ثقافة وفنون

دفتر أحوال الجامعة المصرية (1).. كيف نوقف النزيف؟

6-10-2017 | 16:04

طلاب جامعيون - أرشيفية

مصطفى الضبع

في الوقت الذي تخلصت فيه الجامعات العربية من مشكلات كثيرة أعاقت تقدمها زمنا، وقطعت شوطا كبيرا في التطور، مازال الذين يحملون هم هذا الوطن يتساءلون عند الحد الأدنى من التفكير في كيفية خروج جامعاتنا من كبوتها التي لا تخفى على أحد (ينكرها المسئولون عنها بجدارة)، تتساءل الجامعات العربية من حولنا عن كيفية المنافسة عالميا، ونتساءل نحن عن كيفية إيقاف نزيف الأخلاق المهدرة بيد الإدارة أولا، والأساتذة ثانيا (يكفي الإشارة إلى الثلاثي: التحرش – سرقة الأبحاث – الضعف العلمي) .


لا تكاد تنجو جامعة مصرية من واقعة سطو مسلح على أبحاث علمية بما فيها جامعة القاهرة نفسها بوصفها الجامعة الأعرق التي كانت يوما حلم الباحثين والدارسين العرب (منذ شهور حكم القضاء في واقعة من أكبر السرقات العلمية التي دارت أحداثها في جامعة القاهرة)، تتوالى السلسلة فارضة نفسها على مسرح الأحداث (سنعود إلى ذلك الملف الأخطر بالتفصيل والتوثيق).

مشكلات الجامعة المصرية ليست من خارجها تماما، صحيح إننا جميعا أبناء المجتمع خارج الجامعة، وليس الجامعيون كائنات قادمة من كوكب آخر ولكن على طريقة الشاعر: اِلبَس لِكُلُّ حالَةٍ لَبوسَها، إِمّا نَعيمَها وَإِمّا بُؤسَها" فما نكون عليه من أوضاع في بيوتنا أو في جلسات الأصدقاء ليست هي نفسها التي نكون عليها ونحن نمارس العملية التعليمية .

تفرض المقارنة نفسها بين أوضاع سابقة وأوضاع لاحقة، بين جامعاتنا وجامعات العالم أو جامعات إقليمية سبقتنا بمراحل في الوقت الذي نصر فيه على أننا في المقدمة، ولأننا نضع أنفسنا في المقدمة الزائفة لا نكلف أنفسنا جهد النظر حولنا أو وراءنا أو في أنفسنا وفيما نحن عليه من أوضاع لم يعد هناك قدرة على احتمالها .

علاقتي بالجامعة تمتد على مدار واحد وثلاثين عاما عبر تجربة جامعية تعاملت فيها مع خمسين (50 ) جامعة تعاملا مباشرا أتاح لي فرصة الاطلاع على لوائحها وقوانين عملها وطرائق تطبيقها أسس البحث العلمي، وكيفية معالجتها مشكلاتها، ومساحات التطور في عملها ، فقد درست في جامعتين(أسيوط فرع سوهاج ، جامعة سوهاج الآن –عين شمس)، وعملت في ثلاث جامعات: الفيوم- الجامعة الأمريكية – الإمام عبد الرحمن بن فيصل (الدمام سابقا) ، وشاركت في الإشراف أو تحكيم رسائل الماجستير والدكتوراه في إحدى عشرة جامعة (ست جامعات مصرية – ثلاث جامعات عربية – ثلاث جامعات ماليزية- جامعة في سلطنة بروناي)، وشاركت في تحكيم أبحاث للترقية في إحدى وعشرين جامعة مصرية وعربية وعالمية.

التجربة تفرض نفسها مما يجعلها أمانة واجبة التبليغ، يكون من الظلم أن أستأثر بها في زمن يعاني فيه كل من يتماس مع جامعاتنا صنوفا من المعاناة، جامعاتنا التي تدفع من يقاربها لنتيجة لا جدال فيها: الطالب المصري مظلوم ظلما بينا، لأنه الخاسر الأول قبل الوطن الذي بتوالى السنين تزداد مشكلاته وتتسع الفجوة بين أجياله.

في مصر ثلاث وستون (63) مؤسسة للتعليم العالي:

- سبع وعشرون (27) جامعة حكومية.
- أربع (4) جامعات أهلية غير ربحية.
- عشرون (20) جامعة خاصة مملوكة للقطاع الخاص.
- اثنتا عشرة (12) أكاديمية.
وجميعها موزعة على محافظات مصر باستثناء خمس محافظات (الوادي الجديد – البحر الأحمر – جنوب سيناء – الأقصر) تضم فروعا لبعض هذه الجامعات، يضاف إلى ذلك ثلاث (3) جامعات مصرية خارج البلاد، وخمسة (5) فروع لجامعات مصرية خارج البلاد.

كل ذلك يعني أننا نملك قوة ضاربة من الجامعات، قوة من المنطقي أن تحقق مستوى أعلى يلعب فيها العدد المتنامي دوره المؤثر في المنافسة مما يعني تحقق الصالح العام سواء أكانت المنافسة بين الجامعات الحكومية فيما بينها أو الجامعات الحكومية والخاصة وهكذا، وجميعها منافسة تصب في صالح العملية التعليمية.

العدد مناسب بلغة الإحصاء (على الأقل مادامت هذه الجامعات تغطي محافظات مصر وليس العدد مسوغا لوجود جامعتين في محافظة واحدة، والقاهرة لا يقاس عليها بالطبع)، ولكنه ليس مناسبا بلغة الجودة أولا، وبلغة التنافس العالمي ثانيا، فالجامعات في تراجع واضح لمستواها، تراجع نعرف جميعا أسبابه، نعرفها ولكن لا نعترف بها (المعرفة نوع من الصمت نحبذه والاعتراف إقرار بمسؤولية نهرب منها) وكأن الأمر لا يعني أحدا ولا يشغل بال أحد، تتوالى الوزارات ويتبدل رؤساء الجامعات وعمداء الكليات ويبقى الحال على ماهو عليه ، حال يدرك الجميع سوءه ، وأوضاع لا تخطئ عين رجل الشارع العادي ترديها ، وهو ما يتطلب الوقوف على أحوال الجامعة وأسباب ما آلت إليه ، وما ترتب على هذا كله من سلبيات تظهر آثارها في كل مناحي الحياة ، ليس على المستوى الاجتماعي في عمومه وإنما على المستوى الاجتماعي في خصوصه ، فالوعي الإنساني الذي قصرت الجامعة في بثه وغرسه في نفوس الأجيال أثمر آباء وأمهات يفتقدون للوعي بالحياة الأسرية والتربوية ، وليست أحوال الجامعة وأوضاعها ببعيدة عن ممارسات اجتماعية خاطئة نعانيها جميعا .

قديما كان الجامعي (مجرد خريج الجامعة) قيمة اجتماعية، وكان رمزا للطبقة الواعية المتزنة الممتلكة ثقافتها المتميزة والمدركة ممكنات التحضر وتطبيقات العلم ، ويوم أن كان في مصر خمس جامعات أو أقل كان مستوى الخريج أفضل بكثير مما هو عليه الآن ربما يبدو هذا منطقيا من أحد وجوهه ،فمن الطبيعي أن تمر البرامج والمخرجات بمراحل ضعف أو تستجد أسباب أو ظروف مختلفة (سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية ) تكون بمثابة معوقات استمرار الثوابت ، ولكن غير المنطقي أن يلتزم الجميع الصمت وتقف الجامعة ملتزمة شعار كل شيء على مايرام وكأن الأمر لا يعني أحدا ، وانتقلت أخبار الجامعة إلى صفحات الحوادث ولم يعد هناك فارق ثقافي بين الجامعي وغير الجامعي .

ستكون الصفحات التالية بمثابة الحوار حول قضية أغفلها القائمون عليها (ضعفا أو تعمدا ) واكتفى الكثيرون بتسديد صرخات لا صدى لها عند من تكلف بالأمر.

اقرأ ايضا:

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة