• رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة
  • رئيس التحرير: محمد إبراهيم الدسوقي
اخر الأخبار

رسالة من تحت الماء

11-9-2017 | 11:312289

رسالة من تحت الماء

11-9-2017 | 11:312289
11-9-2017 | 11:312289طباعة

افتحي لي حبيبتي أشرعة الحلم أعبر بها عباب الأمكنة والأزمنة. أنسج من شراييني سجادًا فارسيًا، وأسجد لقلبك متهجدًا كل فجر. أركع سموًا حتى أعانق السحاب لأغسل كل خطايا العشيرة، وأمسح أسماء القتلة من ذاكرة الأطفال والصبايا، ثم أطبع قبلة على بريق عينيك. هدّئي حبيبتي من روع هذا البحر العاثر، الغادر، بأعماقك . زبده يغرق آهاتي، وموجه الغاضب يغمرني، يهزني، يزلزلني.

كفكفي دمع هذا البحر فيك. نغماته مدّ وجزر. يجرفني لحن الخلود، وأنا أعزف على موجاته المتلاحقة، سمفونية السقوط المنتظرة. ثائر هو فيك، يضرب بغضب أعمى كل الأماكن. ثائر هو شوقي إليك، يهزني حنينًا، أكتوي بنار زبده، يشدني موجه من جديد إلى عمق اليم. عمقك، ينتشلني وأجدك. غارق أنا في حروفي الغائبة، وصرختي عند اللقاء، سأرسمها بزبدك، ودمك وصيةً للعشاق وللشعراء في زمني الأعمى، وأنا أتحسس طريقي إليك.

مقالات للكاتب



افتحي لي الأبواب على مصراعيها، حبيبتي، دكّي جدران الحزن، وانسفي حصون الخطايا، وافتحي حضنك بوابل من قُبَل. وعند اللقاء، سأغرف من سلسبيل عينيك نورًا، أمسح به جبين العذارى، حتى تتوب العشيرة وتسكن الذاكرة، وتكتب صرختي دستورًا للوجود. أقف على حافة انتظاري وسقوطي حبيبتي. ضاقت بي جدران قوقعتي. منفاي حنينٌ وشجن، وهمسي لك نبضٌ يدق اسمك في المرة ألف مرة، فتطرب روحي وتزداد تصوفًا في محراب عشقك. ناسك هو قلبي، متعبد في بحر صفائك. أنت لي وطن، أرنو إليه حبيبتي، فلا تتأخري في كسر كل الأبواب المغلقة.

أشعر بك حبيبتي، وبكل الحزن والهم الذي يسكنك. كم تمنيت أن أمسح دموعك بقبلتي، وأجعل من حضني ملاذًا لك، كما هو حضنك لي. كلّ صباح أردّ تحيتك بتحريك رأسي إلى ملمس أناملك، وقد تتلاقى أيدينا من وراء الغياب. كم حلمت بيدي تمتد وراء البحر وتعانقك حدّ السكينة، قريبًا حبيبتي، تبتلع الأرض البحر، وأسقط أنا، ابتسامة، أرسمها لوحةً فوق شفتيك، ودمعةَ فرحٍ، تغسلين بها وجعي. أسمعك تتنهدين، فأباغتني وأنا أتلصّص على آهاتك، أمد يدي ورجلي بكل عصبية. أصارع الموج، وأوجه لكمات للقدر. أوليس هو من أوقعك في براثن ثعلب يهوى القفز على أوتار الحب، ممسكًا بحبال من كذب؟

هل هو الوحيد الذي غرِّر بك؟ أم هي الدنيا تلاعبت بك وقذفتك كرة تهزها رياح البؤس، ورمت بها في متاهات لا تنتهي؟ ربما أنا حلمك الوحيد الذي تتحقق به كل أحلامك الموؤودة والمؤجلة. سنحضن أحلامنا معًا، ونرعاها حتى تكبر، ويكبر فيَّ أملي بنزع كل أشواك القدر التي تدميك. أعدك حبيبتي، سأحضر معي من سفري، خيوطًا من رحم الوجع، أرتقّ بها كل نتوءات أحزانك.

معرفتي بك بحساب السنوات، بضع شهور. قد تقولين إنني أجهل عنك كل شيء. لا حبيبتي، أنا أعرف عنك ربما ما لا تعرفينه عن نفسك. تَنَفّسْتُكِ آهات ودموعًا ونواحًا وشجنًا، حتى دردشاتك مع صديقاتك البئيسات أيضًا، وأنتن تتركنّ ضربات قلوبكن لترتاح بعد جلبة وضوضاء وضباب وحرارة. كنت أشعر بك وأنت ترتجفين من الغضب، وتلك السيدة التي تلبس أرطالًا من اللحم والشحم، تزكمك رائحتها الكريهة. تصطنعين ابتسامة باهتة وأنت تدعكين ظهرها وقدميها وجسمها وجلده الميت كما هو قلبها الذي لم يرمش أبدًا لعذابك.

تبتسمين وقلبك يعتصر ألمًا وتستمعين لترهاتها وهي تحكي عن سفرها لفرنسا، وطقم الكريستال الجديد الذي أحضرته من تركيا، وبدلة الرقص. رأيتك تضحكين من قلبك وأنت تتخيلينها تتمايل وبدلة الرقص تحتج استنكارًا، ثم صحوت على سؤالها البليد، كيف تحتفظين برشاقتك رغم وضعك؟ هناك أكيد سر؟. ابتسمت لها ابتسامة مريرة. اختزلت كل الظلم بتفاصيله، وأجبتها، أنه الجوع سيدتي، ريجيم الفقراء. أظننا أكثر إيمانًا منكم أنتم المترفين، فنحن لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع. هذا إذا وجدنا فعلًا ما نسدّ به رمقنا. أجابتك السيدة باستفزاز: لا
_ هنا، عندنا فبلادنا، الحمد لله حتى حدّ ما تيموت بالجوع.

أجبت وأنت تريدين أن تنهي سجالًا عقيمًا:  بلى، سيدتي، هناك من يبحث في قاذوراتكم كي يقتات، وهناك من اقتات بحياته حتى يترك الجوع للأبد، هو يودّع حياة لم يعشها. أعوذ بالله، أجابتك السيدة مفزوعة، أنت شابة جميلة، والله يعفو عليك من هاذ الصهد والخدمة بالحمام.

دغدغتني كلماتك وأنت تجيبينها: نعم سيصالحني القدر، والقادم بالتأكيد أجمل، وتبعثين لي بقبلة طائرة. امتطت ذرات البخار. انسلت من مسامات الجدار وحطّت على جبيني بردًا وسلامًا. كنت أراك بعتمة الليل، وأنت تعودين مثقلة بهمك وتعبك. تسرعين الخطى نحو غرفتك اليتيمة. تتلفتين ذات اليمين وذات الشمال، خوفًا من شبح غادر قد يؤذيك، ثم وأنت ترتمين فوق كنبتك المتهرئة كما أنت، ودون أن تتحرري من ثياب كبّلتك برائحة العفن والبخار. طول اليوم تعدّين دريهماتك. تضعينها بصندوق كبير. تطمئنين على أخواتها، وتحلمين بالمزيد من الهدايا لي، ومن أجل أن تلاقيني بحلمك. كنت تستعجلين النوم.

- أنت هديتي، حبيبتي ولا أريد سواك. أكتفي بحضنك وبريق من عينيك.

كنت أسمع تنهداتك وأنت بسريرك البارد إلا من حزنك، ووحدتك، يوم تنكّر لي ولك القريب والبعيد. تتدثرين بحلم لقائي، فيسري الدفء فيك وفي. تقطّبين ثم تبتسمين، وبلغة الشوق تصدحين وتغنين، فتملئين كوني ضياء وبهاء. أتوجك أميرة صيرورتي وكينونتي يا ملاك الدهشة والحب.

كانت جميلة، فوق طاولة الولادة، بعد أن اشتد عليها ألم المخاض. تتصبب عرقًا، وهي تعض على شفتها السفلى، وتأبى الصراخ. تتألم بلذة وهي تستعد لاستقبال حبيبها. حملته في أحشائها وقاسمته اللقمة والهمسة واللمسة. سعيدة هي كانت بحملها، وبجنينها. لم يحضر أبوه، بعدما تبخر في الأرض الواسعة، وتهرب من مسؤولياته، وهي في شهرها الثالث. لن تكون وحيدة بعد الآن، ستهبه حياتها وتعلمه أن يكون رجلًا لا يخلف الوعد ولا يؤذي أبدًا قلبا أَحبّه. ستربيه على الوفاء للكلمة واحترام المشاعر. ستعلمه أن يحب بصدق ويحترم كل النساء.

ناولتها المولدة رضيعها. كان ينظر إليها بحب، قشعريرة من السعادة لَبِسَتْها وهي تضع حلمة نهدها في فمه. نظر إليها، ودار بينهما حديث صامت شجي. أمسك بيده أصبعها، وابتسم لها وعيناه تسألها، هل وصلتك رسالتي يا أحب الناس، وأنا في أحشائك. أقرب إليك من حبل الوريد؟ كنت أشعر بوجعك وبحر مياهك من حولي يثور ويموج، ثم فجأة انساب بين ضفتيك وأنا أسبح إليك من الظلمات إلى النور، وسقطتُ من شلالك سقطة الحياة، رُفِعْتُ إليك، وكنتِ وأصبحتِ وستظلين عالمي ومركز الكون.
----
زهرة عز
(كاتبة مغربية مقيمة في كندا)

اقرأ ايضا:

رسالة من تحت الماء