جيفارا عاش

16-10-2017 | 00:20

 

هذا العنوان منقول نصًا عن اسم فيلم تسجيلي جرى عرضه بعد ظهر يوم أمس الأول- السبت- بنقابة الصحفيين، بمناسبة حلول الذكرى الـ 50 على اغتيال الثائر أرنستو تشي جيفارا.


الفيلم من إبداع زملائنا في "الأهرام": محمد حربي، كاتبًا للسيناريو- مها شهبة، مخرجة - زينب عبدالرازق.. وأميرة هويدي، بحثًا وإعدادًا.

في شهر يونيو من عام 1967، تعرضت مصر لهزيمة عسكرية صادمة، وفى شهر أكتوبر من العام، نفسه، قتلت المخابرات المركزية الأمريكية المناضل الأممي تشي جيفارا بأحراش بوليفيا في أمريكا اللاتينية.

في عام 2007، ولد طفل في طنطا، واستشهد شاب في غزة، يحملان اسم جيفارا، ليقولا للعالم إن الرجل لم يمت، وربما لن يموت.

جمع فيلم "جيفارا عاش" بين مصر المهزومة عسكريًا، وأحراش بوليفيا المسكونة بالدم، وربط بين عاصمة كوبا- هافانا- ومولد السيد البدوي في طنطا، ومعهما غزة، التي تنهض كل يوم من رمادها لتصرخ بالحياة.

بدأ الفيلم بإهداء نفسه إلى حرفي "لا" وإلى كل من قالها أمس، ويقولها اليوم، وسيقولها غدًا، ومن المعنى المعكوس لأغنية الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم "جيفارا مات"، التي تم إطلاقها عقب جريمة اغتيال الثائر الأرجنتيني المولد، في عام ١٩٦٧، ليؤكد الفيلم أن جيفارا لم يمت، لأنه – ببساطة - مات ميتة رجال، ومن يمت –  هكذا - يظل روحًا أبدية الألم، كما قال الراحل أمل دنقل، في رائعته كلمات سبارتاكوس الأخيرة.

يقدم الفيلم مشاهد من الواقع العربي المعاصر تؤكد أن فكرة الرفض الثوري لا تموت بموت الثائرين؛ فالتمرد غريزة أساسية، خاصة عندما يتجاوز الظالمون المدى كما غنى عبدالوهاب محرضًا مع أنه ابن الليبرالية المصرية التي لا تعرف التمرد.

بحسب الفيلم، الثورة ربما تتوارى بعض الوقت لكنها لاتموت.

يبدأ الفيلم تقديم رموزه بقرية كمشيش المصرية، التي قدمت نموذجًا ثوريا ضد الإقطاع، جسده الراحل صلاح حسين، والذي تروي أرملته شاهنده مقلد قصته مع الإقطاع، وكذلك قصة زيارة عبدالناصر وجيفارا للقرية، في عام 1965 ولقائهما مع فلاحيها.

رصد الفيلم ما يمكن وصفه بـ" الملامح الجيفارية" في المشهد العربي، من خلال تقديم إطلالة سريعة على رموز فلسطينية، تحمل اسم جيفارا، وقدمت أعمالًا ثورية مثل: جيفارا غزة، الذي دوخ الإسرائيليين في أوائل عقد السبعينيات من القرن الماضي، واستشهد، وجيفارا صالح، في عملية استشهادية، مماثلة، ضد جنود الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين، كما أجرى الفيلم لقاء مع الإعلامية الفلسطينية جيفارا البديري، التي تحمل اسما ذكوريًا لثائر أممي.

يستعرض الفيلم ظاهرة عودة جيفارا للمشهد العربي، بتقليعات ارتداء القبعات والقمصان، التي تحمل صور جيفارا مع تقديم تحليل نفسي لها لمعرفة علاقة الجيل الجديد بفكرة البطل.

يطرح الفيلم تساؤلات مثل: ما هي الرموز العربية، التي يهتم بها الشباب؟ هل عودة جيفارا كـ"موضة" قتل ثالث له، بعد اغتياله جسدًا، وتشويه صورته بفيلم "تشي"، الذي لعب بطولته عمر الشريف، ويعلن في الفيلم ندمه عليه واعتذاره عنه، ليأتي الاغتيال الثالث بابتذال الرمز الثوري، وتحويله إلى سلعة.

يقدم الفيلم شهادات لمفكرين ومثقفين مصريين وعرب عن ظاهرة جيفارا، منهم: طارق البشري، وعبدالوهاب المسيري، وحمدين صباحي، ومنى أنيس، والقس أكرم لمعي، بالإضافة إلى الشاعر الراحل أحمد فؤاد نجم صاحب الأغنية الشهيرة جيفارا مات.

يقدم الفيلم- أيضًا- إعلان النجم السينمائي العالمي عمر الشريف من فيلم" تشى" الذي أنتجته الـ "سي آي إيه"، بحسب الشريف، عام 1969، لتشويه صورة الثائر الأممي الشهير.

يعقد الفيلم مقارنة بين تشي جيفارا، والزعيم الخالد جمال عبدالناصر، كثائرين ضد قوى الاستعمار والإمبريالية العالمية، كما يقدم إطلالة على النماذج الثورية في مصر والعالم العربي.

