استنزاف العقول!

14-9-2017 | 00:02

 

الحديث عن هجرة العقول أو استنزافها، يفتح الباب واسعًا في مصر أمام قضية تراكمت منذ أكثر من 50 عامًا بفعل عوامل اقتصادية واجتماعية، كانت توفر فيما مضى مبررات كافية لتوسيع حركة طرد العقول لصالح العالم المتقدم الذي يُحسن استقبال واستغلال هذه الكفاءات..


والنتيجة أننا خسرنا بسبب الهجرة الدائمة من قدراتنا القومية 450 ألف مواطن من حملة المؤهلات العلمية العليا كالماجستير والدكتوراه الذين وجدوا في الغرب بيئة خصبة للعمل والإبداع..

ومن بين هؤلاء العلماء برز أكثر من 600 عالم من ذوي التخصصات النادرة، منهم 94 عالمًا في الهندسة النووية، و26 في الفيزياء النووية، و48 في كيمياء البوليمرات، و25 في علوم الفلك والفضاء، و28 في البيولوجي والميكروبيولوجي، و72 في استخدامات الليزر، و93 في الإلكترونيات، وغيرهم الكثير في مجالات الطب والهندسة، والهندسة الوراثية وتكنولوجيا النسيج والجيولوجيا وطبيعة الزلازل.

وعلى عكس بعض الشعوب العربية مثل سوريا ولبنان ودول المغرب، فإن المصريين لم يكونوا تقليديًا ولا تاريخيًا ضمن الشعوب التي اعتاد أبناؤها الهجرة، بل كانت مصر بلدًا يهاجر إليها العرب من كل مكان، وحتى الأوروبيين من اليونان وتركيا وإيطاليا، لكن الموقف تغير في العقود الخمسة الماضية لأسباب عديدة، حتى صار هاجس الهجرة، سواء الدائمة أو المؤقتة الشغل الشاغل لكل خريج مصري، ولا ضير في حق التنقل لكل فرد، ولكن أن تتحمل ميزانية الدولة ملايين الدولارات للمبعوثين؛ لاستكمال دراساتهم في الغرب، ثم يلتهم الغرب خبراتهم على طبق من ذهب، فهذا أمر يحتاج إلى وقفة..

إن ظاهرة " نزيف العقول " أو ما يعرف حديثًا بـ"النقل العكسي للتكنولوجيا"، تعبيرًا عن الخسارة في الكفاءات البشرية وما لها من مضمون تكنولوجي، وانتقالها إلى العالم الصناعي المتقدم، تزايدت بشكل لافت للانتباه بعد الحرب العالمية الثانية، وكانت لدول الشمال سياسة خاصة لاجتذاب الخبرات المهاجرة من مختلف الدول؛ بحيث يتم ذلك في إطار من التخطيط الواعي وعلى أساس انتقائي.

وقد بلغ الأمر خلال النصف الأول من الستينيات في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، أن الأطباء والجراحين القادمين من الدول النامية كانوا يمثلون 50% والمهندسين 26% من مجمل القوة البشرية المضافة إلى الرصيد القومي من هذه التخصصات، ووفق تقارير الأمم المتحدة، فإن أمريكا وكندا وبريطانيا تستأثر بنسبة 75% من جملة التدفق في العقول والكفاءات المهاجرة من العالم النامي.

ووفق تقرير للكونجرس الأمريكي، فإن الولايات المتحدة حققت وفرًا في نفقات التعليم والتدريب يقدر بمليار دولار سنويًا في أوائل السبعينيات؛ بسبب هجرة كفاءات الدول النامية إليها، وهو ما يكاد يكون صورة عكسية للمعونة الأجنبية التي تتدفق من الدول النامية للدول المتقدمة!!!

وبرغم أن هذه المشكلة تعانيها الكثير من الدول النامية، فإن بعض هذه الدول لم يستسلم لهذا الخيار المر وتنبهت مبكرًا إلى قيمة تجمعات مواطنيها في بلاد المهجر؛ مثل إسرائيل والهند وتركيا وكوريا الجنوبية وباكستان وماليزيا وإندونيسيا، فعقدوا معهم صلات وثيقة عادت على أوطانهم بكثير من المكاسب العلمية والتكنولوجية.

هذه القضية من أهم القضايا التي تظهر بإلحاح في كل مناسبات الحوار بين دول الشمال والجنوب في إطار الأمم المتحدة، ضمن الاجتهاد العالمي الذي يرمي لإصلاح الخلل الاقتصادي بين أهل القمة وأهل القاع، ولكن لم يعرف لها حتى اليوم مواجهة علمية عالمية سوى مشروع برنامج الأمم المتحدة للتنمية، المعروف باسم "توكتن"، وهو فكرة مصرية طُرحت في الأصل على الأمم المتحدة، والذي يسعى لنقل المعرفة والخبرة عن طريق المواطنين المغتربين..

والغريب أن الاقتراحات التي تعرضها الدول النامية لتقليل خسائرها من سياسة نزف العقول التي أصابت قواها البشرية لم تلق آذانًا صاغية من دول الشمال، وباستثناء مشروع "توكتن"، يطرح البعض فكرة إنشاء جهاز دولي تتلقى الدول النامية من خلاله إتاوة تعويضية، تدفعها الدولة المستفيدة بالعمالة المهاجرة، ومن المقترحات أيضًا إمكان تحويل جانب من ضرائب دخل هذه المهارات، وكذلك مدخراتهم في الدول المستفيدة إلى الدول المنتجة لها، ويكفينا القول إن نصف قيمة جائزة نوبل من العالم المصري أحمد زويل في أكتوبر 1999 التهمته الضرائب الأمريكية، وبرغم مرور سنوات طويلة على نيله الجائزة لم يمهله القدر ليرى ثمرة جهوده العلمية لخدمة وطنه!!

