جماليات المكان في رواية "كانت سلامًا" لعبد الله الطيب

31-10-2017 | 08:31

 

يُشكل المكان عُنصرًا مُهمًا من عناصر البناء في الرواية الحديثة، والمكان عنصر فاعل ومؤثر في الفضاء الروائي؛ لأن أحداث الرواية تدور في المكان الذي اختاره الروائي وعاءً للسرد، ونجد الشخصيات الروائية تتحرك في هذا المكان بوصفه مركزًا جاذبًا وفضاءً فاعلا في كل أحداث الرواية، المكان له أهمية كبيرة في حياة أبطالها، فلا وجود حقيقي لأي شخصية إنسانية يمكن أن تعيش الحياة بدون أن تتحرك في نطاق الحيز المكاني.


محسد الحسن عثمان بطل رواية (كانت سلامًا) للكاتب عبد الله الطيب الذي يعيش في المدينة المنورة منذ أن هاجر إليها جده السوداني عثمان صاحب البشرة السمراء والقلب الطيب النبيل، اختار عثمان السوداني الهجرة إلي مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ليعيش فيها بقية حياته بعدما هجر زوجته وتركها خلفه في السودان.

المدينة بوتقة انصهار
باتت المدينة المنورة بوتقة ينصهر فيها كل المهاجرين إليها منذ هجرة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من مكة، انصهر فيها المهاجرون الأوائل مع الأنصار (أهل المدينة المنورة) ثم انصهر فيها كل الناس من كل البلاد الذين هاجروا منها واختاروا العيش بجوار الرسول الكريم من كل الجنسيات والعرقيات المختلفة، من مصر وليبيا والسودان والمغرب إلى دول شرق آسيا: الهند وماليزيا وباكستان واندونيسيا، كل هذه الجنسيات انصهرت وعاشت داخل أسوار المدينة المنورة، وكستهم جميعًا بميزتها التاريخية وهي الطيبة والتسامح، وباتوا جميعًا يتقاسمون نفس العادات والتقاليد، وتسابقت جميع البلاد العربية والإسلامية في خدمة المعتمرين والحجاج زوار مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجدنا التكية المصرية، ووجدنا الكثير من الأوقاف، المغاربة لهم أوقاف، السودانيون لهم أوقاف، الأتراك لهم أوقاف، السوريون لهم أوقاف، الإيرانيون لهم أوقاف، الهنود لهم أوقاف.

احتوت المدينة المنورة أوقاف معظم الدول العربية والإسلامية، ووجدنا الكثير من الأغنياء من هذه الدول يخصصون جزءًا كبيرًا من أموالهم وقفًا لخدمة زوار المدينة والمقيمين بها، ومع ذلك اعتاد أهل المدينة المنورة في موسم الحج السكن على سطوح بيوتهم، وإخلاء الطوابق السفلية لتأجيرها لزوار المدينة المنورة من المعتمرين والحجاج.

الشيخ آدم من أقدم سكان رباط عزت باشا بمحلة المنشية في باب المجيدي، جاء إلى المدينة المنورة من قرية بولاية كانو في نيجيريا، فتح كُتّابًا لتحفيظ الأولاد سور القرآن الكريم، كان رباط عزت باشا مثل قرية صغيرة احتوى على حوالي أربعين غرفة ومسجدًا وكتاتيب لتعليم القراءة والكتابة، اختار الحسن عثمان كُتاب الشيخ آدم لتحفيظ ابنه محسد سور القرآن الكريم، وانضم محسد بسنواته الخمس إلى كُتاب الشيخ آدم في باب المجيدي الذي لا يبعد كثيرًا عن المسجد النبوي الشريف، في كُتاب الشيخ آدم تعرف محسد على صديقيه حسن وعلي (علي إبرة)، وفي مشوار كُتاب الشيخ آدم في رباط عزت باشا والعودة منه عرف الصبية الصغار متعة الشقاوة البريئة وضجيج الألعاب الشيطانية، وشكلت هذه الألعاب ذكريات العمر في حارة الأغوات ومنه إلى باب المجيدي حيث الطريق للصلاة في المسجد النبوي وكان رباط ستنا ملكة يبيت فيه الزوار من الفقراء والأرامل ذات ممرات وغرف وأبواب عديدة.
ورباط ستنا ملكة يضم الكثير من الأبنية، من طابقين وثلاثة طوابق، وتمتعت حارة الأغوات بقربها من المسجد النبوي الشريف، وكثرت بها الأربطة التي أنشأها المهاجرون من مختلف الجاليات وعرفت باسمهم، رباط الحبش، ورباط البخارية، ورباط النقشبندي، ورباط الجبرتي، ووقف المغاربة الصغير والكبير، وكان رباط ستنا ملكة في زقاق العشرة المبشرين بالجنة من أشهر الأربطة في حارة الأغوات.. الرواية ص 46.

الاغتراب المكاني
كل أبطال رواية (كانت سلامًا) مهاجرون من جنسيات مختلفة، محسد الحسن عثمان يعود أصله إلى السودان، الشيخ آدم محفظ القرآن الكريم من نيجيريا، الحاج سعيد (أبوفكس) من ليبيا، سكنوا جميعًا حارة الأغوات القريبة من المسجد النبوي، وكبر (محسد وحسن وعلي إبرة) وكبرت معهم أحلامهم وذكرياتهم، واجتاز محسد المرحلة الثانوية، وعرف الطريق إلى مدينة الدمام حيث الجامعة، ولكن كيف يعيش بعيدًا عن ذكريات الطفولة في أزقة حارة الأغوات؟! وكيف سيعيش بعيدًا عن رفيقي عمره حسن وعلي إبرة؟! وقد افترقت بهم الطرق ولم يدخلا الجامعة مثله.
وبدأ محسد يعرف الطريق إلى الغربة والبعد عن محبوبته المدينة المنورة منذ أن عرف الطريق إلى ركوب الطائرة للدمام بالمنطقة الشرقية ودراسة هندسة البترول والسكن مع زملاء الدراسة بالمدينة الجامعية، ولم تشفع له المدينة الجديدة وأضواء شركة أرامكو للبترول أن تنسيه وجع الاغتراب عن ذكرياته في المدينة المنورة .. (واحترق بنار الغربة التي أحرقته طوال حياته..) الرواية ص260، وزادت آلام غربته عندما سافر للعمل في منصة بترول بحرية قريبة من تايوان عاصمة الصين، وبعد خمس سنوات من العمل في منصة البترول والغربة والوجع عاد محسد للمدينة المنورة ، يُكابد الشوق والحنين إلى ذكرياته مع رفاق العمر في رباط عزت باشا وحارة الأغوات؛ لكن كانت صدمة شديدة في انتظار محسد، لم يجد المدينة التي يعرفها جيدًا وتركها منذ خمس سنوات، فقد هدمت حارة الأغوات وأصبحت تسمي المنطقة المركزية، وتم بناء مئات الفنادق العالية؛ لتكون في خدمة زوار المدينة في موسمي الحج والعمرة، وعندما دخل المسجد النبوي للصلاة رأى التوسعات الكبيرة التي لحقت به خلال السنوات الماضية، ولأول مرة يفشل في تحديد باب المجيدي أو حارة الأغوات، بل لم يعرف أين بيته الذي ولد فيه وكبرت فيه أحلامه، وراح يسأل نفسه أين كُتاب الشيخ آدم، بل أين الشيخ آدم نفسه؟ أين رباط عزت باشا؟ أين حجة مريم وطبق الحلوى الشهير في حارة الأغوات؟
بكى محسد مع جده بدمع صاخب على الشيخ آدم الذي سكن البقيع، وعندما همس محسد لجده أن توسعات المنطقة المركزية أكلت بيته الذي ولد فيه، تبسم الجد عثمان وقبض على يد محسد وسار به إلى بقعة يعرفها جيدًا داخل المسجد النبوي في الجهة الشرقية قرب باب الملك عبد العزيز توقف عندها قائلا: ما هذا الذي تقوله يا محسد؟ إنما ولد أبوك في هذه البقعة، انظر في هذه الناحية من الحرم: هنا حارة الأغوات وهناك رباط ستنا ملكة الذي نزلت به وقت أن هاجرت إلى المدينة، هنا كان بيتي وبيت جدتك ... فأي شرف تريد؟ ... الرواية ص 311.


.

اقرأ ايضا:

مادة إعلانية

[x]