصرية "ريم مهنا" ثلاث نساء ستظل أسماؤهن محفورة في ذاكرة التاريخ، إن سلبًا أو إيجابًا..

عندما ينكسر القلب!!

يحظى التراث الغنائي العربي بنصيب وافر من تلك الأغاني التي تكسر القلب وتثير الشجن وتستدر كثيرًا البكاء، خاصة في حال فقد حبيب أو تفقد أصحاب الدار الذين غابوا أو حتى الحنين إلى ماض جميل.

حقيقة العلاج بالوهم!!

هناك ظاهرة تكاد تنفرد بها بعض الفضائيات المحسوبة على العربية ظلمًا وعدوانًا، ألا وهي الترويج لعلاجات وهمية التأثير، والمصيبة المؤكدة أن المروجين لها يعلمون تمامًا أنها وهمية لا تأثير لها، ومع ذلك مازالوا مُصرين على استنزاف الجيوب والاستهتار بالعقول..

لحوم نباتية.. قريبا!

مع حلول عيد الأضحى من كل عام، يتجدد حديث اللحوم؛ بل ربما حلم تناولها لدى الكثيرين، بعدما خاصمت بطونهم أشهرًا عدة؛ لأنها أشعلت بأسعارها جيوب السواد الأعظم من الناس، حتى صارت معيارًا ومؤشرًا لأي وضع اقتصادي، حين يبادرك أحدهم، بل ويلجمك بالسؤال الاستنكاري: "شوف كيلو اللحمة بكام النهاردة"؟!

انتبه .. أنت محترق "نفسيا"!

من منا لم يمر يوم، بل ربما أيام وشهور، بهذه الحالة التي ندفع فيها أنفسنا دفعًا كي ننهض صباحًا ونذهب إلى العمل، نشعر بالإنهاك المصحوب بالتأفف، دون امتلاكنا أدنى مستويات الطاقة أو الرغبة التي تدفعنا لتنفيذ مهام صغيرة مؤجلة، حتى ولو كانت من لوازم الحياة اليومية!