ولعله من المناسب الآن الدعوة لإنشاء روابط مهنية في بلاد المهجر، وإعداد دراسة لمتطلبات المرحلة المقبلة لبناء قاعدة تكنولوجية لمصر من التخصصات المختلفة؛ بحيث تستوفي احتياجات الوطن من التخصصات العاملة في أنشطة البحث والتطوير من علماء المهجر، أو قبل تصدير هذه الكفاءات..

خلاصة القول: إن لمصر قاعدة علمية متميزة في دول المهجر، وإنه لا يمكن وقف تدفق العقول المصرية إلى الغرب ما بقيت فرص الاستفادة منهم ـ برغم اتساعها حاليًا ـ قائمة، بل ينبغي استثمار خبرة هؤلاء العلماء بمشاركة أقرانهم في الداخل لصنع مستقبل علمي لمصر أكثر وعيًا بمتطلبات القرن الجديد والمرحلة التي نعيشها.

مقالات اخري للكاتب

السيد "روبوت" العاطفي!

أصبحنا نُفضفض "أون لاين" ونحكي مشاكلنا "أون لاين" ونبحث عمن "يطبطب" علينا "أون لاين"، مع إن أقرب الناس إلينا في الغرفة المجاورة هم الأولى بذلك، ولولا وسائل

ويسألونك عن القيلولة!

من يعود بالذاكرة إلى مظاهر حياة المصريين قبل عقود مضت، سيجد أن من بين العادات الصحية التي سلبتها دوامة الحياة هي "نوم القيلولة"، فقد كان مشهدا يوميا مألوفا رأيناه في الآباء والأجداد..

ملابس المستقبل .. ذكية!

"ملابسنا تحددنا" مقولة مهمة للأديب عباس العقاد، بمعنى أنها تكشف عنا وتوضح هويتنا، ويؤثر عن أحد الفلاسفة قوله " الملابس تؤثر على مشاعرنا وأمزجتنا"..

مسافر زاده الخيال!

كل إنسان فى داخل عمره، عمر "تانى"، تتراجع معه سنوات عمره للوراء فى لحظات السعادة، وقد يتجاوز سنوات عمره الحقيقى حين تُعجزه مطالب الحياة، أو تصدمه ردة فعل من كان ينتظر منهم فقط حفظ الجميل، وليس رده ..

أول روبوت "صحفي"!

هل تتذكرون "صوفيا"، ذلك الروبوت الذكي الذي يفكر ويتكلم ويجري حوارات مفتوحة.. في إحدى حواراتها سألها مذيع سؤالا، ربما رآه البعض ساذجًا "هل تريدين تدمير البشر؟"، لكن ردها جاء مُفحما.. "نعم .. أريد تدمير البشر!!".

نهاية عصر الهواتف الذكية!

لو عدنا بالذاكرة لـ 30 عاما مضت، سنجد أن التليفزيون والفيديو وكاميرا التصوير التقليدية أو الديجتال والكاسيت والتليفون الأرضي، كانت وسائل التواصل مع العالم الخارجي في البيوت، وفي فترة زمنية قصيرة جدا جمعها الهاتف الذكي في جهاز واحد بحجم كف اليد، وبكفاءة تفوقها مجتمعة.

شريحة تغير دماغك!

قبل أن ينتهي العام الحالي بكل سوءاته، ووسط ركام الدماء والدمار والاستقطابات والتجاذبات، التي صارت مرادفًا لكلمة "نشرة الأخبار"، يأتي الإعلان عن شريحة Neuralink،

مدرسة العلاج بالدموع!

قديما قال الفيلسوف اليوناني أرسطو "إن البكاء ينظف العقل"، كما كتب شكسبير "أن تبكي هو أن تخفف من عمق الأحزان"..لكن فى الشرق نشأنا على حرمة البكاء وبأنه من "شيم النساء"، وهو ما يجافي تماما ما ذهب إليه موروثنا من الشعر والتراث العربى، بل وما ورد ذكره فى مواضع كثيرة من آيات القرآن الكريم.

العالم قبل وبعد 30 عاما!

في مطلع ثمانينيات القرن الماضي كانت هناك شركة عربية ملء السمع والبصر في مجال الكمبيوتر، هي "صخر"، فأين هي الآن؟ رغم أنها كانت صاحبة الفضل في إدخال الكمبيوتر للمنازل العربية، ووصفت بأنها "مايكروسوفت العرب"، لكن لم يشفع لها التواجد على الساحة لأكثر من 20 عاما على البقاء لأنها لم تتطور، فاختفت.

حياة تبحث عن حياة!

قد يستغرب الكثيرون، لماذا هذا التزاحم لإطلاق رحلات نحو المريخ في خلال شهر واحد؟، أما كان من الأولى استكشاف المجهول في مناطق كثيرة من الكرة الأرضية؟، أليس من الأولى توجيه مثل هذه المليارات لتحسين حياة البشر على الأرض؟

حياتنا النفسية في عالم الحيوان!

حين نسمع ونرى أبناء يفرون هاربين من أمهم ويدعونها تصارع الموت وحيدة مع كورونا.. وحين نجد شخصا منزوع الرجولة يستأجر بلطجيا ليشوه سمعة زوجته "الشريفة" حتى

2020 في توقعات الخيال العلمي!

مخطئ من ظن يومًا أن عام 2020 قد يتوارى في ذاكرة من عايشوه، فما ورثه من "كوفيد"، رغم انتسابه للعام 2019، لكن ما خلفته هذه الجائحة من المؤكد أنها لن تغادر ذاكرة البشر أو تتوارى خلف مزيد من الذكريات، ولو بعد حين.

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]