ثقافة وفنون

لغتنا المهدور دمها

10-9-2017 | 11:41

طه حسين

صبحي فحماوي

لا أعرف ما إذا قال طه حسين عبارته "لغتنا الجميلة" لأنها كانت جميلة بسيادتها على نطق العرب وكتابتهم، أم لأنه كان يشعر باستضعافها، فأراد أن يدعم تقويتها وسيادتها على سائر اللغات التي كانت وما تزال تغزو لغتنا في الوطن العربي.


ولا أفهم سر ابتعادنا عن لغتنا الجميلة، سواء بالحديث أو بالكتابة، في الوقت الذي يصر غيرنا في كل بلد أجنبي على أن يتكلم كل بلغته الوطنية، فمنذ أن كان العثمانيون يضموننا لإمبراطوريتهم، كنا نتكلم كثيرًا من كلماتهم التي ما نزال نستخدمها مثل أفندي، وبك، وباشا، وكلمة "طز"، التي معناها ملح وغيرها كثير.

ومنذ أن كان الإنجليز يستدمروننا ولا أقول يستعمروننا، صرنا نستخدم في الشارع كثيرًا من كلمات لغتهم، مثل؛ (يس) بدل نعم، (أوكي) بدل موافق، (ترين) بدل قطار، وهكذا..

وأما عن البلاد العربية التي استدمرها الفرنسيون، فحدث ولا حرج، إذ كانت اللغة السائدة في بلدان المغرب العربي هي الفرنسية، وما يزال ذلك في بعضها، وحتى اليوم، تذهب إلى المغرب العربي، فلا تفهم من كلماتهم الدارجة سوى القليل، والباقي كله بالفرنسية.


وفي الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، كانت معظم لافتات المحلات التجارية في دول الخليج الواقعة على شواطئ الخليج، مكتوبة باللغة الباكستانية أو الإيرانية، أو الهندية.


وبالمقابل تذهب اليوم إلى تركيا، فلا تجد أحدا يتحدث بلغة غير التركية، رغم أن لغتهم قد تم تركيبها في عهد مصطفى أتاتورك بحروف أوروبية، بعد نهاية الحرب العالمية، وكانت قبل ذلك بحروف عربية، تسألهم عن أي شيء فلا يجيبونك بغير التركية، تجدهم هم الذين يحتاجونك لتشتري منهم، ولكن اعتزازهم بلغتهم أهم عندهم من البيع الذي هو عصب تجارتهم.

تذهب إلى فرنسا، فتجد الفرنسيين المُتّحدين مع الأوروبيين في "الاتحاد الأوروبي" لا يتحدثون إلا بلغتهم، فلا يعتمدون الإنجليزية ولا غيرها في الحديث حتى الحديث السياحي لديهم بالفرنسية.

وفي إيطاليا ذهبت إلى صيدلية أشتري دواء، كلمتها بالإنجليزية التي أعرفها - طبعا انس اللغة العربية، فهي كالعملة غير المستعملة- قلت أتحدث بالإنجليزية، ولكن الصيدلانية رفضت الحديث إلا بالإيطالية رغم حاجتها لبيع أدويتها.


وكان الذي حصل معي في ألمانيا شيء لا يصدق، إذ كنت قد نزلت وحدي في محطة قطارات فرانكفورت، قادمًا من مؤتمر تجاري في برلين، وأنا لا أعرف اللغة الألمانية. ومن هنا سأتجه إلى المطار للسفر إلى عمان. سألت رجلًا ألمانيًا بالإنجليزية عن مكان ركوب قطار الأنفاق، الذاهب إلى المطار، فأشير لي أنه لا يعرف!

سألت آخر، فأجاب بالإشارة نافيًا معرفته! سألت سيدة تسير مستعجلة أمرها، فلا تتوقف، فأشارت برأسها بعدم المعرفة. حفي لساني لتكرار السؤال لعدة أشخاص. 

