طبيب.. "واللا مقاول أنفار"!!

28-9-2017 | 00:01

 

قد يسوق الكثيرون مبررات عديدة لطغيان المادة على كثير من أنشطة حياتنا اليومية، ربما في مقدمتها تراجع قيمة الجنيه بعد تعويمه وإطلاق "سُعار الأسعار" بلا رقابة فاعلة أو وازع من رقيب أو ضمير للمتاجرين بأقوات الناس، لكن أن تتحول أسمى رسالة إنسانية وهي الطب إلى تجارة وسمسرة وعمولات في زمن أصبح هناك أناس كثيرون لا يملكون ثمن "الكشف"، وإن وُجد الثمن فلا يجدون ثمن الدواء، إن لم يكن أدنى وصف له هو انحدار أخلاقي.. فماذا نسميه؟


تابعت حوارًا مطولًا بين عدد كبير من أطباء مصر الكبار على شبكة " فيسبوك "، وبقدر ما أصابني مضمون الرسالة موضع التعليق بالأسى لما وصل إليه حال بعض الأطباء في مصر من متاجرة بالمهنة دون وازع من إنسانية أو تقديسًا لرسالتهم السامية، بقدر ما أسعدني ردود كبار الأطباء واستنكارهم لمثل هذه "الحالة"، ولن أقول "الظاهرة"، فهي لم تتحول بعد في مصر إلى ظاهرة، لأن كثيرًا من الأطباء تسبق إنسانيتهم أي اعتبارات مادية في التعامل مع المرضى.

الرسالة المؤلمة نشرها على صفحته، الدكتور ماهر عمران، والذي لم يسعدني الحظ بمعرفته، وكشف فيها عن جريمة نكراء يرتكبها طبيب للأسف بدرجة أستاذ جامعة بحق المرضى، واستقطع جزءًا كبيرًا منها، لعلنا نكون صوتًا إضافيا نبلغ رسالة الدكتور عمران ومتابعيه العظام لكل من يهمه أمر "إنسانية" ورسالة مهنة الطب في مصر..

تقول الرسالة التي نشرها الدكتور عمران:
الأستاذية في العلم، مكانة سامية ومرموقة،لها قدسيتها والتي قد لا أكون مبالغا لو قلت بأني أراها كمنزلة النبوة في الديانات، فهي أيضا رسالة مقدسة هدفها سام إذ ترنو إلى الارتقاء بعقول البشر.

وصدق أمير الشعراء حينما أنشد:
أرأيت أعظم أو أجل من الذي :: يبني وينشئ أنفسًا وعقولا؟!
وحينما ينعم المولى عز وجل ويجعل منه أستاذًا في كلية يتتلمذ على أيديه بها من يوكل إليهم العناية بأفضل مخلوقات الأرض وهو الإنسان، وهي كلية الطب والتي يمتهن خريجوها مهنة تنعت بأنها أقدس المهن!

فلابد أن يتحلى بمكارم الأخلاق وأن يكون نموذجًا يُحتذى به في الخلق القويم، والتي إذا لم تتسم بها الممارسة في هذه المهنة لأصبحت نقمة ووبالا على الإنسان!

وإني لأعجب من فئة "للأسف" تسللت وما كان ينبغي لها ذلك، ولكن العطب الذي أصاب مفاصل مجتمعنًا على مدى العقود السابقة أبى إلا أن يجد له مكانًا بين من يحملون لقب الأستاذية بجامعاتنا .

وما دفعني إلى كتابة هذه السطور هي واقعة أقحمت شخصيًا في أن أكون طرفًا بها، فبينما كنت أناظر المترددات على عيادتي الخاصة ـ وليس من عادتي استقبال زيارات أو مقابلات مع مندوبي شركات الأدوية خلال العمل إذ يكون ذلك بعد الانتهاء من جميع الحالات ـ أخبرتني السكرتيرة أنه توجد فتاة بالخارج تحمل خطابا لي من أستاذ بكلية الطب جامعة القاهرة ولا تستطيع الانتظار لنهاية العيادة؛ لأن لديها العديد من الخطابات موجهة لأطباء آخرين، وأن هذه الفتاة تريد توقيعًا مني كدليل على أنها أدت مهمتها، وكان المظروف يحمل اسم أستاذ لأمراض الذكورة ومعه أيضًا كارت شخصي باسمه، وبرغم أن الخطاب كان مفتوحًا إلا أني وضعته جانبًا حتى انتهى من عملي وفي الوقت نفسه وقعت على كارت شخصي مني مع عبارة "شكرًا مع تحياتي" وقلت للسكرتيرة أن تعطيه للفتاة.

كنت أتوقع كما هو العادة أن محتوى الخطاب دعوة للمشاركة في فعاليات مؤتمر طبي أو ورشة عمل أو المشاركة في أي من الأنشطة الجامعية التي عادة يتم فيها التعاون بين الكليات المناظرة أو التخصصات المتكاملة أو شيء من ذلك القبيل، ولكن هذا الخطاب كان يحوى ورقتين "ملحوظة: ذيل الدكتور عمران "البوست" بصور لأجزاء من الورقتين بعد حذف البيانات الخاصة بهذا الطبيب!

لقد كان خطابه، وهو يطلب أن أحشد مرضاي ممن يحتاجون لخدماته نظير مبلغ يقتطع من أتعابه يخصني به بعد تجميع الحالات في نهاية كل شهر! ولم يغفل أن يؤكد أنه رقيق مع المرضى، ولن يكلفهم أعباء مادية لكي أكون مطمئنًا عليهم أنهم بين أيد أمينة!!

وعلق الدكتور عمران على هذه الرسالة بالقول "لدى الكثير مما يقال علاوة على إحساسي بالأسى والغثيان على ما أصاب لقب الأستاذية من خزي وعار جلب له على أيدي أمثال هذا الذي يخجل قلبي أن ينعته بالزميل، ولكنه اكتفى بوصف ذلك بأنه "منتهى الابتذال والانحطاط والدناءة"..

انتهت رسالة الدكتور عمران، لكن آثارها في قلب مهنة الطب في مصر لن تنتهي أو على الأقل تنحسر، ما لم تبادر نقابة الأطباء، ومن قبلها كليات الطب في مصر تكريس مبادئ الإنسانية كهدف أسمى لمهنة الطب في مصر، وأن تكون هذه الرسالة أيضًا بداية لفتح ملف شائك يشمل العمولات التي تقدمها معامل التحاليل ومراكز الأشعة وغيرها لكثير من الأطباء نظير توجيههم لمرضاهم لعملها في معامل ومراكز أشعة وتحاليل بعينها لأنها أحيانا تعطيهم عمولة 50%!!

تضيق المساحة بالإشادة بتعليقات الأطباء على هذه الرسالة، والتي تثلج الصدر وترسل رسالة طمأنينة لكل مصري أن مهنة الطب مازالت بخير، وإن عكر صفوها بعض المنتسبين إليها، حتى وإن كان بدرجة "أستاذ جامعة".

بعض التعليقات كانت أكثر تأدبًا حين وصفته بـ"السمسار" أو "مقاول الأنفار"، وبعضها نعتها بـ"المهزلة اللاأخلاقية"، لكن كان أشدها انتقادًا هو تعليق الدكتور إبراهيم عبدالغني نقيب أطباء القاهرة، والذي وصفها بـ "إنها" الدعارة الطبية "في أروع صورها!!!

مقالات اخري للكاتب

السيد "روبوت" العاطفي!

أصبحنا نُفضفض "أون لاين" ونحكي مشاكلنا "أون لاين" ونبحث عمن "يطبطب" علينا "أون لاين"، مع إن أقرب الناس إلينا في الغرفة المجاورة هم الأولى بذلك، ولولا وسائل

ويسألونك عن القيلولة!

من يعود بالذاكرة إلى مظاهر حياة المصريين قبل عقود مضت، سيجد أن من بين العادات الصحية التي سلبتها دوامة الحياة هي "نوم القيلولة"، فقد كان مشهدا يوميا مألوفا رأيناه في الآباء والأجداد..

ملابس المستقبل .. ذكية!

"ملابسنا تحددنا" مقولة مهمة للأديب عباس العقاد، بمعنى أنها تكشف عنا وتوضح هويتنا، ويؤثر عن أحد الفلاسفة قوله " الملابس تؤثر على مشاعرنا وأمزجتنا"..

مسافر زاده الخيال!

كل إنسان فى داخل عمره، عمر "تانى"، تتراجع معه سنوات عمره للوراء فى لحظات السعادة، وقد يتجاوز سنوات عمره الحقيقى حين تُعجزه مطالب الحياة، أو تصدمه ردة فعل من كان ينتظر منهم فقط حفظ الجميل، وليس رده ..

أول روبوت "صحفي"!

هل تتذكرون "صوفيا"، ذلك الروبوت الذكي الذي يفكر ويتكلم ويجري حوارات مفتوحة.. في إحدى حواراتها سألها مذيع سؤالا، ربما رآه البعض ساذجًا "هل تريدين تدمير البشر؟"، لكن ردها جاء مُفحما.. "نعم .. أريد تدمير البشر!!".

نهاية عصر الهواتف الذكية!

لو عدنا بالذاكرة لـ 30 عاما مضت، سنجد أن التليفزيون والفيديو وكاميرا التصوير التقليدية أو الديجتال والكاسيت والتليفون الأرضي، كانت وسائل التواصل مع العالم الخارجي في البيوت، وفي فترة زمنية قصيرة جدا جمعها الهاتف الذكي في جهاز واحد بحجم كف اليد، وبكفاءة تفوقها مجتمعة.

شريحة تغير دماغك!

قبل أن ينتهي العام الحالي بكل سوءاته، ووسط ركام الدماء والدمار والاستقطابات والتجاذبات، التي صارت مرادفًا لكلمة "نشرة الأخبار"، يأتي الإعلان عن شريحة Neuralink،

مدرسة العلاج بالدموع!

قديما قال الفيلسوف اليوناني أرسطو "إن البكاء ينظف العقل"، كما كتب شكسبير "أن تبكي هو أن تخفف من عمق الأحزان"..لكن فى الشرق نشأنا على حرمة البكاء وبأنه من "شيم النساء"، وهو ما يجافي تماما ما ذهب إليه موروثنا من الشعر والتراث العربى، بل وما ورد ذكره فى مواضع كثيرة من آيات القرآن الكريم.

العالم قبل وبعد 30 عاما!

في مطلع ثمانينيات القرن الماضي كانت هناك شركة عربية ملء السمع والبصر في مجال الكمبيوتر، هي "صخر"، فأين هي الآن؟ رغم أنها كانت صاحبة الفضل في إدخال الكمبيوتر للمنازل العربية، ووصفت بأنها "مايكروسوفت العرب"، لكن لم يشفع لها التواجد على الساحة لأكثر من 20 عاما على البقاء لأنها لم تتطور، فاختفت.

حياة تبحث عن حياة!

قد يستغرب الكثيرون، لماذا هذا التزاحم لإطلاق رحلات نحو المريخ في خلال شهر واحد؟، أما كان من الأولى استكشاف المجهول في مناطق كثيرة من الكرة الأرضية؟، أليس من الأولى توجيه مثل هذه المليارات لتحسين حياة البشر على الأرض؟

حياتنا النفسية في عالم الحيوان!

حين نسمع ونرى أبناء يفرون هاربين من أمهم ويدعونها تصارع الموت وحيدة مع كورونا.. وحين نجد شخصا منزوع الرجولة يستأجر بلطجيا ليشوه سمعة زوجته "الشريفة" حتى

2020 في توقعات الخيال العلمي!

مخطئ من ظن يومًا أن عام 2020 قد يتوارى في ذاكرة من عايشوه، فما ورثه من "كوفيد"، رغم انتسابه للعام 2019، لكن ما خلفته هذه الجائحة من المؤكد أنها لن تغادر ذاكرة البشر أو تتوارى خلف مزيد من الذكريات، ولو بعد حين.

[x]