رويترز: "اليونسكو" تكابد "التسييس" ونقص الأموال في معركة من أجل البقاء

15-10-2017 | 11:37

اليونسكو

 

رويترز

في حي "ليفت بانك" ال باريس ي الراقي يقع مقر منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "يونسكو"، لكن المبنى الحديث يخبو وسط تساؤلات بعض الدبلوماسيين عن مستقبل المنظمة.

تأسست الـ"يونسكو" على أنقاض الحرب العالمية الثانية، من أجل حماية التراث الإنساني الثقافي. واختارت المنظمة يوم الجمعة وزيرة الثقافة الفرنسية السابقة، أودريه أزولاي، مديرة جديدة لها، لكن إعلان الولايات المتحدة المفاجئ الانسحاب من المنظمة، بسبب ما وصفته بالتحيز ضد إسرائيل، يعني أن المديرة الجديدة سترث منظمة مضطربة، تواجه علامات استفهام ضخمة بشأن تمويلها ومهمتها في المستقبل.

يقول دانيال روندو، سفير فرنسا السابق لدى " اليونسكو ": "أعتقد أنه قرار كارثي.. إنه صدع يعرض طبيعة اليونسكو نفسها لخطر بالغ: بُعدها العالمي ومفهوم التعددية نفسه".

وتتولى الـ"يونسكو" مسئولية تحديد مواقع التراث العالمي وحمايتها، بدءا من جزر جالاباجوس، قبالة سواحل الإكوادور على المحيط الهادئ، حتى أضرحة تمبكتو في مالي، غرب إفريقيا.

ومعظم أنشطة الـ"يونسكو" غير مثيرة للجدل، لكن عندما يتصل الأمر، على سبيل المثال، بقرارات تتعلق بكيفية إدارة المواقع الدينية في القدس، هنا تحتاج كل كلمة للتدقيق، خشية توجيه اتهامات بالتحيز.

وبالنسبة لبعض الدبلوماسيين في المنظمة، يمثل قرار انسحاب واشنطن نقطة تحول، ويضع مزيدًا من الضغوط على القيادة الجديدة للمنظمة، حيث قال دبلوماسي غربي: "هذه أهم انتخابات.. لا يمكن أن تكون هناك أربع سنوات أخرى على هذا المنوال"، وعبر عن استيائه من إدارة البلغارية، إيرينا بوكوفا، التي يقول منتقدوها إنها فشلت في إقناع الدول الأعضاء بسداد المستحقات الواجبة عليهم، ولم توقف تسييس عمل المنظمة.

وتقبع في قلب مشكلات الـ"يونسكو" أزمة تمويل منذ عام 2011، عندما أيدت المنظمة منح فلسطين عضوية كاملة، وردت واشنطن بوقف دفع حصتها السنوية، البالغة 80 مليون دولار.

وكانت الولايات المتحدة وإسرائيل ضمن 14 عضوًا اعترضوا على عضوية فلسطين، من أصل 194 عضوًا.

وتقول واشنطن إنها لا تعارض قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات يوم، لكن ذلك ينبغي أن يحدث نتيجة المفاوضات، كما تقول إن قبول عضوية الفلسطينيين في المنظمات الدولية سلفًا يضر بعملية السلام.

ومنذ ذلك الحين دأبت إسرائيل على الشكوى من القرارات المتعلقة بالمواقع الثقافية في الضفة الغربية والقدس، وتقول إن صياغة هذه القرارات تنزع الشرعية عن الدولة اليهودية.

ومع غياب الأموال الأمريكية، اضطرت الـ"يونسكو"، التي يعمل بها نحو ألفي شخص في أنحاء العالم، إلى تقليص برامجها، وتجميد التوظيف، وسد الفجوات بالإسهامات التطوعية، حيث بلغت ميزانية المنظمة لعام 2017 نحو 326 مليون دولار، أي نحو نصف ميزانيتها في 2012.

وقال مسئول بالمنظمة - طلب عدم نشر اسمه: "نحتاج إلى عمل أقل بأموال أقل.. قضينا وقتًا طويلًا في محاولة القيام بالكثير دون وسائل.. يتعين أن نسوق لأنفسنا بصورة أفضل، لكن دون تمويل سيصعب تغيير صورتنا".

وتشير أرقام منشورة على الموقع الإلكتروني للمنظمة إلى أن لديها مستحقات متأخرة قيمتها نحو 650 مليون دولار، منها نحو 542 مليونًا على الولايات المتحدة.

وفي هذه المرحلة لا يعرف مسئولو الـ"يونسكو" ما إذا كانت الولايات المتحدة ستسدد المتأخرات قبل أن تترك المنظمة رسميا في 31 ديسمبر 2018.

ولم تسدد أيضا دول مساهمة رئيسية في الـ"يونسكو"، مثل اليابان وبريطانيا والبرازيل، إلى الآن المستحقات الواجبة عليها لعام 2017، اعتراضًا في بعض الأحيان على سياسات المنظمة.

وقال دبلوماسي في المنظمة: "الحقيقة أن الـ"يونسكو" معنية في الأساس بالتضامن وإتاحة مناخ للسلام بين البلدان، لكن دولًا تستخدم الآن مستحقاتها للتأثير على البرامج، ويتعين تغيير ذلك".

على سبيل المثال هددت اليابان بحجب المستحقات بسبب إضافة "مذبحة نانجينج" في عام 1937 إلى برنامج "سجل ذاكرة العالم" بالـ"يونسكو"، ودب خلاف بين روسيا وأوكرانيا على شبه جزيرة القرم، واتهمت كييف موسكو بمحاولة إضفاء الشرعية على ضم المنطقة من خلال الـ"يونسكو".

وقال دبلوماسي ثان في الـ"يونسكو": "على من سيتولى القيادة معالجة هذا الأمر.. عليهم أن يجدوا سبلا لجعل الدول تتناول هذه القضايا بالتفصيل، لكن إذا لم يتمكنوا من ذلك فسيكون لزاما على المديرة العامة أن تملك المقدرة على قول لا، وأن تمنع هذه الأحاديث".

وعلى النقيض من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، حيث تملك الدول الخمس دائمة العضوية حق النقض (الفيتو)، تتخذ الـ"يونسكو" القرارات استنادًا إلى غالبية الأصوات، سواء عبر أمانتها العامة التي تشمل جميع الدول الأعضاء، وعددها 195 دولة، أو مجلسها التنفيذي الذي يضم 58 عضوًا، وتقول إسرائيل إن هذا يوجد أغلبية قائمة بالفعل من الدول المعادية لها.

وتقول الدول الكبرى، مثل الولايات المتحدة التي تقدم أغلب التمويل، إن أصواتها المنفردة لا تمنحها سلطة تذكر على كيفية إنفاق أموالها.

وقبل قرار الانسحاب الذي أعلنته الولايات المتحدة يوم الخميس، قال دبلوماسيون إن المجلس التنفيذي للـ"يونسكو" حاول التملص من المواجهة بالتصويت على تأجيل البت في نصوص إسرائيلية - فلسطينية مثيرة للانقسام حتى إبريل.

وقد تعهد كل المرشحين لمنصب مدير عام الـ"يونسكو" بإجراء إصلاحات جذرية، وبذل جهود فى نزع الطابع السياسي عن المنظمة، حيث قالت الفرنسية "أزولاي" للصحفيين، قبل إعلان نتيجة التصويت يوم الجمعة: "في وقت أزمة كتلك نحتاج أكثر من أي وقت مضى لتقوية ودعم وإصلاح اليونسكو لا تركها"، وأوضحت أنها ستعمل على تطوير المنظمة.

وأضافت: "أول ما سأفعله هو إعادة مصداقيتها، وإعادة إيمان أعضائها بها وفاعليتها، حتى يتسنى لها العمل".

مادة إعلانية

[x]