ثقافة وفنون

دفتر أحوال الجامعة المصرية (4) - المقررات العصرية

7-11-2017 | 12:04

جامعة القاهرة

مصطفى الضبع

وفق منظومة إنسانية بالأساس تضع المؤسسات مقرراتها التعليمية تلبية لاحتياجات محددة تقوم على أسس منهجية:

- مقررات أساسية في التعلم كتعلم اللغات وفي مقدمتها اللغة الأم.
- مقررات تستهدف تنمية الفكر الإنساني، وتنمي قدرات المتعلم، وتعمل على تفعيل مواهبه وصقلها.
- مقررات تخدم تاريخ العلوم على اختلافها، رصدا لتطور المعرفة الإنسانية من خلال علومها المختلفة.
- مقررات تفرضها طبيعة اللحظة وتستحدثها المؤسسات الأكاديمية تلبية لروح العصر حيث المتعلم لا يتخرج في الماضي وإنما يخرج إلى الحياة العملية في عصر غير الذي بدأ فيه التعلم.

لقد استحدثت كثير من الجامعات العالمية والعربية ما يسمى بمقررات السنة التحضيرية، بل تجاوز الأمر ذلك أن أصبح هناك ما يسمى بعمادة السنة التحضيرية بوصفها سنة تستهدف إعداد الطالب للدراسة الجامعية، ووضعه على طريق العلم بالأساس عبر تزويده بمقررات متنوعة وهي مقررات تتنوع بين مقررات تنتمي لثقافة المتعلم، ومقررات تنتمي لثقافة أخرى (سواء في العلوم الإنسانية أو العلوم البحتة والتطبيقية)، وأصبحت الجامعات المختلفة (الواعية بأهمية تطوير أدائها) أكثر حرصًا على استحداث مقررات متنوعة المصادر عبر استحداث مراكز واستقطاب علوم مختلفة (علوم الفضاء – وعلم الأرض والبحار وغيرها من العلوم).

في جامعاتنا ينتقل الطالب من مرحلة إلى أخرى ليجد نفسه في منطقة التيه الأكبر حيث يتطلب الأمر مرور وقت طويل لاستقرار أموره الجامعية بعد عام كامل من المعاناة حيث يعاني الطالب الجامعي (بخاصة في العلوم الإنسانية) من ثلاثة أمور أساسية فيما يدرس من مقررات:
- الجمود في المقررات الدراسية.
- نقص مقررات هو أحوج لها.
- الجمود في الاستراتيجيات (سنعود لهذه النقطة لاحقا).

في الأولى يعاني الطالب من مقررات درسها أجداده وعلى الرغم من أن القوانين المنظمة للعمل الجامعي تعطي الحق لمجالس الأقسام ومجالس الكليات أن تغير من لوائحها تطويرًا لمقرراتها، فإن كثيرًا من الأقسام العلمية تفضل الركون إلى ما هو مستقر، وكثيرًا من مجالس الكليات يعاني صراعات وخلافات حول الساعات التي يكون على القسم تدريسها، حيث ينحي البعض الموضوعية جانبًا تعصبًا لتخصصه الأهم من وجهة نظره، وهو ما يعطل الكثير من مقدرات التطوير وتتعطل كل أعمال من شأنها استهداف التطوير وفي كثير من الأحيان تتصارع الأقسام لفرض عدد ساعات يفوق قدرة الطالب مما يضخم المقررات منتجًا خللًا واضحًا في منظومة لا ينشغل الفرقاء بتصحيح مسارها.

يتطلب الأمر عدة حلول منها تدشين مقررات موحدة وخاصة في العلم الإنسانية، ففي العلوم التطبيقية من المنطقي أن تكون هناك أقسام علمية تخدم البيئة المناسبة أو تستثمر مواردها (كليات التعدين والبترول مثلا في أماكن إنتاج المورد أو أقسام طب المناطق الحارة مثلا في أماكن لها طبيعتها المناخية)، والحال هكذا يكون من الأهمية بمكان توحيد اللوائح بما يسمح بتوحيد المقررات إلى حد كبير ويكون الأصل هو التوحيد والفرع هو التغيير بنسبة ما وليس العكس (هذا هو الكائن والمستقر الآن والتوحيد هو الفرع وليس الأصل).
يضاف إلى ذلك أهمية قيام المجلس الأعلى للجامعات بتحديد عدد ساعات كل قسم بشكل متوازن وبعدها يأتي دور القسم العلمي في تصنيف هذه الساعات وبلورتها في مقررات تخصه وهو الفيصل في تحديد مضمونها وليس تحديد عددها وهو ما يوقف نزيف الوقت في الصراع بين الأقسام المتعصبة لتخصصاتها.

في الثانية، هناك مقررات تفرضها طبيعة الاحتياجات الضرورية للحياة الإنسانية، وقد سبقتنا إليها كثير من الجامعات العالمية والعربية بوصفها متطلبات جامعية تلتزم كل الكليات بتدريسها بوصفها من المعارف ذات الأهمية في منها على سبيل المثال: مقرر التحرير العربي بوصفه متطلبًا لضبط الكتابة بالعربية، تعميم مقرر الكمبيوتر بوصفه متطلبًا عصريًا لا يليق قبول الأمية فيه، تعميم تدريس اللغات المختلفة غير العربية بوصفها متطلبا لكل سوق عمل الآن، مقرر الصحة واللياقة بوصفها يقدم معرفة صحية لها أهميتها القصوى وخاصة إنه يقدم معرفة طبية لها جانبها الأسري (من المؤسف حد الكارثة أن تجد أمهات شابات جامعيات ليس لديهن الحد الأدنى لكيفية التعامل مع أطفالهن).

يضاف إلى ذلك مقررات لم يعد من الممكن تجاهل أهميتها، مع دخول العلم في كل مجالات الحياة بات من المهم أن تعمل الجامعات على تقديم مقررات من شأنها استهداف إعداد الشباب على أسس علمية لما سيكونون عليه أو من المحتم أن يصيروا إليه: أعني تعليم الشاب كيف يكون زوجًا وأبًا، وتعليم الفتاة كيف تكون زوجة وأمًا، يحدث كثيرًا - حتى بات سمة للعصر - أن يحصل أحدهما على شهادة في تخصص لا يعمل به مما يعني أننا قد نعلمه ما لن يفيد منه في المستقبل، في الوقت الذي لا نعلمه فيه ما هو صائر إليه حتمًا (كان من المقبول قديمًا أن يكتفي الشباب بمعارف تناسب عصرها في تكون الأسرة غير أن تطور الحياة يفرض معارف أخرى ليس من الممكن الاكتفاء فيها بمجرد نصائح الجدة أو مشورة الأصدقاء) وفي ظل تغير نمط الحياة وانقضاء فكرة بيت العائلة بوصفه تجمعًا يعمل على نقل الخبرة، وتفكك العائلة الكبيرة إلى كيانات صغيرة، يضاف إلى ذلك عمل المرأة ( الأم ) التي كانت يومًا المصدر الأساسي والوحيد للأجيال المتوالية من الفتيات المقبلات على الزواج والأمومة، في ظل ذلك كله أصبح من الأهمية بمكان تدشين الأجيال بالمعرفة والعلم اللازمين لحياة لن تستقيم إلا بهما.

إن حلقة مفقودة يعانيها التعليم الجامعي تتمثل في غياب دور المجلس الأعلى للجامعات في وضع خارطة للمقررات تلتزم بها الجامعات المصرية تشتمل على مقررات تحضيرية يحددها المجلس الأعلى نفسه ويدرسها كل طلاب الجامعة على اختلاف تخصصاتهم، تتلوها مقررات تخصصية تحدد الأقسام مضمونها وتكون مسؤولة عن تطويرها باستمرار.

اقرأ ايضا:

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة