الرياضة مُعترك.. أم معارك!!

6-10-2017 | 00:01

 

الأقوي الأسرع الأعلى! هذه هي مبادئ الألعاب الرياضية في العالم، ونقطة الانطلاق الفعلية للألعاب الأولمبية القديمة المرتبطة بالأساطير الدينية الإغريقية؛ أقامها لأول مرة حاكم أثينا المتوفى عام 527 ق. م. في مدينة أولمبيا (وإليها تنتسب الألعاب الأولمبية ) في اليونان القديمة.


وكانت المبادئ صريحة في أهدافها السامية التي تقدس الإنسان في أعلى درجات الصفاء الروحي؛ وغرس بذور المحبة والتآلف بين الشعوب، فاتخذت من أجل ذلك شعار الحلقات الخمس المتداخلة: زرقاء، صفراء، سوداء، خضراء، حمراء؛ وتمثل القارات الخمس بألوانها المتعددة رمزًا لتلاحم الشعوب في بوتقةٍ واحدة؛ بغض النظر عن اللون والجنس والعقيدة والتوجه السياسي.

ولسنا بصدد استعراض منشأ هذه الألعاب في أثينا القديمة أو في بلدان العالم كافة، فكلنا يعلم عنها الكثير؛ لكن المراد إلقاء الضوء على المبادئ الرائعة التي اعتنقتها ونشرتها، إشارة إلى تأجيج روح المنافسة بين المتبارين فيها، فلم تدعُ هذه المبادئ إلى الأقوى بالعضلات للبطش بالضعفاء؛ أو الأسرع في التنابذ بالنقائص والرد الهمجي غير الملتزم بالقواعد الأخلاقية على المنافسين؛ أو الأعلى جاهًا ومالاً وولدًا! ولكنها أشارت إلى الأقوى في الصحة الجسمانية الصانعة ل كمال العقول ، والأسرع في نبذ الأحقاد والكراهية؛ والأعلى في سمو الأخلاق والترفع عن الصغائر.

فالرياضة هي المنافسة الشريفة في مختلف اللعبات على البُسط الخضراء والحمراء؛ أو حلبات المصارعة والملاكمة؛ أو في مضمار السباقات بأنواعها؛ بما فيها الفروسية التي تبني الفرسان بأخلاقهم التي يتغنى بها الأدباء والشعراء في كل حين.

لهذا يطلقون عليها في لغتنا العربية مسمَّى" المعترك الرياضي"، وهو ما تفخر به اللغة في اللفظ والدلالة! فالمعترك هو الصراع فِي مُعْتَرَكِ الْحَيَاةِ مع خِضَمِّ أحداثها، ونجاح الإنسان فيما طمح إليه من مركز اجتماعي بين بني جلدته، وفي الرياضة تكون "الحلبة" هي ساحة "المعترك" بين المتنافسين الشرفاء؛ لإظهار الأقوى والأسرع والأعلى؛ لا ساحة "المعارك" والاقتتال بالسلاح حتى الموت؛ فالبون شاسع بينهما.

وكانت المدن اليونانية ـ آنذاك ـ تتنازع فيما بينها بشكل يصل إلى إعلان الحرب.

فقام ملوك ثلاثة مدن على رأسها ملك إسبرطة فاقترح إقامة ألعاب رياضية بين أفراد هذه المقاطعات لوقت محدد، يتوقف خلاله النزاع بينها؛ وبذلك تكون الألعاب التي أصبحت فيما بعد الألعاب الأولمبية قد حققت أهدافًا إنسانية سليمة وتقدمًا مهمًا على طريق السلام بين الشعوب؛ وهذه هي الغاية والهدف لإقامة هذا المعترك الشريف.

والآن؛ نسمع ونشاهد على الساحة الرياضية المصرية ـ حدِّث ولا حرج ـ المعارك الطاحنة التي يتم فيها تبادل الألفاظ والأفعال التي يندى لها الجبين، دونما خجل أو مراعاة للأجيال التي تسمع وتشاهد وتقلد؛ ما لم تسمعه أو تشاهده في قيعان الحواري الخلفية، وليس على شاشات التليفزيون أو صفحات التواصل الاجتماعي.

وفي الأغلب الأعم تكون الخلافات التي ينجم عنها هذه الهرتلات؛ هي عدم رضا طرف من الأطراف عن احتساب خطأ هنا أو هناك.. برغم التسليم بالرضا عن الأشخاص الذين يقومون بالتحكيم بين هذه الأطراف! وبعدها تندلع الاتهامات بالرشوة والتحيز، ونسي الجميع أن من يقومون بالتحكيم هم بشر يصيبون ويخطئون.. وأن الأخطاء واردة في كل المجالات ـ ويومٌ لك ويومٌ عليك ـ وإنها ليست نهاية العالم، فالرياضة.. هي تريٌّض الفكر والارتقاء بالمفاهيم الأخلاقية؛ ولا وجود للصراعات الواهية أو تخطِّي الخطوط الحمراء ، والالتزام بعلاقات المحبة والاحترام بنكهة التنافس الشريف.

ولكن ما حيلتنا.. وهناك دائمًا "بعض" القائمين على برامج الإعلام الرياضي في القنوات العامة والخاصة؛ ممن يتصيدون تلك العبارات المتبادلة بين الأطراف المتنازعة؛ ليقوموا بنفخ "الكير" في مستصغر الشرر، بهدف رفع نسبة من المشاهدة وعوائدها المالية؛ دون النظر إلى الأحوال المجتمعية السائدة، فلم تعِ هذه البرامج الهدف الأسمى من ممارسة الرياضة؛ والحفاظ على وحدة وصلابة الشباب العمود الفقري للرياضة؛ فهم السفراء رافعو أعلام وطننا في المحافل الدولية كافة.

ويجب أن يعلم الجميع أن تلك البرامج ليست فرصة للعزف على الأوتار الحساسة في المجتمع؛ أو مجالاً لتصفية الحسابات الشخصية؛ أو المنافسة على حقوق البث والأرباح، ويأتي ذلك على حساب المصلحة العامة للوطن.

إننا لا نطلب المستحيل من الإعلاميين القائمين على هذه البرامج؛ ولكن فقط نطلب الإيمان والقناعة برسالة الرياضة والرياضيين في وطننا؛ الذي قدم للعالم أعظم ما أنتجته البشرية من الرجال والنساء على مدار التاريخ.

وأعود في نهاية دعوتي هذه؛ إلى أن أذكِّر هؤلاء أن الملكة "حتشبسوت" كانت أول" عـدَّاءَة " في التاريخ، فلم يكن" العَدْو" يقتصر على الفرعون الرجل فقط؛ بل امتد إلى الفرعون (المرأة)، وهو ما تحتفظ به الآثار والنقوش في الأثر الخالد للملكة التي أبهرت العالم، فنجد في معبد الكرنك أثرين للملكة المبهرة بأناقة وقوة ورشاقة وهي تؤدي أشواط العدو في الأول بعد بضع سنوات من توليها العرش؛ وفي الأخرى تعدو بمناسبة مرور ثلاثين عامًا على تتويجها ملكة لحاضرة الدنيا وباعثة الحضارة المصرية.

ونحن في انتظار انتصاراتنا في "المعترك الرياضي" الشريف؛ لا "المعارك المسلحة" التي تعود بنا إلى عصور التخلف والجهل بالمبادئ الإنسانية الراقية والشريفة.

مقالات اخري للكاتب

ثورة الفـن .. وثورة يونيو!

أكتب إليكم كلماتي .. مع رشفاتٍ هانئة من فنجان قهوتي المُفعمة بطعم الهيل؛ وأنا بحجرة مكتبي وحولي صحبتي وأصدقائي الأعزاء من أمهات الكتب التي صنعت الوجدان المصري وقوته الناعمة.

شدة الغربال .. ويقظة النخوة الإنسانية؟!

يبدو أن بعض الكلمات المأثورة المتداولة على لسان الشعب المصري وصارت في حكم "الأمثال" المُعتمدة من الذائقة الوجدانية الشعبية؛ يكاد أن يكون لها ظل مؤكد من

..وتبقى مصر عصية .. على بقايا ورثة الخلافة العثمانية

..وتبقى مصر عصية .. على بقايا ورثة الخلافة العثمانية

تسونامي كورونا.. شكرًا!

يجب أن نعترف أننا لم نعطِ اهتمامًا واجبًا وكافيًا لصرخة الأديب الروائي الكبير/يحيى حقي؛ في روايته التي تُعد بمثابة النبوءة والمعجزة في الحياة الأدبية الثقافية

الإعلام .. رسالة والتزام!

أعتقد اعتقادًا راسخًا - وبقناعة تامة - أن المجتمع المصري في المرحلة الحالية - وبخاصة في ظل اجتياح فيروس "كورونا" - أصبح في أشد الحاجة إلى الكوادر المؤمنة

عن الدراما .. والمسئولية الوطنية!

أغلب الظن أن الفنانين من صناع الدراما في التليفزيون المصري؛ سيتوقفون طويلا - بالنقد والتحليل - أمام تداعيات رجع الصدى في الإحساس الجمعي المصري والعربي؛

دماء الشهداء .. والحُزن النبيل!

بادئ ذي بدء.. أنا لست من دُعاة التجهُّم والحُزن وارتداء قناع الكآبة؛ للإعلان عما يعتمل في أعماقي من مشاعر تجاه حادث (ما) جلل؛ يقع على ساحة الشارع المصري

رمضان (الكريم) .. والتنمر!

في مقولة شهيرة للعارفين ببواطن أمور وأسرار العقلية العربية بشكلٍ عام، والمصرية بشكلٍ خاص إن "الجواب يقرأ من عنوانه"؛ أي أنه ينبئ عن المحتوى قبل فض المظروف!

البالطو الأبيض .. وتأثير الأغنية في الوجدان الشعبي

اعتاد الشعب المصري والعربي في كل العصور؛ أن يلجأ بوجدانه التلقائي إلى ترجمة انفعالاته ومشاعره في الأحداث التي تمر به من تقلبات الحياة اليومية الاجتماعية

ماذا جرى لكم .. يامصريين؟!

رجاءً من القلب.. ألا تقطِّبوا جبينكم دهشةً واستنكارًا لما حدث في مسألة الاعتراض على دفن الطبيبة المتوفاة بـ "فيروس كورونا" بإحدى القرى في محافظة الدقهلية

الضمير الوطني.. الغائب!

قال "فلان" عن "علان": إنه قليل الأدب! وبرغم أن تلك العبارة لا تشكل ما يسمَّي ـ في منطق السلك القضائي ـ بالسب أو القذف، إلا أن "ترتان" انفعل انفعالاً شديدًا،

جهود الدولة المصرية .. وكتائب الشر!

لا نستطيع على الإطلاق أن ننفصل عن الواقع المصري الذي نعيشه في المرحلة الآنية؛ ولا نملك تجاهه إلا الرصد الصادق ـ والمُحايد ـ لحراك وتفاعلات المجتمع تحت

مادة إعلانية

[x]