ولكن أحدهم تكرم عليّ فأشار بإصبعه إشارة دون حديث، أن استعلامات المحطة هناك، استغربت الأمر، هل يُعقل أن الناس كلهم الذين تغص بهم هذه الساحات لا يعرفون كلمتين بالإنجليزية، وليست العربية المغضوب عليها، والتي سامحْنا بها، فرَطنّا بغيرها، ليدلني أحدهم على الطريق؟ وهل هناك عداء بين اللغتين الإنجليزية والألمانية، كي يرفض الألمان تقديم المساعدة المعلوماتية بتلك اللغة؟

 أحمل حقيبتيّ غير المتوازنتين بثقليهما نحو استعلامات فرانكفورت. صف طويل، أقف فيه في انتظار الوصول إلى مصدر المعلومة. نصف ساعة من التقدم في الصف.

خطوة خطوة. أصل إلى الكوخ، فأسأل بالإنجليزية الرجل المنهمك داخله بخرائطه وبنظارته التي يشغله خلعها ثم تثبيتها فوق أنفه الشَّعور، وبسماعته التي يتحدث بها من وراء زجاج ثقيل عن كيفية وصولي إلى المطار، فيشير شَعورُ الأنف بإصبعه إلى أعلى. أنظر إلى أعلى، فأقرأ بالإنجليزية:
"الاستعلامات باللغة الألمانية فقط! (Information only in German language)" يصدمني ما أقرأ! يخنقني هذا الضياع وسط مدينة تغص بالأجانب!

وبالمقابل فإذا مشيت في شوارعنا في أي بلد عربي، ولنأخذ عمان مثلاً، تجد أن معظم لافتاتها التجارية مكتوبة باللغة الإنجليزية، رغم أن الأغلبية العظمى من زوارها هم عرب.

لماذا تزين المحلات التجارية بهذه اللغة الأجنبية؟ أنا لا أفهم! ولماذا يتحدث حتى السائقين في الشوارع في بلادنا بالإنجليزية؟ أنا لا أفهم!


وكنا نحن في رابطة الكتاب الأردنية قد ذهبنا إلى أمين عمان الأسبق، وطلبنا منه تعريب اللافتات التجارية، أو على الأقل وضع رسوم مضاعفة على اللافتات المكتوبة بلغة أجنبية، لعل البلدية تستفيد من هذا الريع، فتقلُّ اللافتات الأجنبية.. فقال لنا أنه يريد أن تكون عمان مدينة (كوزموبوليتانية).


ما معنى كوزموبوليتانية؟ ولماذا نريدها أن تكون كوزموبوليتانية وليست عربية؟ أنا لا أعرف..
ولترسيخ استخدام اللغة الإنجليزية شعبيًأ، انتشرت المدارس الإنجليزية الهوى واللسان في كل مكان.. تسألهم: "لماذا يتم نشر اللغة الأجنبية بهذه القوة؟" يقولون: "نريد أن يكون أولادنا أقوياء في اللغة عند دخولهم الجامعات".


وبالصدفة تحدثت مع دكتورة تُدرِّس في الجامعة الأمريكية في عمان، قالت لي إنها تضع أولادها في مدرسة عربية.. سألتها، وكيف سيفلحون عند دخولهم جامعتك الأمريكية لاحقا؟ فقالت إنها وجدت أن طلاب الجامعة المتخرجين فى مدرسة عربية، يجيدون اللغة الإنجليزية في الجامعة، مثل، ولا أقول أحسن من الطلاب القادمين من مدارس إنجليزية.


إذن ما المشكلة؟ يبدو أننا نعود في التفسير لقول ابن خلدون في مقدمته، إن المغلوب يقلد الغالب في كل شيء.. قلت: " ليتنا نقلد الغالب في صناعته وتجارته.. ولكننا نقلده بمزيد من الانبطاح مع سبق الإصرار والترصد. يا ويلنا من مستقبلنا المهدور".

---

صبحي فحماوي

(كاتب من الأردن)

اقرأ ايضا:

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة