لغة "العربيزي"!

5-10-2017 | 00:23

 

لكل جيل من الشباب ثقافته ولغته، ففي الوقت الذي سادت فيه " ثقافة الفهلوة " بين جيل الثمانينيات، والتي جاءت آنذاك مصحوبة بمجموعة من المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية، في مرحلة الانفتاح الاقتصادي ، التي بدأت في مصر في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي، حيث ارتبطت " ثقافة الفهلوة "، فيمن يستطيع أن "يكسب من الهوا" ..


وسادت في هذه المرحلة هوجة "أفلام المقاولات"، والتي كانت تبرر ثقافة الفهلوة ، وتراجعت معها مقولة "بلد شهادات"، وصار معها أي عاطل يدعي أنه "رجل أعمال" يجني ثروة بالفهلوة، حتى من دون أن ينال حظه من التعليم!!

ويعود السبب وراء تفشي مثل هذه الألفاظ والكلمات على لسان العديد من الشباب إلى الأفلام والأعمال الفنية التي أصبحت محل اقتباس وتقليد من المشاهدين، خاصة الشباب، وكانت البداية مع مسرحية "مدرسة المشاغبين"، ثم أفلام "اللمبي، وعوكل"، وصولا إلى الدراما العربية وما تقدمه من ألفاظ شاذة، وكذلك لغة إعلانات الفضائيات من عينة ( مش هتقدر تغمض عينيك - أيوه كده يا وديع )!

ومع انتشار الإنترنت، ظهرت "لغة موازية" يستخدمها الشباب، أطلق عليها البعض " لغة العربيزي "، وهي كتابة العربية بحروف إنجليزية، مما يصيب لغة القرآن الكريم في مقتل، حيث تحولت حروفها إلي رموز وأرقام وباتت الحاء "7" والهمزة "2" والعين "3" وكلمة حوار تكتب "war7" وكلمة سعاد تكتب "so3ad" وكلمة you تكتب "u".. إلخ، وتسربت اللغة من الأفواه إلى "يافطات" كثير من المحال التجارية!

وهناك من يطوع الألفاظ الأجنبية للصياغة العربية مع احتفاظها بحروفها المعبرة عن أصلها الأجنبي، خاصة في التعامل مع الوسائط الإلكترونية.
وأمثله ذلك، "يأنتر" أي يدخل علي شبكة الإنترنت، و"يشيت" أي يقوم بعمل “chat”، و"يفرمط" بمعني يجري “format” لجهاز الكمبيوتر، أي إعادة ترتيب وتصفية، ومن الأمثلة أيضًا "إديني ميسدكول، و"ابعت لي ماسج، ودلت الموضوع، وكانسل ع الفكرة"!

وهناك اختصارات باللاتينية مثل (لول ، LOL) وتعني: يضحك بصوت عال، وهـي اختصار لجملة (Laughing Out Loud)، و(تـيت، TYT) وتعنى: خذ وقتك، اختصارا لـ(Take Your Time)، و(BTW) وتعني: علي فكرة، اختصارا لـ(By The Way)، و(OMG) بمعنى: يا ربي، اختصارا لـ(Oh My God)، وغيرها.

اعتبرت دراسة أعدها المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية أن اختيار الشباب ثقافة ولغة خاصة بهم تمرد على النظام الاجتماعي، لذلك ابتدعوا لونًا جديدًا من الثقافة لا يستطيع أحد فك رموزها غيرهم.

لكن خبراء تربويين قالوا إن استعمال الشباب لغة خاصة بهم ليس تمردًا؛ وإنما نوع من الهروب من المجتمع، وأن على الكبار احترام لغتهم الجديدة، وعدم الاستهزاء بها، مادامت لا تتعارض مع الآداب العامة في المجتمع.

