ثقافة وفنون

فؤاد حداد.. القفزة النوعية والاستبداد الضمني

29-9-2017 | 14:30

فؤاد حداد

محمد الرفاعي

أزعم أن فؤاد حداد في زمنه، استطاعت تجربته أن تحدث قفزة نوعية بمثابة خطوة إلى الأمام في تجديد خطاب قصيدة اللهجة العامية المصرية من كونها قصيدة زجلية بحتة إلى كونها قصيدة أصبح بها قدر أكبر من الشاعرية بمفهومها الحداثي من الزجل، مع عدم قدرتها إلى الآن على التخلص من تراثها الزجلي بشكل كامل، بل وربما اجتراره في بعض الأحيان، والذي لايزال سمتا يميز هذه القصيدة.

ما أريد قوله إنه مما لا شك فيه، أن فؤاد حداد في زمنه كان يسبق جميع أقرانه بخطوة نحو خطاب فيه إخلاص ودأب على تجديد هذه القصيدة، وقد استطاع أن يحقق ذلك بالفعل نوعا ما بمعطيات زمنه، لكن الآن، بعد فؤاد حداد، فقصيدة اللهجة العامية المصرية قد تجاوزت ملامحها تجربة الرجل بخطوات وقفزات كثيرة، ولذلك فأزعم أنه من العبث في ظل هذا التغير المتسارع الذي يطرأ على ملامح هذه القصيدة أن يمارَسَ الآن، نوع من الاستبداد الضمني بمقدرات هذه التجربة على حساب معطيات التلقي في زمننا هذا، وكأن تجربة فؤاد حداد مازالت هي أيقونة هذا الزمان، وكأن قصيدة العامية المصرية أيضا قد توقفت عند هذه التجربة.

لا أريد أن أتورط في إصدار حكم قيمة أو أقع في فخ الحجر على ذائقة أحد، لكنني أملك رهافة القول إن هؤلاء الذين ما زالوا منغمسين في غواية تجربة الرجل غير مبالين وآبهين بتلك التغيرات المتسارعة التي طرأت ومازالت تطرأ على قصيدة اللهجة العامية، هم بالضرورة يرجعون بالزمن إلى الخلف، كونهم أصبحوا عاجزين في الأساس عن التجاوز أو الانفلات بمعطيات التقلي المتوفرة حالياً في ظل الثراء المعرفي الناتج عن بذخ الانفتاح على العالم وتوفر سبل التواصل والمعلومات من غواية تجربة فؤاد حداد.

أوقن في قرارة نفسي بأن القصيدة العربية برمتها تعاني آفة البحث عن نموذج في الأساس بشكل عام، فهي تقع عادة إما في فخ اجترار تراثها المعرفي الضخم، أو إما نقل السمت الحداثي للقصيدة الغربية التي كتبت منذ مائتي سنة على أقل تقدير، لكن دائما ما يراودني سؤال حيال تلقي (خطاب العامية) مجازا، إن زعمنا أنه يسعى لأن يكون خطاباً.
هل شكلت ذائقة تلقي هذه القصيدة بالفعل وانتهى الأمر، وبالتالي فقد توقف الزمان حيالها، كاتبا بذلك شهادة وفاتها ضمنياً قبل أن تكشف عن مكنونها معبرةً عن هويتها أصلا؟! وإذا كانت هذه الحقيقة، فما فائدة أن تكتب العامية الآن، مادامت قد ذبحت عنوة تحت سلطة استبداد التلقي؟!


بل يمكن أن أكون أكثر تطرفاً وصدامية إذا ما طرحت سؤالا بريئاً دائما ما يثير سخريتي إزاء المشهد حينما يتبادر لذهني، هو: كيف سينبثق الإبداع الشعري ويكشف عن نفسه أصلا لدى شعراء قصيدة العامية المصرية معبراً عن كينونتهم الإنسانية وهو الأساس في مفهوم الإبداع ما دام لهم "أب"؟
فؤاد حداد "أبو الشعراء" الذين يحملون نفس جيناته الوراثية ويشبهونه، ألا يعد هذا ظلما لهذه القصيدة وتحايلا عليها؟ وهل معنى ذلك أنه إذا ما حاول شاعر عامية مثلا من هذا الجيل أو الأجيال التي تلت فؤاد حداد الانفلات أو التغريد خارج السِرب، أنه بذلك قد حكم عليه مسبقا بسخرية القدر أنه "لقيط"؟

وهنا تتبادر الإجابة مسرعة بشكل فيه قدر من الفانتازيا، إزاء هذا المشهد الذي يشوبه التناقض والعبث، تحت سلطة استبداد التلقي تلك، أنه لا بأس من حدوث ذلك، مادام الزمان سينصفه يوما ما، مشيرا إلى ذلك الشاعر المنفلت، وبدلاً من أن يقول إنه قد مر من هنا شاعر عامية (مبدع) بالفعل، سيقول، إنه مر من هنا، شاعر عامية (لقيط) بالفعل.

اقرأ ايضا:

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة