• رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة
  • رئيس التحرير: محمد إبراهيم الدسوقي
اخر الأخبار

مفتي البوسنة السابق: مصر حصن العالم الإسلامي.. والأزهر "روحه".. والمسلمون بحاجة إلى "كلمة سواء"| صور

25-10-2017 | 22:162836

مفتي البوسنة السابق: مصر حصن العالم الإسلامي.. والأزهر "روحه".. والمسلمون بحاجة إلى "كلمة سواء"| صور

حوار: محمد الحديدي
25-10-2017 | 22:162836
25-10-2017 | 22:162836طباعة

جانب من اللقاء

(مصر هي حصن العالم الإسلامي.. والأزهر كان وسيظل "المتنفس الروحي" لنا أحلم بإنشاء مجلس عالمي للمفتين.. و"كلمة سواء" تقضي على العنصرية الفكرية.. ولكن الشيوخ والعلماء لا يجب خوضهم فيها دون علم، والخلافة نامت في الكتب القديمة، واستيقظت على يد "داعش" الإرهابي.. ونحن السبب!! يا شباب انتبهوا لما تسمعون من أخبار.. ولا تتبعوا خطوات الشيطان..)



هكذا بدأ حواره معنا البروفيسور مصطفى سيرتش، وهو إمام بوسني، ولد في 5 فبراير 1952م، تخرج في المدرسة الثانوية في سراييفو، وحصل على منحة دراسية بجامعة الأزهر، ثم عاد إلى يوغوسلافيا ليصبح إمامًا لأحد مساجدها، في عام 1981عمل إمامًا في المركز الثقافي الإسلامي في شيكاغو، وعاش في الولايات المتحدة لعدة سنوات، وخلالها حصل على درجة الدكتوراه في الدراسات الإسلامية من جامعة شيكاغو، ثم عاد إلى يوغوسلافيا عام 1987 وأصبح إمامًا بمركز تعليمي في زغرب، وشغل منصب المفتي الأكبر للبوسنة والهرسك ورئيس مجلس العلماء المسلمين الـ"14" من عام 1993 خلال الحرب مع الصرب إلى عام 2012. رُشح لعضوية مجلس رئاسة البوسنة والهرسك في الانتخابات العامة عام 2014، وسيرتش أحد مؤسسي أكاديمية العلوم والفنون البوسنية، وهو حاليًا رئيس المؤتمر العالمي للبوشناق.

"نعم أنا مسلم من أوربا والحمد لله، وبالتحديد من البوسنة وهو بلد صغير المساحة؛ لكنه كبير في تاريخه الديني والقومي، وأنا أحد الناجين من الإبادة الجماعية بسبب عقيدتي، والتي تعرض لها المسلمون البوشناق في تسعينيات القرن الماضي، ولكني جئت اليوم لأتحدث للعالم أجمع من هذا المنبر الشريف، ضد الانتقام والعنف والإرهاب الذي ليس من الإسلام في شيء".

هذا كان جزءًا من كلمة الأستاذ الدكتور مصطفى سيرتش، مفتي البوسنة والهرسك ورئيس مجلس العلماء السابق، في مؤتمر الإفتاء العالمي الذي عُقد في القاهرة مؤخرًا.

أدركت من الوهلة الأولى أنني أمام فيلسوف وعلامة مسلم، يضيع قمرُه منا إذا لم تطأه عقولُنا، فسارعت لاستئذانه في إجراء حوار لـ"بوابة الأهرام"، فبكل بساطة وتواضع وافق، بل أسهب في إجاباته؛ وفي الحوار الآتي أنقل فكر ورسالة "سيرتش" لشباب المسلمين..

• هل في الإمكان إطلاع القارئ على السيرة الذاتية للعالم مصطفى سيرتش؟
•• من الحرج أن أحدثك عن نفسي؛ ولكني أستطيع أن أقول شيئًا واحدًا يتعلق بمصر الحبيبة وبديْني لها، وهو أني أزهري، أتيت للقاهرة عام 1974 للدراسة في كلية اللغة العربية "شعبة عامة" جامعة الأزهر، وتخرجت فيها 1978؛ ولذلك مصر هي البلد الذي أحبه وأفضله، وأتابع أخباره عن كثب؛ حيث إن مصر دولة الحصن في المنطقة العربية والعالم الإسلامي، ويهمني جدًا وضع الأزهر الشريف، وكذلك نشاط دار الإفتاء المصرية؛ حيث إني توليت رئاسة الإفتاء في البوسنة لأطول مدة قاربت العشرين عامًا.

• ما دور مجلس العلماء في البوسنة؟
•• أنا أريد أن أؤكد شيئًا ربما بعض المؤرخين سيفهمونه، نحن ما زلنا في مرحلة انهيار أو انحطاط أو سقوط المملكة العثمانية؛ والدليل ما يحدث الآن في الشرق الأوسط وفي العراق وسوريا، فحدود تلك الدولة اتسع شرقًا وغربًا، وبعد سقوطها قُسّمت وأخذها المحتلون؛ لذلك نحن مازلنا نعاني من هذه السياسات في تقسيم أراضي المسلمين.
وفي ظل تغييب الدولة القومية للبوشناق في شبه جزيرة البلقان جاء مجلس علماء المسلمين الذي أنشئ من قبل فرانز جوزيف الأول إمبراطور النمسا عام 1882م، فانقطعت العلاقات الروحية والتربوية والتعليمية والسياسية والاقتصادية مع إسطنبول، وكنا على وشك الموت لولا الأزهر؛ الذي مثّل لنا ولجميع البلاد الإسلامية الواقعة تحت حكم المحتل"المتنفس الروحي"؛ ولذلك يجب تثمين دور الأزهر في الماضي والحاضر وكل الأزمان.

أصبحنا جزءًا من أوروبا تحت حكم الإمبراطورية النمساوية المجرية غير المسلمة، فأراد الملك تنظيم المسلمين، وتعيين رئيس لهم يشرف عليه حتى يضمن طاعة المسلمين له وينهي آمالهم في إقامة دولة البوشناق المسلمة المستقلة، فأنشأ مجلس العلماء ووضع رأسًا عليه؛ ليقوم مقامه ويكون بديلًا عن الدولة التي كنا ـــ بديهيًا ـــ نستحق إقامتها.

وهذا كان محاكاة لمجلس علماء المسلمين الذي أنشأه الاحتلال البريطاني في فلسطين؛ لإنهاء حلمهم في إقامة دولتهم المستقلة، وهذا المسمى لا يوجد في التاريخ الإسلامي، وإنما هو خدعة وصنيعة الغرب العلماني المحتل، على طراز المجالس الكنسية؛ لمحو شعور القوميات المسلمة بالتراث الإسلامي، ولا شك ـــ في ظل هذا الضعف ـــ أن المسلمين كانوا في احتياج لمثل هذه المؤسسة للحفاظ على التراث والهوية الإسلامية وحلم إقامة الدولة التي نتمتع بها الآن، فالمجلس بلا دولة لا يساوي شيئًا.

• اقترحت فضيلتكم إنشاء مجلس عالمي للمفتين، في المؤتمر العالمي للإفتاء في مصر، اشرحوا لنا هذه الفكرة؟

•• أنا أحلم بأن أرى المجلس العالمي للمفتين، يجلسون على مستوى مسئولياتهم، فكما نعلم أنه يوجد في الفاتيكان مجلس للكرادلة حول العالم ويجتمعون سنويًا، وكل واحد يقدم تقريرًا عن نفسه، فلماذا لا نعمل شيئًا مثل هذا، يكون مجلسًا للمفتين، ونختار واحدًا منا يكون مفتيًا عامًا للمسلمين، ويكون صوت ضمير الأمة الإسلامية، وصوت الوسطية في كل الأزمات، ويكون ممثلنا ومتحدثنا أمام وسائل الإعلام العالمية، ويدفع عن المسلمين الافتراءات والتهم التي يسعى البعض لإلصاقها بالإسلام والمسلمين؛ مثل الإرهاب والعنف، برغم أن التاريخ القريب يذكرنا بمذابح سربرنيتسا في البوسنة وحاليًا الروهينجيا في بورما. وبرغم أن شيخ الأزهر في عدة مؤتمرات، ومؤخرًا كان في ألمانيا، قام مقام هذا الدور على أعلى مستوى، وتجاوز حدود قوميته المصرية العربية، ولكن في النهاية هو شيخ الأزهر المصري، وسيراه الآخر أنه يعبر عن قوميته المصرية ومصالحها، على عكس من يُختار للحديث عن كل فرد من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وهذا الغرض - كما أظن - يؤديه المجلس العالمي للمفتين، وهذا حلمي ولو لم يتحقق في حياتي فقد تسجله لي الملائكة، وأحصد ثماره في الحياة الأخرى.
• هذا يدفعنا للحديث عن مبادرة "كلمة سواء" التي كنتم من قادتها للتحاور مع الديانات الأخرى، فكيف تسقط هذه المبادرة على واقع المسلمين الآن لتحقيق حلم التوحيد والتوحد؟
•• مرت عشر سنوات على هذه المبادرة، وهي قائمة على مبدأين أساسيين: حب الله وحب الجيران، وكان لها مردود صادق ولها استمرارية؛ ونحن المسلمين نعاني من مرض مزمن ألا وهو"بدء الشيء وعدم الاستمرار فيه", ونحن الآن في أشد الاحتياج إلى كلمة سواء فيما بيننا، فالناس ما عادت تفرق بين الانتساب للإسلام والإيمان بالله، وأصبحوا يؤمنون بالجماعة التي ينضمون إليها أكثر من إيمانهم بالله، بجانب أننا ما عدنا نستمع إلى بعضنا، وأصبحنا "أوس وخزرج" حاليًا؛ ولذلك دعوت في كلمتي بالمؤتمر إلى "المباهلة" بين كل من يدعي أنه على صواب دون غيره "فنجعل لعنة الله على الكاذبين"، وساعتها المعاندون، وذوو العنصرية الفكرية سيتراجعون عن غيّهم وتفرغ الساحة لأصحاب العقيدة الحقة.
•هل تعتقد أن مذابح سربرنيتسا انتهت، مع ما يحدث لمسلمي الروهينجيا في ميانمار من إبادة؟
••لا، نحن دائمًا في خطر الإبادات الجماعية في كل مكان؛ ولذلك يجب أن نوحد نياتنا قبل صفوفنا، وإذا صدقت خرجنا من المأزق تلو الآخر، وهذا ما أكدته في المؤتمر، ولكننا ما زلت نياتنا وقلوبنا مختلفة بدليل ما يحدث الآن في المسلمين وبلدانهم.
• اعتبرتك الكاتبة الأمريكية "شيريل بينارد" في كتابها "الإسلام الديمقراطي المدني"، أنك من القادة المحتملين للإسلام الحداثي، فما رأيك في ذلك؟
•• الإمام محمود شلتوت شيخ الأزهر الأسبق كتب كتاب "الإسلام.. العقيدة والشريعة"، وأنا أضيف إلى ذلك "الإسلام.. العقيدة والشريعة والخلافة"، وأرجو أن تبينوا ذلك، العقيدة هي قضية فردية، والشريعة قضية جماعة المسلمين، أما الخلافة فهي قضية مجتمعية، ومعناها عندي الدولة المدنية التي تعني المواطنة بمعناها السليم، ولكن المشكلة أننا تركنا قضية الخلافة في الكتب القديمة "نائمة"، ولكن هذا النوم لم يستمر؛ حيث استيقظ "داعش" الإرهابي ليدعي الخلافة.
ولو أننا حوّلنا ـــ كما حول الأوروبيون بكتاب الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبس"اللفيوثان.. الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة"، الكائن الخرافي (أفعى برأس التنين) الوارد ذكره في الكتاب المقدس، فاستعمله ليصور سلطة الحاكم أو الدولة التي يستبدل بها الناس (ضمن عقد اجتماعي جديد) سلطة الدين أو اللاهوت، فهم حولوا المعاني الإنجيلية لخدمة الدولة المدنية ـــ معنى الخلافة إلى الدولة المدنية، لكن نحن لا نعلم معنى الخلافة غير قيل وقال، فتجمدت الخلافة دون تطوير للفكرة، وتجمدت معها العقول، وعندما ذاب الجليد عن الخلافة سارت مياه في الاتجاه الخطأ دون جمعها في مجرى سليم والاستفادة منها، العالم من حولنا يتحرك ويطور تراثه وتاريخه، ونحن مازلنا واقفين عند بيعة السقيفة، ومن أولى بالخلافة أبوبكر أم عمر أم علي؟

• ما رأيك في بعض من يعبث في ثوابت ديننا الحنيف؛ كزواج المسلمة من غير المسلم، وغيره؟
•• يجب أن نتعلم أن هناك أمورًا لا ينبغي مناقشتها، وأنا تعلمت قاعدة تقول: من يشكو دائمًا لا يفهم أبدًا (Never Complain, Never Explain)، والمسلمون دائمًا يشتكون بأن الغرب هو السبب فيما نعانيه. ومثل هذه القضايا لا أدخل في نقاشها، بل أنا مسلم وأعرف ديني، أما أن تحب أو لا تحب فهذا شأنك لا أتدخل في شئونك ولا تتدخل في شئوني، وفي معظم الأحيان السلامة في السكوت، ويجب علينا أن نمارس الصمت بدلًا من أن نوضّح ونفَضِّح، وأنا أرى أن مثل هذه المسائل مزيفة في حين الأطفال يقتلون وتدمر البلاد، ونحن نسأل في هكذا أمور. عندما كنا محاصرين في البوسنة وتقتل النساء والأطفال جاءني رجل يسأل عن إطلاق اللحية واجب أم لا، فقلت له إذا زوجتك توافق على إطلاقها فافعل وإذا رفضت فلا تفعل، فقال أنت تمزح، فقلت بل أنت الذي تمزح، يا أخي نحن يحاصرنا الموت وأنت تسأل عن اللحية، وأصدرت بعدها فتوى "فريضة على كل إنسان مسلم الحفاظ على رأسه من القطع" فبدون الرأس لن يكون هناك مكان للحية ولا أي شيء، حافظ على رأسك وبعدها أنت حر في مسألة اللحية، فلنفكر في أولويات الواقع بدلًا من قضايا الاستهلاك المحلي.
•كلمة توجهونها للشباب المسلم؟
•• تنبهوا إلى ما تسمعون من أخبار، خاصة في وسائل التواصل الاجتماعي، وحافظوا على صحتكم الجسدية والروحية، ولا تتبعوا خطوات الشيطان، فرسولنا الحبيب صلى الله عليه وسلم ترك لنا الكتاب والسنة ما إن تمسكنا بهما لن نضل. يا شباب أحلى فترات عمرك الآن فاستخدموها فيما ينفعك في كِبَرك، فالخطأ في المرحلة الشبابية تحصده عجوزًا، ولكن لا بد أن أعترف أن هذه الفترة صعبة جدًا على الشباب أكثر منا في شبابنا؛ حيث لم توجدهذه التحديات فما كنا نعرف التليفزيون وغيره، ولا كنا معرضين لكل هذه الابتلاءات والذنوب، لذلك من يحافظ على نفسه من المحرمات سيكرمه الله سبحانه وتعالى بالجنة ويستظله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.



 

مفتي البوسنة السابق: مصر حصن العالم الإسلامي.. والأزهر "روحه".. والمسلمون بحاجة إلى "كلمة سواء"| صور