وفسر الباحثون لجوء الشباب إلي لغة حديث موازية بوجود شعور بالاغتراب لديهم يدفعهم للتمرد على النظام الاجتماعي وتكوين عالمهم الخاص بعيدًا عن قيود الآباء، وأنهم يؤلفون هذه اللغة كقناع في مواجهة الآخرين، وإن ظهور لغة جديدة بين الشباب أمر طبيعي يتكرر بين مدة وأخرى، ويعكس التمرد الاجتماعي وعدم تفاعلهم مع الكبار، ويظهر عادة في نمط مميز من اللغة أو الملابس أو السلوكيات اليومية.

وبرأيي لن نكون منصفين، إن حملنا الإنترنت وحده مسئولية تغير لغة الشباب، فالعديد من المصطلحات الأجنبية المنتشرة بين الشباب سببها استخدام الإنجليزية كلغة تعامل في بعض أماكن العمل، إضافة إلى تردي التعليم الجامعي الذي لا يهتم أصلا باللغة العربية، وجولة سريعة على لغة برامج "التوك شو" في الفضائيات المصرية ستكشف لنا الألفاظ المتداولة فيها فداحة الجريمة بحق اللغة العربية والآداب العامة..

واللافت في الأمر، أن هذه الظاهرة، ليست مقصورة على شبابنا، إذ يعود الاهتمام بتقصي ظاهرة نزوع الشاب الى ابتكار "لغة" خاصة بهم إلى نحو 30 عامًا مضت.

ففي عام 1984 صدر أول كتاب وضعته بالفرنسية مجموعة من المؤلفين الشبان المغمورين بعنوان ( حركات الموضة مشروحة للأهل)، إذ سعى المؤلفون لتقليص الفجوة بين الأبناء وأسرهم، في محاولة لتقريب معالم الموضة السائدة بمسمياتها وأسمائها، إلى الأهالي الذين باتوا في غربة عما يسمعونه يوميًا من كلمات ومصطلحات، تخرج من أفواه أولادهم، دون أن يستطيعوا فك رموزها، أو فهم دلالاتها.

باحث أمريكي يدعي د. ويليام سيث يفسر سر انتشار " لغة العربيزي " بين الشباب العربي إلي معاناته من لغته العربية أو الإنجليزية بسبب قلة التركيز أو الاستيعاب المتأخر للعقل، وأن هذه اللغة "الهجين" كانت تستخدم في الولايات المتحدة قديمًا، حيث إن مراهقي أمريكا كانوا يدمجون بين الفرنسية والإنجليزية، والغريب أنه طالبنا بضرورة الاعتناء بلغتنا العربية، موضحًا أن ما يعتقده المراهقون العرب فكرًا خاطئًا وجهلًا.

حل هذه الإشكالية اللغوية، لن يكون إلا بيد الشباب أنفسهم أولا، من خلال مبادرات ودعوات متواصلة علي شبكات التواصل الاجتماعي، على أن تكون مصحوبة بجهود حكومية موازية ومن منظمات المجتمع المدني، ليست تعليمية فقط، بل واقتصادية واجتماعية وسياسية ودينية، حتى تدفع الشباب مرة أخرى للاعتزاز بهويته ولغته، خاصة في ظل الهجمة الغربية الشرسة ضد هويتنا وثوابتنا الدينية.

مقالات اخري للكاتب

السيد "روبوت" العاطفي!

أصبحنا نُفضفض "أون لاين" ونحكي مشاكلنا "أون لاين" ونبحث عمن "يطبطب" علينا "أون لاين"، مع إن أقرب الناس إلينا في الغرفة المجاورة هم الأولى بذلك، ولولا وسائل

ويسألونك عن القيلولة!

من يعود بالذاكرة إلى مظاهر حياة المصريين قبل عقود مضت، سيجد أن من بين العادات الصحية التي سلبتها دوامة الحياة هي "نوم القيلولة"، فقد كان مشهدا يوميا مألوفا رأيناه في الآباء والأجداد..

ملابس المستقبل .. ذكية!

"ملابسنا تحددنا" مقولة مهمة للأديب عباس العقاد، بمعنى أنها تكشف عنا وتوضح هويتنا، ويؤثر عن أحد الفلاسفة قوله " الملابس تؤثر على مشاعرنا وأمزجتنا"..

مسافر زاده الخيال!

كل إنسان فى داخل عمره، عمر "تانى"، تتراجع معه سنوات عمره للوراء فى لحظات السعادة، وقد يتجاوز سنوات عمره الحقيقى حين تُعجزه مطالب الحياة، أو تصدمه ردة فعل من كان ينتظر منهم فقط حفظ الجميل، وليس رده ..

أول روبوت "صحفي"!

هل تتذكرون "صوفيا"، ذلك الروبوت الذكي الذي يفكر ويتكلم ويجري حوارات مفتوحة.. في إحدى حواراتها سألها مذيع سؤالا، ربما رآه البعض ساذجًا "هل تريدين تدمير البشر؟"، لكن ردها جاء مُفحما.. "نعم .. أريد تدمير البشر!!".

نهاية عصر الهواتف الذكية!

لو عدنا بالذاكرة لـ 30 عاما مضت، سنجد أن التليفزيون والفيديو وكاميرا التصوير التقليدية أو الديجتال والكاسيت والتليفون الأرضي، كانت وسائل التواصل مع العالم الخارجي في البيوت، وفي فترة زمنية قصيرة جدا جمعها الهاتف الذكي في جهاز واحد بحجم كف اليد، وبكفاءة تفوقها مجتمعة.

شريحة تغير دماغك!

قبل أن ينتهي العام الحالي بكل سوءاته، ووسط ركام الدماء والدمار والاستقطابات والتجاذبات، التي صارت مرادفًا لكلمة "نشرة الأخبار"، يأتي الإعلان عن شريحة Neuralink،

مدرسة العلاج بالدموع!

قديما قال الفيلسوف اليوناني أرسطو "إن البكاء ينظف العقل"، كما كتب شكسبير "أن تبكي هو أن تخفف من عمق الأحزان"..لكن فى الشرق نشأنا على حرمة البكاء وبأنه من "شيم النساء"، وهو ما يجافي تماما ما ذهب إليه موروثنا من الشعر والتراث العربى، بل وما ورد ذكره فى مواضع كثيرة من آيات القرآن الكريم.

العالم قبل وبعد 30 عاما!

في مطلع ثمانينيات القرن الماضي كانت هناك شركة عربية ملء السمع والبصر في مجال الكمبيوتر، هي "صخر"، فأين هي الآن؟ رغم أنها كانت صاحبة الفضل في إدخال الكمبيوتر للمنازل العربية، ووصفت بأنها "مايكروسوفت العرب"، لكن لم يشفع لها التواجد على الساحة لأكثر من 20 عاما على البقاء لأنها لم تتطور، فاختفت.

حياة تبحث عن حياة!

قد يستغرب الكثيرون، لماذا هذا التزاحم لإطلاق رحلات نحو المريخ في خلال شهر واحد؟، أما كان من الأولى استكشاف المجهول في مناطق كثيرة من الكرة الأرضية؟، أليس من الأولى توجيه مثل هذه المليارات لتحسين حياة البشر على الأرض؟

حياتنا النفسية في عالم الحيوان!

حين نسمع ونرى أبناء يفرون هاربين من أمهم ويدعونها تصارع الموت وحيدة مع كورونا.. وحين نجد شخصا منزوع الرجولة يستأجر بلطجيا ليشوه سمعة زوجته "الشريفة" حتى

2020 في توقعات الخيال العلمي!

مخطئ من ظن يومًا أن عام 2020 قد يتوارى في ذاكرة من عايشوه، فما ورثه من "كوفيد"، رغم انتسابه للعام 2019، لكن ما خلفته هذه الجائحة من المؤكد أنها لن تغادر ذاكرة البشر أو تتوارى خلف مزيد من الذكريات، ولو بعد حين.

[x]