مات على المسرح.. وأبدع مع طِلب "ما بيسألش عليا أبدا".. تعرف على الموسيقار حسين جنيد "قائد فرقة أم كلثوم"

14-11-2017 | 19:23

الموسيقار حسين جنيد يقود فرقة أم كلثوم للموسيقى العربية

 

أحمد عادل

أقبل إلى الحياة مُنتميًا لأسرة فنية عريقة، فتعلقت أذنه بالموسيقى والألحان، وفارقها وهو يقود أكبر فرق الموسيقية، وأعظمها شأنا في عالمنا العربي "فرقة أم كلثوم للموسيقى العربية"، أبى أن يترك العصا السحرية للمايسترو حتى النهاية.. وحين سأل عنه التكريم وجده فارق الحياة، كحال الأغنية التي أبدعها لحنا وغناها الفنان محمد عبدالمطلب "ما بيسألش عليا أبدا"... إنه الموسيقار "حسين جنيد"، الذي رحل عن عالمنا في مثل هذا اليوم من عام 1990.


وُلد الموسيقار حسين جنيد عام 1918م بالإسكندرية، لأسرة فنية تهوى الموسيقى والغناء، فقد احترفت والدته الضرب على العود، فيما برع شقيقه الأكبر فى العزف على الكمان، ليتعلق قلب الفتى الصغير بالموشحات والأدوار، وكان عليه أن ينتصر لإحدى الآلتين، إما العود أو الكمان، فاختار الكمان، وهى الآلة التي قادته فيما بعد لاحتراف الموسيقى التصويرية والتوزيع الأوركسترالى.

وأثناء دراسته فى مدرسة الليسية، كان جنيد يتلقى دروسه بشكل احترافي على آلة الكمان، على أيدى نخبة من العازفين الإيطاليين واليونانيين، الذين كانت تغص بهم عاصمة الثغر، الإسكندرية، وما أن حصل على البكالوريا حتى حسم أمره، وذهب للالتحاق بمعهد "فيردى" للموسيقى، وهناك تتلمذ على يد نخبة من الأساتذة الأجانب، كان فى مقدمتهم الموزع الموسيقى الشهير أندريا رايدر، الذي كان يتولى التوزيع الموسيقى لموسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب، وموسيقار الخلود فريد الأطرش، وكان يُنظر إليه باعتباره أحد آباء التوزيع الموسيقى في مصر، وكان من بين زملاء جنيد أثناء الدراسة الموسيقار العبقرى خفيف الظل منير مراد.

لم يكتمل العام حتى دقت طبول الحرب العالمية الثانية، ليوصد معهد فيردى الموسيقى أبوابه أمام جنيد على وقع طرد الجالية الإيطالية من مصر، ومع ذلك لم ييأس جنيد، بل سارع إلى تكوين فرقة موسيقية خاصة حملت اسمه، حينها تردد جنيد على مبنى الإذاعة المصرية بشارع الشريفين، حيث مكنه الموسيقار مدحت عاصم، المُشرف على ركن الموسيقى بالإذاعة، من عزف فواصل موسيقية على أثير الراديو، فساهم ذلك فى انتشار صدى الفرقة، وكان جنيد يتبارى بالعزف المنفرد "صولو" على آلة الكمان، وبرز اسمه كعازف محترف كأبناء جيله، أمثال أنور منسي "سوبر الكمان في فرقة عبدالوهاب" ، وأحمد الحفناوى"سوبر الكمان في فرقة أم كلثوم".

وشهد عام 1950، إلغاء الفرق الموسيقية الأهلية، ومع تلك الخطوة، أصبحت أسماء موسيقية كبيرة مثل محمد حسن الشجاعى، وعطية شرارة، وعبدالحليم نويرة، وإبراهيم حجاج، بحاجة إلى ترسيخ أوضاعها بشكل جديد، ومع ذلك ظلت فرقة "حسين جنيد" كيانا كاملا تتألف من 25 عازفًا، وعُين جنيد قائدا زائرا لفرق أوركسترا الإذاعة.

وضمن أثير الإذاعة مساحة أكبر لحسين جنيد، فانطلق فى عالم التأليف الموسيقى لأكثر من 80 عملاً إذاعيًا، وسيمفونيًا، تنوعت بين المقطوعات الموسيقية والصور الغنائية الإذاعية، مثل "جزيرة السبع بنات، والراعية الصغيرة".

ومع السينما كانت بصمات جنيد واضحة في وضع الموسيقى التصويرية لعدد من الأفلام، مثل انتصار الإسلام، ريا وسكينة، وبائعة الخبز، والمهرج الكبير.

