كازو إيشيجورو الحاصل على جائزة نوبل.. أصبح كاتبًا حتى لا ينسى اليابان

5-10-2017 | 21:51

الكاتب البريطاني كازو إيشيجورو

 

محمد فايز جاد

هوية مزدوجة امتلكها الروائي البريطاني الياباني كازو إيشيجورو (62 عامًا)، منحت كتاباته طابعًا مميزًا،  مما أكسب أدبه شعبية كبيرة بين القراء ذوي الثقافات المختلفة.

في عام 1954 بمدينة ناجازكي – التي تركتها الحرب العالمية محطمة بخاصة بعد حادثة القصف النووي الذي تعرضت له مع مدينة هيروشيما- ولد إيشيجورو، الذي لم يبق في مسقط رأسه سوى 6 سنوات، ليرحل بعدها مع والديه إلى بريطانيا، حيث يعيش هناك حتى الآن، ولكن تخبرنا رواياته أن إيشيجورو لم ينس موطنه الأصلي، أو لعله كتب حتى لا ينساه.

"اكتب يا هيبا... فمن لا يكتب لا يموت". هذه الجملة التي تأتي ضمن حوار بين شخصيتي عزازيل وهيبا في رواية "عزازيل" للكاتب المصري د.يوسف زيدان وصارت متداولة بشكل كبير بين أوساط القراء، يبدو أن إيشيجورو ما كان ليقتنع بها؛ فالروائي البريطاني من أصول يابانية كتب روايته الأولى "منظر شاحب من التلال" (1982) حتى لا ينسى اليابان، بعد أن "تولاني إحساسٌ بالذعر، وودت أن أحافظ على نسختي من اليابان آمنةً، أن أصونها أدبيًا".

ويرى الراحل الدكتور طلعت الشايب، أحد أهم مترجمي أدب إيشيجورو للعربية، أن "الخلفية الثقافية الفريدة للكاتب خلقت لديه حساسية خاصة، جعلته يتأمل الحياة العريضة وأفكار الناس من حوله".

تدور أحداث روايته الأولى حول أم يابانية وابنتها، تعيشان في انجلترا. وبدلًا من أن تتمكن الأم من التعافي من أثر صدمتها بوفاة إحدى ابنتيها، تجد نفسها تعود بالذاكرة زمنيًا ومكانيًا إلى اليابان، حيث تستعيد الأم ذاكرة المدينة المحطمة، والممزقة بفعل الاعتداء النووي.

هذا الإحساس بضرورة الإبقاء على الذاكرة، التي تمثل الهوية في نظر العديد من علماء الاجتماع، والتي يمثل ضياعها ضياع هذه الهوية وذوبانها إلى غير رجعة، هذا الإحساس يستمر في أعمال كازو التالية، وهو ما يدفع الأكاديمية السويدية، في السيرة الذاتية لإيشيجورو التي نشرتها عبر الموقع الرسمي للجائزة، ترى أنه موضوعات أعماله تتمحور حول: "الوقت، الذاكرة، وخداع الذات"، وهو أيضًا ما سنراه، بعد هذه الرواية بأعوام، وتحديدًا في "العملاق المدفون" (2015) على لسان إحدى الشخصيات التي تقول: " إن أصبحنا دون ذاكرة، فلن يبقى لدينا غير ضمور ذكرياتنا، والموت".

بعدها بأربع سنوات (1986) يعود إيشيجورو إلى اليابان مرة أخرى، من خلال روايته "فنان من العالم الطليق"، ولكنه هذه المرة لا يتوقف عند ما بعد الكارثة (كارثة الحرب العالمية الثانية ونتائجها) إنما يعود إلى ما تسبب فيها. ماسوجي أونو، بطل الرواية، هو فنان بوهيمي، عمل في خدمة الدعاية السياسية للإمبريالية، وراح يدفع في اتجاه تأجيج الحرب ودعم النزعة الاستعمارية التي سيطرت على هتلر في ألمانيا، موسوليني في إيطاليا، ولم يسلم منها الإمبراطور الياباني.

يجد أونو نفسه في مواجهة ما صنعت يداه، بعد أن انتهت دعايته بهزيمة منكرة، وبلد يحتاج لسنوات طويلة لإعادة الإعمار، وشعب محطم قد يحتاج مدة أطول لإعادة إعمار ذاته المهانة. يطرح أوشيجورو أسئلة حول ما دفع باليابان إلى هذه الكارثة من خلال أونو الذي يعيش محاصرًا بالاتهامات، متهمًا دائمًا بأنه تسبب في تدمير اليابان.

يعرف نجم نوبل الجديد، أكثر ما يعرف، بالنسبة للقراء بالعربية بروايته "بقايا النهار" (1989) حيث يواصل إيشيجورو عمله مع الذاكرة أيضًا، من خلال ستيفنس، الذي بعد أعوام طويلة قضاها في خدمة اللورد دارلنجتون، الذي عاش حياته كلها فخورًا بأنه خدمه كرجل عظيم، ولكنه – في لحظة يقرر أن يخوض رحلة إلى الريف الغربي، لتتغير رؤيته تمامًا.

ومرة أخرى تبدو الرحلة مزدوجة في هذه الرواية، رحلة زمكانية، لا ينتقل فيها ستيفنس فقط من بقعة في المدينة إلى أخرى، وإنما يدخل إلى لعبة الذاكرة، لينتقل إلى ماضي، ويستعرض تاريخ إنجلترا خلال الأعوام التي عاشها، وما شهدته إنجلترا خلالها، ليفاجئ نفسه في النهاية بأن اللورد العظيم لم يكن عظيمًا، وإنما "مجرد عسكري شطرنج في يد النازي" كما يقول الشايب.

تشبه رحلة ستيفنس شيئًا ما رحلة أونو في "فنان في العالم الطليق" الذي يضع مما ظنه مبادئ سامية موضع مساءلة، في تجسيد لما وصفته بيوجرافيا الأكاديمية السويدية بأنه "تيمة خداع الذات"، وهو أيضًا ما أشارت له الأكاديمية في تعريفها بإيشيجورو لدى إعلان فوزه بالجائزة بأنه "كشف الهاوية الكامنة تحت إحساسنا الوهمي بالتواصل مع العالم".

بعد روايته "لا تدعني أرحل" توقف إيشيجورو عن الكتابة لمدة عشرة أعوام، ليعود في 2015 بروايته "العملاق المدفون" التي أثارت ضجة كبيرة بعد نشرها؛ لأنها أول عمل له بعد توقف امتد لعقد من الزمان من جهة، ولأنها اتخذت أجواءً مثيرة وغرائبية من جهة أخرى.

الرواية التي يعود فيها إيشيجورو إلى عصر الملك آرثر، تتخذ جوًا فانتازيًا يعيش فيه مسيحيون ووثنيون إلى جانب كائنات خرافية كالغيلان والتنانين. "العملاق المدفون" ارتكزت كذلك، شأنها شأن بقية رواياته، على مفهوم الذاكرة والهوية الوطنية، والحرب وآثارها التي تتركها على البشر.

اقرأ ايضا:

الأكثر قراءة