"سايكس بيكو" جديد ينتظر المنطقة العربية

15-9-2017 | 00:12

 

...ليس من شك في أن قطر تلعب بالنار، عندما فاجأ الأمير تميم الجميع بسفره يوم الخميس الماضي إلى تركيا، ولقائه بالسيد أردوغان ، وحديثه عن مراحل تطور صراعه مع الرباعي العربي، و الدور المشبوه الذي تلعبه أنقرة في هذا الصراع ليس فقط من خلال القاعدة التركية الموجودة على أرض الدوحة، ولكن أيضًا في الآلاف من العسكريين الأتراك، الذين يملأون الشوارع والميادين والقصور الأميرية.


لقد تحولت قطر إلى أرض القواعد الأجنبية التي تتجه إلى صدور العرب، وهي القاعدة الأمريكية الشهيرة، ثم القاعدة التركية والثالثة هي القاعدة الإيرانية ، والحق أقول إن هذه القواعد لم تنشأ إلا بعد موافقة أمريكا صاحبة القاعدة الأولى.

يُخطئ من يعتقد أن قرار إقامة القاعدتين التركية والإيرانية هو قرار قطر ي مائة بالمائة، الصحيح أنه قرار أمريكي، وهذا معناه أن العلاقات مع تركيا و أمريكا سمنُ وعسلُ مصفى!

وهنا أتساءل من قال إن العلاقات متوترة مع أنقرة وطهران فقط، الأبواق الدعائية الغربية هي التي تحاول أن تروج ذلك، فكلنا يذكر أن تركيا هي العضو الفاعل في حلف الناتو؛ أي أنها جزء من المخطط الغربي؛ لإعادة احتلال شبه جزيرة العرب.

أما طهران فلم ننس بعد أنها ظلت في حوار سري مع أمريكا نحو خمسة عشر عامًا، وتفتق عن الاتفاق النووي الإيراني - الغربي الذي لطالما هاجمه السيد ترامب، كان يُصدر بشأنه تصريحات نارية، ثم يعود لهوايته التي يعرفها القاصي والداني عنه منذ أن تولى المسئولية الرئاسية في أمريكا ، وهي أن ابتلع لسانه وكأن شيئًا لم يكن.

وأقول الحق إن ما بين طهران و أمريكا من علاقات طيبة أكثر مما بينهما من خلافات، ثم إن أمريكا ترى أن بقاء طهران "بعبعا" لمنطقة الخليج، أهم ألف مرة من مواجهتها عسكريًا، إن لم يمنع ذلك من إصدار بعض التصريحات النارية ضدها، وأكاد أقول بالاتفاق معها لهو أجدى من الصراع مع طهران.

كل العالم يفهم ويحاول أن يستفيد، إلا العرب يُصرون على عدم الفهم ويطربهم كثيرًا، خصوصًا في شبه جزيرة العرب أن تُصدر أمريكا بيانات تنال فيها من إيران، ولقد فهم عنهم ذلك السيد ترامب، فلم يتردد بين وقت وآخر من إصدار تصريحات تبدو وكأنها عدائية مع طهران، لكن في الواقع ما بين واشنطن وطهران أبقى وأهم، العدو الواحد بين البلدين هو العرب الذين يبدو أنهم سليلو الشعر فتطربهم الكلمات لا الأفعال!

والحق يُقال إن توجه تميم إلى أنقرة لم يكن مفاجئًا لطهران، وأكاد أقول إنه بعلمها، فتوزيع الأدوار بين الدوحة وطهران وأنقرة ومعها واشنطن، لهي مسألة مؤكدة ويخطئ من يعتقد أنه لا يوجد اتفاق بين هذه العواصم الأربع.

ما اندهش له أن تتعامل معنا العواصم الأربع ككتلة صماء، بينما نتعامل نحن العرب مع كل عاصمة على حدة.

وأكاد أجزم بأن زيارة تميم ل أردوغان تم التنسيق بشأنها مع العواصم الأربع، أريد أن أقول إن واشنطن هي صاحبة الفكرة وبرنامج الزيارة تم بموافقة ترامب وبتخطيطه أيضًا!

سؤالي الآن: لماذا نتعامل مع واشنطن على أنها صديقتنا والتي تخاف على مشاعرنا وننسى أنها مستودع الشر في العالم؟
إنه توزيع الأدوار، وهو درس كبير في العلاقات الدولية نفهمه جيدًا لكن لا نلتزم به، بينما يلتزم به الآخرون وينجحون دائمًا فيه.

إن إشعال منطقة شبه جزيرة العرب وإدخالها في حرب ضروس قد اتخذت واشنطن قرارًا به، ويبقى فقط التنفيذ الذي يحفظ سره الرئيس ترامب.

إن أمريكا لا تريد أن تكون طرفًا في حرب، نحن نعيش أجواء حرب باردة جديدة، إذ تقف أمريكا وراء دولة ما وتقف القوى المناوئة في طرف آخر، الجديد في هذا النوع من الحرب هو أن أمريكا تقف وراء الجانبين، فتعطي سلاحًا للطرف الأول، وتعطي سلاحًا آخر للطرف الثاني؛ ليصبح الأمر وكأنه منافسة بين السلاح الأمريكي.

وقديمًا قال رجال الإستراتيجية ال أمريكا ن، إن الحرب القادمة ستكون ضد الإرهاب ومعلوم أنها في كوريا الشمالية لن تكون كذلك، إن أمريكا تقذف بمنطقة شبه جزيرة العرب إلى مواجهات عسكرية لا تُبقي ولا تذر!

البعض يتكلم بتفاؤل لا نعرف سببًا له، هو أن أمريكا دخلت وسيطًا بين قطر ودول الرباعي العربي، ويرى أن ذلك مؤشر على سرعة حل الأزمة المتفاقمة.

وأقول إن أمريكا راعية السلام الأولى في العالم، دخلت عشرات المرات وسيطًا بين الفلسطينيين و إسرائيل ولم تٌحل القضية!

إذن هو تفاؤل معيب ولا معنى له؛ لأن أمريكا تريد إشعال المنطقة في الشرق الأوسط وشبه جزيرة العرب في حرب بين دولها وهذا ما يحدث الآن، لكن للأسف نجد من العرب من يصدق أنها بريئة من كل ما يحدث وهذا غير صحيح.

لم تعد تعتمد حروب المستقبل على تجييش السلاح والجنود، وإنما تجييش الأكاذيب والترهات عبر وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، تقوم بذلك قنوات تابعة ل أمريكا والدول المشايعة لها في المنطقة مثل تركيا، وإلا بالله عليكم لماذا تصر دول كبرى مثل أمريكا أن تزرع في المنطقة قنوات فضائية، مثل الحرة وروسيا اليوم وفرنسا 24 وغيرها وكلها ناطقة بالعربية؟

الإجابة هي أن كل دولة ترسم صورتها بالشكل الذي تريده، ثم تفرض علينا ذلك مرات ومرات.

ونحن في المنطقة العربية ضحايا مثنى وثلاث ورباع، لهذه الفضائيات التي نتكالب على مشاهدتها، وهدفها - يعلم الله - ليس التثقيف ولا التنوير، وإنما ترويج الأكاذيب وإظهار دول الغرب، وكأنها من أجل سواد عيوننا تعمل وتزرع الفضائيات.

إن المنطقة العربية مقبلة على حرب واسعة وإعادة تقسيم تحت إشراف الدول الغربية، أي أن هناك " سايكس بيكو " جديد ينتظر المنطقة العربية !!
said.ellawindi@outlook.fr

مقالات اخري للكاتب

المفكر الجزائري "أركون".. لماذا غاب عن العقل الثقافي المصري؟

كنت أعتقد بأن هناك علاقة غزو ثقافي بين مصر والعالم العربي، سيمّا في فترة معينة، وعندما طرحت السؤال ذات يوم على المفكر الجزائري المعروف محمد أركون أستاذ

لا.. لمعونة العار والإذلال (الأمريكية )!

ليس من شك في أن العلاقات المصرية - الأمريكية ليست في صحة جيدة، وجاء القرار الأخير والخاص بتخفيض المعونة الأمريكية لمصر؛ بحيث أصبح 295 مليون دولار سنويًا، وزيادة المعونة المقررة لإسرائيل والأردن وتونس؛ ليصب الزيت على النار.

الـ (100) يوم الأولى في حكم ماكرون

يخطئ من يعتقد أن استطلاعات الرأي التي تدنت كثيرًا بشأن "إيمانويل ماكرون" (الشاب الذي يحكم فرنسا)، يمكن أن تضع حدًا لحكمه، هذه المسألة مُستبعدة باعتراف

الفيلسوف عبدالرحمن بدوي.. في ذكراه

في مثل هذه الأيام وقبل عدة سنوات كان يتجه أحد المصريين إلى المكتبة الوطنية في باريس، فوقع علي الأرض فجأة.. لم يمسه أحد بسوء حتى جاء البوليس الفرنسي الذي اكتشف أنه باحث وأستاذ جامعي فبعث به على الفور إلى مبنى السفارة المصرية في باريس، وهناك تعرف طقم السفارة عليه وتبين أن معلوماته كالآتي:

أمريكا.. "مستودع الشر لمصر والعالم"

في العلاقات الدولية لا يوجد أصدقاء، وإنما يوجد مصالح.. والقاعدة الذهبية التي ننساها دائمًا هي: لا توجد صداقات دائمة، وإنما مصالح دائمة.. وقد تكون صديقي اليوم، لكن غدًا لا يمنع من أن تكون عدوي، والكل يعلم كيف أصبحت أمريكا أكبر دولة في العالم..

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]