ثقافة وفنون

دفتر أحوال الجامعة المصرية (3).. الإرشاد والإرهاب

29-10-2017 | 11:12

جامعة القاهرة

مصطفى الضبع

محملا بممارسات أقل ما توصف به أنها غير علمية، ينتقل الطالب من التعليم قبل الجامعي إلى الجامعة، ممارسات تفرض عليه مفاهيمها الخاطئة عن العالم، حينها يكون أمامه فرصة واحدة لاستثمارها من قبل القائمين على تدشين هذه الفرصة، فرصة التعليم الأخيرة، تمهيدا لانتقاله إلى الحياة العملية، مما يجعل المرحلة ذات طبيعة خاصة أو ذات خطورة خاصة.

بعض الطلاب (القليل منهم تحديدا) يدرك أهمية المرحلة، مما يجعله يسعى لاقتناص الفرصة (بخاصة إذا تهيأ له عدد من الأساتذة الحقيقيين الذين لا يفهمون التعليم بوصفه مجرد حشو معلومات وإنما هو نقل خبرات وتحفيز القدرات، لاكتساب المهارات، وفي مقدمتها مهارة التفكير العلمي في التخطيط والعمل وحل المشكلات).

ينتقل الطالب إلى الجامعة محملا بثقافة التلقين، مدججا بأفكار من أخطرها أن العلم وسيلة للحصول على شهادة تمنحه فرصة العمل، يضاف لذلك أن المجتمع يرسخ في ذهن المتعلمات من الإناث أن الشهادة طريقك لزواج مناسب أو عريس مناسب، أيهما أقرب، مما يجعل الأجيال تتوارث مقولة "العلم سلاح"، لا بالمفهوم القديم سلاح في وجه الجهل، وإنما بمفهوم أكثر عصرية يقوم على أساس أن العلم وسيلة للحصول على وظيفة، وكما يشتري الخريج وظيفة، فإنه قد يسعى لشراء شهادة، وهو ما يعني أنه لم يتقدم معرفيا ولا علميا ولا مهاريا.

يخرج الطالب من مرحلة الرعب (الثانوية العامة)، وهو في حالة إنهاك نفسي، ليدخل منطقة خاطفة (سريعة مقارنة بزمن مرحلة الثانوية العامة)، منطقة تحديد المصير، أو ما يمكن تسميته "رصاصة الرحمة لأحلامه"، منطقة مكتب التنسيق التي يمكن تسميتها "البرزخ الفاصل بين عالمين"، كما يمكن تشبيهها بالقطار الذي يركبه الطالب، معتقدا أو حالما بأنه سينزل في الإسكندرية، ولما يأخذه التعب للنوم يصحو فيجد نفسه في أسوان، وعلى الرغم من أن مكتب التنسيق المنطقة الأكثر انتظاما، أو لنقل المنطقة الأكثر موضوعية، فإنه لم يعد الحل الوحيد أو الوسيلة الوحيدة للعبور إلى الجامعة، والإبقاء عليه بوصفه الوسيلة الوحيدة لتحقيق الغرض يفضي إلى نتائج غير منطقية، في مقدمتها أن الطالب يدخل كلية يجهلها تماما، أو لا يكون مؤهلا لها (ناهيك عن الرغبة فيها)، حتى إن كثيرا من الطلاب يدخلون كلية دار العلوم مثلا معتقدين أنها كلية العلوم، وشتان ما بين الكليتين (في مقابلات الطلاب الجدد بكلية دار العلوم كان سؤالي الوحيد للطالب: هل جئت الكلية برغبتك أم برغبة مكتب التنسيق؟)، فإذا وجدت طالبا يحدد رغبته في دخول الكلية ودراسة اللغة العربية وعلومها تجد عشرة ساقهم مكتب التنسيق إلى الكلية، وهم لا يعرفونها ولا يرغبون أصلا في دراسة علوم العربية، وهو ما يعني أن الطالب يقبل على الجامعة مفتقرا إلى شيئين أساسيين:
- تصحيح مفاهيمه الخاطئة.
- رسم صورة صحيحة ومناسبة للجامعة، عبر مساعدته على رسم الصورة بطريقة عملية من خلال، ممارساته الجديدة.

والحال هكذا، سنت جامعات العالم ما يسمى "الإرشاد الأكاديمي" الذي يقصد به ذلك النوع من العمل الإنساني العلمي الذى يقوم به الأساتذة تجاه الطلاب عبر مهام محددة:
- تأهيل الطالب نفسيا وتربويا واجتماعيا لمجتمع الجامعة.
- البحث في المشكلات المختلفة، والسعي إلى حلها بطرق علمية، ليتمكن الطالب من التعلم دون عوائق.
- اكتشاف قدرات الطالب ومواهبه وكيفية استثمارها لمصلحته ومصلحة مجتمعه لاحقا.
- تعريف الطالب باللوائح والقوانين المنظمة للحياة الجامعية، وتدريبه على العمل بها، بوصفها قوانين تتوافق والمجتمع خارج الجامعة.
- الربط بين البيت والجامعة وفق منظومة تجعل من الجامعة قاطرة للتقدم بكل أشكاله.

وهو ما يعني أن دور المرشد الأكاديمي بالأساس: تعليمي، أخلاقي، نفسي، مهني، وقائي، والمرشد الأكاديمي أستاذ تتوافر فيه صفات القيادة، والقدرة على مواجهة المشكلات واتخاذ القرار، وحسن إدارة الوقت والتخطيط، مما يخرج العملية التعليمية في الجامعة من مجرد الحصر في التلقين إلى وضعها في نصابها الصحيح الذي حادت عنه عندما أصرت – بفعل عوامل تراجعها – على تجاوز دورها المرسوم منذ وجودها على الأرض.

الإرشاد الأكاديمي قائم في جامعاتنا نظريا وليس عمليا، وإذا ما آمن به أستاذ فهو نص معطل عند آخرين، وإذا ما عملت كلية على تفعيله فهناك عشرات الكليات يظل فيها حبرا على ورق.

الغريب أن كثيرا من الأساتذة الذين سبقت لهم تجربة العمل في جامعات عربية طبقوا هذا النوع من الأعمال الجامعية، لأنهم وقتها يكونون ملتزمين بأعراف جامعات تحرص على العمل الأكاديمي الحقيقي، وعندما يعودون إلى جامعاتهم ينقسمون إلى فريقين:
- فريق ينسى تماما ما عمل به، وتكون عودته إلى جامعته الوطنية إيذانا بعودته إلى قناعاته الأولى (المهملة للفكرة من أساسها، حصرا للتعليم الجامعي في عملية حشو المعلومات).
- فريق يحاول نقل خبراته، غير أن الواقع الفعلي في جامعاته يجبره على العودة للمربع صفر، ولأنه في الغالب عند العودة يجد مظاهر التراجع استفحلت للدرجة التي يستحيل معها طرح أفكار جديدة.

وعلى الرغم من حاجة الطالب الجامعي على مدى سنوات دراسته إلى عملية الإرشاد الأكاديمي، فإنها تظل "فريضة غائبة" تترتب على غيابها نتائج ليست فى مصلحة الأجيال ولا المجتمع، ويضيع على الطالب الكثير مما قصرت الجامعة في غرسه، بل تكون الكارثة الكبرى أن يرتمي الطالب في حضن مرشد من نوع خاص خارج الجامعة، يستغل طاقاته وتطلعاته وطموحاته في طريق آخر، مرشد يعوضه عن الإرشاد الحقيقي لمصلحة المجتمع إلى إرشاد مزيف ليفجر نفسه في المجتمع.

ولا أبالغ إذا قلت: إن الإرشاد الأكاديمي خطوة أساسية في القضاء على الإرهاب الذي تتحمل الجامعات مسئولية كبرى في ضخه، بفعل تراجع دورها الحقيقي.
(تأكيدا: يمكنك كتابة "الإرشاد الأكاديمي" في "جوجل"، وستجد أن كل النتائج تحيلك إلى جامعات عربية!).

اقرأ ايضا:

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة