بطل الممر.. النقيب السيد درويش وجه من وجوه الصاعقة

6-10-2017 | 12:23

الصاعقة المصرية

 

مها سالم

ولد في إحدى أيام الصيف، نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث خرج إلى الحياة في مايو 1945 بمدينة الإسكندرية، التي طالما كانت الصخرة الصلبة التي تحطم عليها المعتدين الغادرين على مصر .

 

وهكذا اجتمع صراخ بطلنا ( السيد درويش السيد) مع أزيز طائرات الألمان التي كانت تغير على الإسكندرية، ومضت الأيام إلى أن وقع العدوان الثلاثي على مصر في خريف عام 1956، وعاش الطفل المؤامرة التي حاكتها إسرائيل وساندتها كلا من فرنسا وإنجلترا لاحتلال جزء من أرضنا الحبيبة، وبذلك فقد وجد أن المتنفس الوحيد له هو الاستمرار في دراسته حتى يلتحق بالكلية الحربية، ومرت الأيام بما فيها ألم لما يحدث وظل على إصراره إلى أن تحقق الحلم الذي طالما راوده منذ الطفولة وانضم البطل للكلية الحربية.

درس فنون القتال وتلقى أساليب الانضباط العسكري وطرق القيادة الواعية ورغم قسوة الحياة العسكرية، إلا أنها كانت سبيله لتحقيق هدفه، فقد كان من خيرة شباب الكلية في ذلك الوقت فكانت له مكانة مميزة سواء بين الطلبة أو أساتذة الكلية، واستمر بهذه الكيفية إلى أن تخرج من الكلية الحربية في شهر يوليو عام 1969، حيث كان من أوائل الدفعة، وسرعان ما قدم طلب التماس يطلب فيه الانضمام إلى قوات الصاعقة أملا في أن يكون واحدا من بين رجالها الأبطال الذي سمع عن أمجادهم و بطولاتهم في مواجهة العدو الغادر منذ عام 1967.

 

وبالفعل صدق على طلبه و انضم إلى قوات الصاعقة، وحصل على فرقة معلمي الصاعقة بدرجة ممتاز وتم ترشيحه معلما بمدرسة الصاعقة، ولكن لم يجد بها طموحه وأمانيه فى سبيل النيل من الأعداء، ولكنه لم يستكن، ففي إحدى لقاءات قائد قوات الصاعقة عقب الانتهاء من أداء بيان عملي لإحدى مهارات رجل الصاعقة، طلب منه الانضمام إلى إحدى الوحدات بالجبهة أسوة بزملاء له، وفى هذه اللحظة لم يسع قائد قوات الصاعقة، إلا أن يلبى رغبته وأصدر أوامره بأن يلتحق فعلا بإحدى الكتائب على خط المواجهة مع العدو على القنال في منطقة( التينة)، وهناك سرعان ما ألف الرجال البطل حيث كان منهم من تعلم على يديه وعرف عنه الكثير من خصاله الحميدة وسرعان ما ظهرت أخلاقيات البطل وأصالته من خلال تصرفاته السليمة، حيث ظهر ذلك في إصراره على تنفيذ أخطر المهام و أصعبها، فنال بذلك حب جنوده وإعجاب القادة خلال فترة قصيرة.

وفى مطلع عام 1971 اختير البطل قائدا لإحدى الوحدات الفرعية الجديدة التي شكلت خصيصا للعمل ضد الأهداف الهامة في عمق دفاعات العدو، إلى أن جاء شهر يوليو من عام 1973، حيث كان المشير أحمد إسماعيل في زيارة لوحدات الصاعقة، وكان ضمن برنامج الزيارة بيان عملي يقوم به البطل ورجاله وما كاد ينتهي البطل من بيانه حتى تقدم منه المشير مصافحًا ومشجعًا ومحييًا له هو رجاله لما ظهر منهم من كفاءة متتالية عالية، وهكذا أصبحت وحدة البطل تعج بالحيوية و المهارة بما أولاهم من عناية و تدريب ومران .

ومرت الأيام وتم تكلف البطل ورجال وحدته بمهمة الأبرار جوا في مضيق وأدى سدر وتنظيم عدة كمائن على محاور اقتراب العدو لعرقلة تقدم احتياطياته المدرعة لمنعها من التدخل في معركة رؤوس الكباري لتشكيلات الجيش الثالث الميدانى باستخدام ثمانية عشر طائرة هليكوبتر.

وفى الخامس من أكتوبر تحركت الوحدة إلى منطقة الانتظار للتحميل، وصلت الطائرات وتحرك الرجال وعبرت الطائرات خليج السويس، ثم بدأت تطير فوق أرض سيناء وتدخلت الطائرات المقاتلة للعدو وضد طائرات الهليكوبتر، مما تسبب في إصابة بعض طائراتنا وحوالي ثلث قوة الوحدة من الأفراد والمعدات ومنهم قيادة الوحدة وبالرغم من الخسائر الجسيمة التي منيت بها الوحدة أثناء عملية الأبرار فقد صمم الرجال الاستمرار و تنفيذ مهامهم وتم إبرار باقي الأفراد في عدة مناطق متفرقة تبعد عن المنطقة المحددة لعملية الأبرار بحوالي 15-20 كم، وبوصول الوحدة إلى أماكنها، وجد (السيد درويش السيد) أنه أصبح أقدم ضابطًا في الوحدة بعد استشهاد القائد ومساعده، وعلى الفور تولى البطل القيادة ملتزما بمبدأ إذا سقط رجل قام أخر وبخبرته وجد البطل أن منطقة الأبرار المحددة أصبحت معروفة للعدو حيث كانت طائراته لا تزال تحلق فوقه، وبالفعل لم تمض سوى دقائق حتى كانت المنطقة تقصف بعدد كبير من طائرات العدو بوابل من القنابل، وسار الرجال بعد ذلك ما يقرب من عشرين كم سيرا على الأقدام في أرض صلبة وعرة و لكن بالصبر وعزيمة الأبطال التي لا تعرف اليأس تم عمل كمائن طبقا لما هو مقرر لها.

وفى يوم الحادي عشر من أكتوبر عام 1973 أبلغت نقطة الإنذار البطل بظهور طلائع من مدرعات العدو في اتجاه المضيق بقوة تقدر بحوالي لواء مدرع، وترك البطل معظم لواء العدو المدرع يتورط داخل الممر ثم اصدر أوامره بفتح النيران فانهالت الكمائن بمقذوفاتها ونيرانها تدمر دبابات العدو،وتحول الممر إلى جحيم و تورط العدو نتيجة لمفاجأته وحاول العدو الخروج منها ولكن دون جدوى فقد حاول بعض أفراده تسلق الجبل ولكن تم اصطيادهم .

وعندما وجد العدو أن جميع مركباته ودباباته الواقعة في منطقة عمل الكمائن سيقضى عليها نهائيا، فأيقن أنه يدفع بقية قواته في اتجاه الممر سوف يقضى عليها لا محالة، وبذلك انسحب يجر أذيال الخزي والعار تاركا خلفه  13 دبابة و6عربات نصف جنزير وعربتين خفيفتين وحاملا معه خسائره الضخمة من قتلاه و جرحاهز

فاغتنم البطل التعيينات والمياه من مركبات العدو التي تركها في منطقة الكمائن كما حصل على بعض الخرائط للمنطقة عليها خططه المستقبلية.

وبعد انسحاب قوات العدو قام البطل بإعادة تنظيم المجموعات وإعادة تحديد المهام لعلمه أن العدو سيعاود الكرة مرة أخرى وفعلا ظهرت في الجو طائرات هليكوبتر للعدو ظلت تحلق فوق أماكن المجموعات ظهرت طائرات الفانتوم واستمرت تقصف المنطقة بطريقة هستيرية فى محاولة للقضاء على أفراد الوحدة ولجودة إخفاء وتمويه الرجال لمواقعهم و مستوى تدريبهم العالي كانت الخسائر لا تذكر رغم أنها استمرت 6 ساعات..

بعد ذلك أبلغته القيادة لا سلكيا بعد انتهاء المعركة بالاستمرار في تنفيذ مهمته وعدم الارتداد لحين صدور أوامر أخرى، وبالفعل تقبل البطل وأفراده الأمر برضاء تام وعمل البطل على رفع معنوياتهم رغم انه لم ينته من المياه والتعيينات سوى كمية محدودة، وبالفعل ظلت القوة رابطة كالأسود ضد محاولات العدو لدخول هذا الممر.

وفى العشرين من أكتوبر وصل إليهم مندوب من القيادة يحمل رسالة مضمونها أن تقوم الوحدة بالتسلل حتى الوصول إلى منطقة عيون موسى، وبالاستعانة بإحدى خرائط العدو التى استولى عليها البطل سابقا، فتمكن البطل من تحديد مواقع العدو، وعين الطريق الذي تسلكه وحدته، متجنبا الاصطدام بالعدو إذا أصبحت الذخيرة المتبقية معه لا تكفى للتعامل معه، وهكذا تمكن البطل من قيادة وحدته والتسلل بها سيرًا على الإقدام ليلاً  بين مواقع العدو في اتجاه قواتنا لمسافة حوالى80 كم،على مدى ليليتين، وتم الاتصال بالقوات في عيون موسى، فكان لدراسة البطل لوثائق العدو التي حصل عليها عظيم الأثر فى اختيار طريق العودة وانتخاب انسب التوقيتات للتحرك حتى يتلافى اصطدامه بالعدو مما أدى إلى وصوله برجاله بسلام، فقد كان لإصرار ضباط وصف وجنود الوحدة وبما بذلوه من جهد و معاناة، وبما اتصف به هؤلاء الأبطال من تصميم وعناد وتعاون وعزم وكياسة،  كان لها كبير الأثر في تحقيق أهدافهم القتالية والاحتفاظ بروحهم المعنوية والتى كان مقدرا لها مدة يومين في تعطيل المضيق ومنع وصول العدو لمدة 16 يومًا.

إنهم رجال الصاعقة رجال التضحية والفداء وبطولة رجال يطلبون الشهادة من اجل وطنهم ويتمنوا الحياة له فتحيا مصر حرة كريمة..

مادة إعلانية

[x]