بقى أن أشير إلى أن احتفالية نقابة الصحفيين، حضرها النقيب، عبدالمحسن سلامة، رئيس مجلس إدارة " الأهرام" وحشد من المفكرين والإعلاميين والدبلوماسيين من دول أمريكا اللاتينية، والجمهور من محبي جيفارا، وشارك في تنظيمها صالون "الأهرام"، وجمعيتا الصداقة المصرية - الكوبية والمصرية - اللاتينية، وسفارة كوبا بالقاهرة، وجرت فعالياتها بقاعة محمد حسنين هيكل، يوم أمس الأول، وكانت تحت شعار: "جيفارا عاش.. 50 عامًا من الحلم والثورة".

ومن المفارقة، أن هذا الشعار، نفسه، جمع بين اسم الفيلم التسجيلي، "جيفار عاش"، وعرض موجزًا لقصة اللقاءات والحوارات، التي جرت بين ناصر وجيفارا، في مصر عبدالناصر، وكتبها بقلمه، الراحل الكبير محمد حسنين هيكل بعنوان: "عبدالناصر وجيفارا.. الحلم والثورة".

التقى جمال عبدالناصر لأول مرة مع تشي جيفارا في شهر يونيو عام 1959، وكان " تشي" قد جاء وقتها للقاهرة في زيارة لمدة أسبوعين لدراسة تجربة الإصلاح الزراعي في مصر.

روى "تشي" لـ"عبدالناصر" أنه عندما كان كاسترو يجابه المصاعب والنكسات - وهو يقود حرب العصابات في قمم التلال الكوبية سنة 1956- كان يستمد كثيرًا من الشجاعة من الطريقة التي تصدت بها مصر للعدوان الثلاثي "البريطاني – الفرنسي – الإسرائيلي"، وقال إن عبدالناصر كان مصدر قوة روحية وأدبية لرجاله.

عاد " تشي" إلى القاهرة في فبراير عام 1965، ومكث في المنطقة العربية حتى نهاية مارس من العام نفسه، واستقبل عبدالناصر جيفارا في اليوم الثاني من زيارته، وشعر على الفور بأن جيفارا يعاني الحزن من ضيق شخصي وكرب عميق.

حاول عبدالناصر أن يحثه على الكلام: كيف تسير الأحوال في كوبا؟ هل كل شيء على ما يرام بينه وبين كاسترو؟ لكن جيفارا ظل منطويًا على نفسه، ولم يفتح قلبه، أو "يفضفض" بالكلام عن مشكلته.

في وقت لاحق من الحوارات بين عبدالناصر وجيفارا، يروي الأستاذ هيكل: كانت خيب أمله ( جيفارا) واضحة وضوح حزنه وكربه وكان صدره مليئًا بأسئلة تفتقر إلى جواب، وقال: "إن نقطة التحول في حياة أي إنسان تحل في اللحظة التي يقرر فيها أن يواجه الموت، فإذا قرر أن يجابه الموت يكون بطلًا؛ سواء نجح أم أخفق".

تلك كانت العقيدة التي عاشها جيفارا ومات من أجلها.

kgaballa@ahram.org.eg

مقالات اخري للكاتب

هرم جديد في العاصمة الإدارية

شاءت الظروف أن أشهد بعيني، ولأول مرة، الجهد الخارق، المبذول، لإنجاز التشييد والبناء، في العاصمة الإدارية، في الثلث الأخير من شهر سبتمبر الماضي.

"البرج الأيقوني" مثل ابنى..

هل تعلم أنك سوف تدخل التاريخ، مثلما حفر اسمه - بامتياز- فرعون مصر، الملك خوفو، بانى أكبر الأهرامات، وصاحب أول عجائب الدنيا السبع؟

دولة محترمة ومسالمة

"بلد محترم ومسالم" ثلاث كلمات نابعة من القلب، وردت على لسان سفير الصين في القاهرة، لياو لي تشيانغ، في احتفال رسمي وشعبي حاشد، حضره مئات الضيوف، بمناسبة العيد السبعين لتأسيس جمهورية الصين الشعبية.

سفير اليابان في فلسطين.. شكرا

من خلال وسائل الإعلام، تابعت التغطية الإخبارية، المحدودة، لأعمال المنتدى العربى – اليابانى، الذى انعقد فى القاهرة، يوم الإثنين الماضى، بتنظيم من الجامعة العربية، ووزارة الخارجية اليابانية، واتحاد رجال الأعمال العرب، وبحضور 250 مشاركا من القطاعين العام والخاص، لدى الجانبين.

كيف أشفى من حب فلسطين؟

قائل هذه الكلمات المؤثرة جدًا هو سفير اليابان لدى فلسطين، تاكيشي أوكوبو، في انتهاء مهمة، استمرت 4 سنوات بـ رام الله، عائدًا إلى بلاده في 3 سبتمبر الحالي.

70 عاما من المعجزات

تجري الاستعدادات في بكين لإقامة عرض عسكري ضخم، بمناسبة الاحتفال بالعيد السبعين لتأسيس جمهورية الصين الشعبية، في الأول من شهر أكتوبر المقبل.