صاحبت نغمات جنيد العندليب الأسمر عبدالحليم حافظ، في أول أفلامه "لحن الوفاء" عام 1953، من خلال أغنية "احتار خيالي" التي رافقته شادية في غنائها، وساعدت تلك الأغنية على تقديم عبدالحليم للجمهور في تلك الفترة، وقام جنيد بتلحين بعض الأغنيات الخفيفة لشادية مثل "غايب عنى وواحشنى، ومادام بعادي".

وكانت الفنانة ليلى مراد، قد تعاملت مع الموسيقار جنيد، في تلحين آخر أغاني أفلامها "سيدة القطار" عام 1955، فغنت من ألحانه "من بعيد يا حبيبي بسلم"، و"بهية" من الفولكلور الشعبي.

انطلق جنيد في عالم التلحين، بعد أن استغرقه التوزيع الموسيقى طويلا، فعكف على تقديم مجموعة من الأغنيات ذات المزاج الشعبي مع الفنان محمد عبدالمطلب، مثل "بنت الحتة، وأسمر كحيل العين" لكن أبعدها أثرا وأكثرها شهرة وترديدا على الألسنة، أغنية "ما بيسألش عليا أبدا.. ولا بتشوفوا عينيا أبدا.. ياما نديته.. وأترجيته.. أنه يرد عليا أبدًا"، لتفرض تلك الأغنية نفسها بقوة في ذاكرة المزاج الشعبي لدى عامة المصريين.

المطرب الكبير محمد قنديل، كان له نصيب من التعاون الفني المثمر مع الموسيقار حسين جنيد، فى أغنيته ذائعة الصيت "قولولى أعمل إيه وياه؟.. لا بشوفه ولاقادر أنساه.. قولولى!!.. أعمل إيه وياه؟!" من كلمات الشاعر الغنائي الكبير عبدالمنعم السباعي، الذي صاغ من قبل "أنا والعذاب وهواك" لـ"عبدالوهاب"، و"أروح لمين" لسيدة الغناء العربي أم كلثوم.

كان جنيد سباقًا إلى الإبداع فى المسرح الغنائي، الذي كان يراه الأصل في انطلاق باكورة الغناء العربي، والدليل على ذلك، مسرحيات وأعمال سيد درويش، والشيخ سلامة حجازي، فقام بالوضع الموسيقى للعديد من الأوبريتات المسرحية مثل ملك الشحاتين، والليلة العظيمة، والحرافيش، وطبيخ الملايكة، وهى آخر الأعمال المسرحية لفرقة ثلاثي أضواء المسرح، قبل تفكيكها إثر وفاة الضيف أحمد عام 1970م.

وفى عام 1972، أسندت الفنانة رتيبة الحفنى ـ رئيسة المعهد العالي للموسيقى العربية آنذاك، قيادة فرقة الموسيقى العربية للتراث إلى الموسيقار حسين جنيد، وإثر وفاة سيدة الغناء العربى، قرر الأديب الكبير يوسف السباعي، تغيير اسم الفرقة بمناسبة ذكرى الأربعين لوفاتها، ومنذ ذلك الحين، أصبح حسين جنيد المايسترو القائد لفرقة أم كلثوم طيلة 18 عامًا.

حرص جنيد أثناء قيادته للفرقة على تواجد الغناء الجماعي المتمثل في الأدوار، والموشحات، والأوبريتات، إلى جانب تقديم الأغاني الفردية، وما هي إلا أعوام حتى قدم خلال عقد الثمانينات نجوما أضاءت في سماء الأغنية العربية، مثل "محمد الحلو، محمد ثروت، على الحجار، لطيفة، سوزان عطية، أحمد إبراهيم، وتوفيق فريد"، وساهم ذلك الأمر في الاعتناء بالتراث الموسيقى، ومعه أجمل أغنيات الزمن الجميل.

ومثل الأشجار التي تنمو فروعها وتُزهر، فإذا ماتت تموت واقفة، ينطبق هذا الأمر مع الموسيقار حسين جنيد، قائد فرقة أم كلثوم للموسيقى العربية، الذي وافته المنية، وهو ممسك بعصايته السحرية على خشبة المسرح، وقبل أيام معدودة من استلام جائزة الدولة التقديرية عن مجمل أعماله.


الموسيقار حسين جنيد


الموسيقار حسين جنيد


الموسيقار حسين جنيد


الموسيقار حسين جنيد يقود فرقة أم كلثوم للموسيقى العربية


الموسيقار حسين جنيد يقود فرقة أم كلثوم للموسيقى العربية