ثقافة وفنون

معالم الليل المجهولة في الرواية

13-10-2017 | 18:50

لوحة للفنان السلوفيني دراجيكا ميكي فورتونا

عبد المجيد محمد خلف

لليل هواجسه وقصصه التي لا تنتهي عند حد وصف شاعر، أو تغني منشد، أو وصف روائي، أو في قصة لهذا الكاتب، أو ذاك، وحين تذكر صورة الليل في أي مجال، فهذا يعني قطعاً، كما هو معروف، ليل السهر، المتعة، الفرح، لقاء الأحبة، مُلهم الشعراء والمنشدين والأرواح والأخلية للبحث عن السعادة، وفردوسها المفقود.

هذا من الجانب الإيجابي، أما من الناحية السلبية، فهو ليل الظلم، الأرق الطويل، القلق، الانتظار، الملل، القهر والعبودية حتى، وإذا ما طالعنا صورة الليل، ووقفنا عندها مطولاً، لدي أي كاتب، لن نجد إلا سرداً، وذكراً لهذه الحالات.

أما إذا حاولنا النظر إليه بعين أخرى، وبصورة أخرى، فهذا ما يدعو إلى الإبداع والتميز، والقليل من المبدعين توصلوا إلى معرفة طريق الليل وحقيقته، والقليل منهم أيضاً سلكوا طريق المعرفة تلك.

ويذكر لنا الكاتب الروائي التشيكي ميلان كونديرا (1921)، في كتابه "لقاء" -الذي هو عبارة عن دراسة في النقد الأدبي، ترجمتها إلى العربية د.إنعام إبراهيم شرف، جمع فيها آراءه وأفكاره عن الرواية والفن - صورة الليل التي تستحق التوقف عندها بشكل آخر مميز، فهو الذي يحوّل حقيقة الحياة في النهار إلى عالم آخر متميز، تتغير فيه ملامح الشخصية، وتستعيد كينونتها، وذاتها الضائعة، وتشعر بوجودها لأول مرة في الحياة، بعيدًا عن ظلم الواقع ومرارته في النهار، والسطوة التي يمارسها المتنعمون والمتمكنون في الأرض عليهم، خاصة لدى الشعوب المضطهدة، وهذه النظرة بالنسبة لأي طرف كان تتغير، ذكرًا كان أم أنثى، فالرجل المضطهد - الذي يذوق كل أنواع القهر والاستلاب، يشعر بالاكتئاب يكتنفه من كل جهة في النهار- يتحوّل سيّداً في الليل، وملكاً على كل شيء يحيط به؛ بامتلاكه قوة الوجود في ذلك الليل، وتصبح صورته في عين زوجته أجمل من نهاره المكبل بالسلاسل والقيود، فجسده متضوع بروائح وعطور الدنيا، وعريه يغني عن كل ألبسة الكون الفاخرة، وجماله وقوته تضارع قوة الأسياد المستغلّين، وخاصة في أفريقيا التي قسّمها كونديرا إلى نهار الأبيض، وليل الأسود.

وقد توقف الكاتب المغربي محمد شكري، على هذه الحالة أيضًا، وذكرها في روايته "الخبز الحافي"، التي كتبها بشكل سيرة ذاتية، حيث عبر عن استغرابه من سلوك والديه في النهار، واختلافه في الليل، ففي النهار له والد ظالم، قاتل، عديم الرحمة، قليل الصبر، كثير الفوضى، وهمجي، والعنجهية لا تفارق تصرفاته كلها، وهو مستعد بطبيعته للشر، وحياته مع زوجته -أي أم الكاتب- كلها مشاحنات، ونكد وتعاسة، وضرب دائماً، أما في الليل فيتحول كل منهما إلى كائن وديع، يلاطف أحدهما الآخر، وخاصة الأب الذي ينسى كل أحقاده، وغضبه في النهار، ليتحول كل ذلك التحول في الليل، عندما تجتاحه الرغبة في ممارسة الجنس مع زوجته.

فالليل إذاً هو الوجه الحقيقي للحياة في الرواية، والوحيد القادر على إظهار العالم الحقيقي، الذي يتواجد في الجهة الأخرى، من النهار المخادع، وهذه الصيغة التي يراها ميلان كونديرا لعالم الليل الأفريقي، التي تظهر الليل بجلاء، هي وحدها العالم، وهي وحدها التي تُحوِّل ليل البيض إلى أشباح، وتجعل العمل الشاق في النهار والذل زيفاً وخداعاً، فهناك إذاً خلف تلك الحياة التي يعيشونها حياة أخرى، لا كالتي تبدو في ظاهر الأمر، وهي التي تمنحهم فرصة في النيل والانتقام من عوالمهم الممزوج بالمآسي، إلا أن ذلك الانتقام بالنسبة لهم ليس انتقاماً من إنسان آخر، إنما انتقام فيه حب عميق، ورغبة في تأكيد وجودهم، وقدرتهم على فعل أي شيء يكون دليلاً على إحساسهم باحتضانهم العالم، ولو للحظة واحدة.

---

عبد المجيد محمد خلف

(كاتب من سوريا)

اقرأ ايضا:

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة