ذاكرة الأمة عبر "مصر التخيلية".. توثيق التراث خط دفاع لمواجهة الأفكار الهدامة وبعث روح الانتماء

4-10-2017 | 12:28

ذاكرة مصر التخيلية

 

فاطمة محمود مهدى

تمر البلاد بظروف طارئة تحتاج إلى تكاتف أبنائها فى نسيج واحد يعبر عن وحدة الصف لمواجهة العدوان عليها بأشكال الإرهاب المختلفة التى تسعى قوي الشر إلى تنفيذها من خلال مخططاتها وعناصرها الذين فقدوا هويتهم وانتماءهم لوطنهم ومحو ذاكرة أمتهم من أذهانهم.

وإلى جانب المواجهة الأمنية يجب أن نهتم بغرس روح الانتماء والاهتمام بنشر الوعى بحضارتنا وتراثنا الفريد سواء الأثرى أو الطبيعى وإحياء ذاكرة الأمة لمكافحة الأفكار المضللة والجهل الهدام، وهناك جهات معنية تعمل فى هذا المجال منذ 17 عامًا تقوم بتوثيق تراث البلاد من خلال مركز التوثيق الحضارى والطبيعى، ولربما تظهر أهمية هذا المركز الآن لدوره فى نشر معلومات دقيقة عن كنوز مصر من الموارد الطبيعية والمواقع الأثرية والدرر المعمارية والفنون والفلكلور والجمال الطبيعي.

ويأتى فى مقدمة مشروعات المركز مشروع توثيق ذاكرة الأزهر الشريف الذى يعمل على استدعاء عظمة الأزهر إلى ذهن المسلمين والعالم أجمع وإبراز دوره في نشر الوسطية، وتساعد مشروعات المركز فى تنشيط السياحة من خلال قواعد البيانات التراثية التى يتم عرضها باستخدام تكنولوجيا المستقبل التى تعتمد على التراث الرقمى و المتاحف التخيلية .

بداية يقول المهندس محمد فاروق- مدير مركز توثيق التراث الحضارى والطبيعى – إن الحفاظ على ذاكرة الأمة يعد مشروعًا قوميًا يجب أن تتكاتف الجهود من أجل أن يحظى بما يستحقه من أهمية، ويضطلع المركز بتنفيذ هذه المهمة مستخدما أحدث الوسائل التقنية، ويمارس مهام توثيق التراث الحضارى بجوانبه المادية الملموسة والمعنوية غير الملموسة فى مختلف أوجه الحضارة الإنسانية، كما يرصد تطورها عبر العصور، ويعتنى ب توثيق التراث الطبيعى لما له من قيمة قومية ودولية، ويقوم المركز بهذا الدور منذ 17عاما بتعاون تام مع وزارة الثقافة ووزارة الدولة لشئون البيئة، والمنظمات الدولية التخصصية وقد انضم المركز عام 2003 إلى مكتبة الإسكندرية، مع الاحتفاظ بالدعم الكامل من وزارة الاتصالات و تكنولوجيا المعلومات.

ويقوم المركز بإدارة 10 برامج هي: خريطة مصر الأثرية، وتراث مصر المعماري، وتراث مصر الطبيعي، والتراث الشعبي المصري، وتراث مصر الموسيقي، وذاكرة مصر الفوتوغرافية، والتراث العلمي الإسلامي للمخطوطات، وموقع "مصر الخالدة" على شبكة الإنترنت، وبانوراما التراث، والمشروعات الدولية المشتركة. و يهدف المركز أيضا إلى رفع الوعي الجماهيري بتراث مصر الحضاري و الطبيعي؛ مستخدمًا جميع الوسائط المتاحة التى تعتمد على أحدث الوسائل التكنولوجية.

وانطلاقا من دور المركز في المساهمة في التعريف بالتراث المصري المتعدد وتنشيط السياحة في مصر وإنشاء العديد من مراكز الزوار بالمناطق الاثرية المختلفة، تم إعداد فيلم تسجيلى "الاقصر مدينة الشمس" تم عرضه فى افتتاح مهرجان الأقصر عاصمة الثقافة يتضمن توثيق حضارى لمعالمها عبر العصور ولاقى استحسان المشاهدين.

كما قام المركز بالاشتراك مع جمعية أصدقاء البيئة "FEDA" بتنفيذ مركز زوار للقاهرة الفاطمية بالمبنى الأثري بوكالة الربع بناصية الدرب الأصفر بشارع المعز لدين الله الفاطمي معتمد على طرق عرض بانورامي يوضح تاريخ المنطقة.

هذا بالإضافة إلى استخدام تكنولوجيا الحقيقة المتصاعدة (Augmented Reality) في عرض المجسمات، كما قام المركز بإعداد مركز ل توثيق التراث السيناوى ومركز للزوار بجنوب سيناء، وأطلق عليه بيت حتحور، ويهدف إلى حماية الموروثات الحضارية والطبيعية لمنطقة "سرابيط الخادم" والحفاظ عليها، ويعمل على تطوير المنطقة لتصبح مثالًا للسياحة المحلية والعالمية.

وفى إطار الدور الذى يمكن تقديمه لقطاع السياحة وتنشيطها قام المركز بعمل تطبيق على الأجهزة المحمول واللوحية مصممًا للمساعدة في الحصول على جميع المعلومات التي يحتاجها السائح للتخطيط لرحلته إلى مصر، واكتشاف كنوز وادي النيل، والتمتع بأنشطة مختلفة على البحر المتوسط، يتعرف على منتجعات مصر على البحر الأحمر، وينغمس في السفاري في الصحاري الشهيرة في مصر.

مشروعات التوثيق الحضارى

ويؤكد المهندس محمد فاروق – ان إدارة مواقع التراث الحضاري في مصر يمثل تحديًا حقيقيًا، وبذلك أصبح من المهم والحيوي للغاية العمل على توثيق وحماية وإعادة تأهيل مواقع التراث للأجيال المقبلة؛ وهو ما يتحقق على أفضل وجه بتوفر نظام معلومات جغرافي أثري موسع قدم من خلال برنامج خريطة مصر الأثرية.

ولم يتم إغفال ما شهدته المدن مصرية من ازدهار كبير في حركة البناء التي امتدت منذ ستينيات القرن التاسع عشر، وحتى أربعينيات القرن العشرين، بما يعكس ملامح فريدة توحدت فيها الأساليب والأنماط الأوربية مع التأثيرات والمواد المحلية وهكذا نتج عن هذه الفترة إنتاج معمارى متميز وجب توثيقه والحفاظ عليه من خلال مشروع توثيق التراث المعماري لمصر والذى يعد مدخلا رقميًا منهجيًا غير مسبوق والذى بدأ بمنطقة وسط مدينة القاهرة كمشروع أولي ريادي، مع الاستمرار تباعًا في تغطية المزيد من أجزاء القاهرة، و المدن الأخرى ويعتمد المشروع على نظام معلومات جغرافي، مع سهولة الإطلاع على قاعدة بيانات تضم توثيقا فوتوغرافيا شاملا و ذلك إلى جانب الوثائق التاريخية والخرائط و المادة الأرشيفية.

وبالنسبة للتوثيق الرقمى لتراث مصر الطبيعي ونشر البيانات والمعلومات عنه؛ فهو مشروع متعدد المجالات والتخصصات ينطوي على تجميع كافة البيانات عن المحميات الطبيعية وتنوعها ومكوناتها، بما في ذلك المعلومات التفصيلية عن الوجود النباتي والحيواني والتكوينات الجيولوجية والمعالم الحضارية المميزة للمواقع أو المناطق المحمية، مما يعد سجلا لتاريخنا الطبيعى .

عقبات تواجه المنظومة

ولكى يظل المركز نافذة نضطلع من خلالها على ذاكرة الأمة يجب أن نتخلص من المشاكل التى تواجهه وعن تلك العقبات يقول مدير المركز- إن هناك مشاكل فى الموارد البشرية والموارد المادية فوضع حال المركز كوضع غالبية الجهات الحكومية فالتمويل المتوفر لا يتعد 10% من احتياجات الأنشطة الحالية، ولكن إذا قارناه بما يجب توفيره بما يليق بالتوثيق الرقمى للتراث المصرى فلا يتعد قيمته 1%.

أما المقصود بنقص الموارد البشرية فهو افتقاد أهل الخبرة فخلال الست سنوات الماضية ترك العمل نحو 120  فردًا ذا كفاءة لأسباب مختلفة، ومع وقف التعيينات واحتياجنا لمتخصصين لا نتمكن من سد العجز فى الخبرات المطلوبة.

تعريف تقنى بالتراث

ويضيف المهندس محمد فاروق – أن من أهم أهداف المركز إلى جانب التوثيق الدقيق لحضارتنا وتراثنا هو وصول المعلومة بشكل تقنى حديث ومبسط يخاطب الجمهور بفئاته المختلفة بداية من تلميذ الابتدائى وصولًا إلى الباحث المتخصص، وينظم المركز رحلات تعليمية لطلبة المدارس والجامعات كما يفتح أبوابه للجمهور مجانًا بالتنسيق مع الإدارة لتحديد مواعيد الزيارة، ويمكن للزائر أن يشاهد في أثناء الجولة صالة عرض بانوراما التراث أو بانوراما الحضارة وهى نموذج لبرنامج وسائط متعددة تـُعرَض بها الموضوعات التراثية الحضارية والطبيعية في عصور مصر المختلفة بدأ من العصر الفرعوني مرورا بالعصر القبطي والعصر الإسلامي حتي العصر الحديث وذلك باستخدام أحدث تقنيات العرض التفاعلي والذي يتكون من 9 شاشات بانورامية مسطحة منفصلة مرتبة في شكل نصف دائري في نطاق زاوية بمقدار 180ْ. يبلغ قطرها 10 أمتاا ويتحكم بها جهاز كمبيوتر واحد. وقد حصل المركز على براءة اختراع عالمية على أنها أول 9 شاشات تفاعلية في العالم، وتوجد ست صالات عرض خاصة بها في عدة أماكن، كما استطاع فريق العمل القائم عليها بعرضها في العديد من المعارض الدولية والمؤتمرات ومن خلالها أسهم مركز توثيق التراث الحضاري والطبيعي في إظهار كنوز مصر الحضارية.

والجيل الجديد من بانوراما التراث يتميز بإمكانية عرض القطع الأثرية والمواقع التاريخية بشكل ثلاثي الأبعاد وزيادة جودة الصور المعروضة والمرونة في استخدام أشكال غير نمطية لشاشات العرض وبأي مساحة من خلال شاشة ضخمة نصف دائرية تحيط بالمشاهدين ما ينقل الإحساس بالتواجد داخل المكان المعروض على الشاشة في ظل وجود هذه القدرات الجديدة فإن الجيل الجديد يساهم في زيادة انتشار التراث المصري بشكل أكثر وضوحاً وجاذبية للمشاهد العادي والمتخصص.

كما يقوم المركز بنشر مجموعة كتب للتوثيق الحضارى الدقيق فى منافذ عدة لدورالنشرومكتبة الاسكندرية، بالإضافة إلى المواقع الإلكترونية على الإنترنت والتى يعد أبرزها موقع "مصر الخالدة" - www.eternalegypt.org – وهو موقع فريد من نوعه على شبكة الإنترنت.

مادة إعلانية

[x]