إنسانية الأشياء في شعر الأردني أمجد ناصر

13-11-2017 | 10:39

 

يأتي اختيار المنهج السيميوطيقي (علم العلامات) لأنه يطرح آليات جديدة في قراءة النص الشعري، حيث تتحول العلامات في النص، بامتلائها في المعنى والبنية، وتجعلنا نعيد قراءة النص في ضوء هذه العلامات، مع الأخذ في الاعتبار جماليات الاستعارية والمجازية..

هذا ما يجعل المتلقي يقرأ هذه العلامة في ضوء ما يطرحه النص شعوريا وفكريا، فلا يمكن فهم العلامة إلا في إطارها النصي، حتى لو تمت إعادة توظيفها في نص آخر من قبل الشاعر نفسه أو شاعر غيره ، فإنها تؤدي إلى عمل فني جديد، وهذا ما يطرح فكرة " الواحدية " وتعني عدم التعدد في الممارسة السيميائية المستقلة.
وعندما نطرح مفهوم "سميوطيقا الأشياء" ، فهو يعني أن تصبح الأشياء شاهدة، محاورة ، حاضرة ، بعلاقة مؤنسنة ، تتجاوز كونها جمادات لتصبح فاعلة على لحظات العمر ومواقف الحياة ، ونعني بالأشياء كل ما هو غير بشري ، فيشمل مختلف الكائنات والموجودات ، التي تكون فاعلة في النص ، مما يجعل المتلقي يقرؤها في ضوء التجربة الشعرية ، أو يقرأ التجربة الشعرية في ضوء توهجها في النص ، فيمكن أن تقرأ الأشياء ببعدين : بعد يقف عند توظيفها في النص وهو بعد أولي ، وبعد ينطلق منها ليقرأ النص كله. يقول الشاعر أمجد ناصر:
بوسعك،
أنت الذي لا يكل من الارتهان
بوسعك أن ترحل الآن:
لا وجهة
لا حقائبَ
لا ماء في جرة العُمر
لا زوجة في الثياب النظيفة
لا مطرا في المسالك
لا نجمة في الفضاء الذي يكسرُ الظَهر
منذ انحسار الرضا
صحيح!
ولكنه كفن واحد ثم ترتاح!
إنه خطاب متشيّئ ، بمعنى أنه يختزل تجربة الذات الشاعرة في الغربة والمنافي إلى أشياء ، فبالنظر إلى عنوان القصيدة "مقهى آخر"، تكون مفتاحا لفهم التجربة مكانيا ، فالذات على المقهى ، تتأمل عالمها ، ونرى تمزقا للذات مكانيا ( لا وجهة) ، زمنيا ( لا ماء في جرة العمر ) ، اجتماعيا ( لا زوجة ... )، الهدف(لا نجمة في الفضاء ) ، وما المقهى إلا رمز لحالة من التوقف هنيهة في خضم الحياة، لتكون المحصلة وهما ويأسا . إنها ذات قلقة في علاقتها بالعالم ، واتخذت من المكان جسرا للتعبير عن هذا القلق ، فهي متشظية بتقلبات الذات الشاعرة. هكذا تصبح أماكنه شخصيات وكائنات شعرية مصابة بلعنة المتاهات التي أصيبت بها الذات الشاعر نفسها. تبنى كبنائها وتتقلب كتقلبها، ثم تتهاوى على بعضها كما تتهاوى تلك الذات على بعضها أيضا.

أماكن تولد من رحم الأماكن، وأماكن تقتل الأماكن، وأماكن تتذكر الأماكن. تكاد تكون الأماكن نفسها التي يعيشها الآخرون بحركات أجسادهم ومغاور ذاكرتهم ومزلات لغاتهم وتوجسات قلوبهم ، فالمكان القلق ، يعني الذات القلقة المضطربة ، ويضاد هذا الشعور المكان المستقر الذي يعني هدوءا للذات في العالم الصخب ، ولعل المتأمل في تجربة هذا الديوان الذي يمثل البداية لأمجد ناصر ، يدرك أن هذا هم كان يطارده، ويتخذ من المقهى ميدانا لعالم فسيح ، أي يصبح المقهى علامة على العالم بكل تناقضاته واختلافاته الظاهرة أمام الأعين ، والباطنة في الذات الشاعرة ، ويأتي عنوان الديوان "مديح لمقهى آخر" متوخيا دلالة سيميوطيقية أخرى ؛ تمتدح مقهى آخر ربما يتوافر فيه عالما آخر ، خفيف في تناقضاته ، يستوعب الذات الثائرة المضطربة ، كي ترتكن على أحد مقاعده ، ولكن يظل في النهاية المكان مقهى ، والمقهى كونا فسيحا.
جاءت البلاغة النصية على بساطة بنائها الأسلوبي ، عميقة في طرحها ، فبالنظر إلى المقطع السابق ، نلاحظ أن الذات تسمح لنفسها بالرحيل ، ولكنه رحيل بلا أمتعة ، ولا وجهة ، ولا امرأة . واستخدم في ذلك ، مفردات بسيطة معبرة عن الحالة (الحقائب ، وجهة..)، وهي علامات عن الرحيل الكل يعرفها ويستخدمها، ولكن يأتي تعبير "لا ماء في جرة العُمر" بشكل استعاري ، مع رمزية العلامة فالماء يعطي دلالتين : حاجة المرتحل – برا ماشيا – إلى الماء في جرة ، وأيضا أن الماء دال على الزمن ، وتأتي لا النافية معززة نفاد الماء ( كمادة ) ، والزمن كعلامة وتأويل ، وهو ما يؤكده بقوله " لا مطرا في المسالك" ، فلا ماء في الجرة وأيضا لا مطرا متجمعا في مسالك الأودية ، لتصبح الصورة منتزعة / متناصة بشكل خفي مع البيئة العربية القديمة، والشعر الجاهلي ، حيث الرحيل ، والبكاء على الأطلال ديدن القبائل والشعراء . وتتماهى العلامات النصية مع الدلالة الكلية للمقطع التي تؤكد خلو النفس : زادا وعاطفة ، لا جدوى من الرحيل، فـ"لا نجمة في الفضاء الذي يكسرُ الظَهر" ، فالنجمة علامة على الاهتداء وهذا يتناسب مع قوله تعالى {وعلامات وبالنجم هم يهتدون} وكما ورد في تفسير التحوير والتنوير للطاهر بن عاشور، فإن الاهتداء بالنجوم يكون ليلا، فالشمس وسيلة الاهتداء نهارا ، أما النجوم فهي منارات بالليل ، كما يصح الاهتداء بالنجم – مجازا – إلى ما هو خير فهي أمارات على الطريق، وقد استخدمها الشاعر هنا بالدلالتين – شأنه استخدامه للماء – الدلالة الأولى : هداية المرتحل برا في خضم الحياة ، والثانية : كونها إرشادا في منحنى العمر. وتأتي لفظة "الفضاء" دالة على العمر/ العبء ، الذي يقصم الظهر ، لنجد في النهاية صورة كلية جعلتنا نعيش رحيلا في فضاء العمر ، بهمّ لا طاقة بحمله ، ولا زوجة ولا ماء ولا وجهة ، وتكن النهاية بمحض اختيار الذات الشاعرة: "ولكنه كفن واحد ثم ترتاح" ، وهذه نهاية اليأس ، أو هكذا اختارت الذات.
وقد تتأنسن الأشياء ، وتتخذ طابعا استعاريا ، فيصبح المقهى إنسانا ينحني على ركبتيه ، ومن ثم يصل إلى موقف مختلف مع باقي البشر ، يقول أمجد ناصر:
ـ أقمتُ طويلاً؟
ومقهى الجزيرة لم ينحنِ في المساء،
علي ركبتيه
لم يشته شارعا آخر
لم يضق بمساحته
وبأخشابه الشتوية،
بالزبن الدائمين
ولم يرتجل مشهدا للنساء المثيرات في المدن
الساحلية
لم ينته ضيقا كيديك،
ولم ينتشر كالدماء.
فمقهى الجزيرة / المكان / الشيء ، صار بشرا ينحني في المساء ، خارجا من ماديته الجامدة ، وهذا يتسق مع الرؤية السابقة في النص ، التي جعلت المقهى عالما بما فيه من بشر ، يشهد عليهم ، ويحاورهم ، والذات الشاعرة منهم ، وعندما يأتي المساء ، يتحول المقهى إنسانا ، والشوارع أيضا معه ، لا تضيق به ولا بما فيه ، ويقول : " لم ينته ضيقا كيديك ، ولم ينتشر كالدماء " أي أنه تجاوز البشرية في ضيق يديها ؛ دلالة على تقتير ذات اليد أو قلة ما تمتلكه اليدان ، وعندما يهترئ المقهى لن تتبعثر أشياؤه وتصبح سائلة كالدماء.
وإن كنا نلاحظ تراكمات بلاغية نتجت عن طول الصورة وربطها بصور تخيلية بشكل مبالغ فيها ، رغم أن الرؤية المتوخاة جديدة الطرح حول الأنثى / العالم ، والأنثى / الجسد ، وهذا ما نجده في الكثير من النصوص ، ويتواءم مع طبيعة المرحلة الشعرية – وقتئذ- حيث أسرف الشعراء في حقبة السبعينيات والثمانينيات في جمالية النص ، على حساب صفاء الرؤية ووضوحها.

اقرأ ايضا: