ثقافة وفنون

صورة العالم في رواية "ستيغماتا"

4-9-2017 | 22:51

غلاف رواية "ستيغماتا"

عزوز علي إسماعيل‎

"ستيغماتا" رواية للكاتبة منال عبدالحميد، طباعة دار غراب، وهي رواية ماتعة بفكرتها، وجرأة تحسب لها، بتناولها ما يمس عقيدة الآخر، أيًّا كان ذلك الآخر، ولكنها لم تتناول تلك العقيدة بما يسوؤها، بل تناولت ما يميز تلك العقيدة بصفة بعينها، أو ما يقارب ذلك من طرح لمعنى سيجماتا، والتي تعني ظهور علامات وندوب وجروح تشبه جروح وندوب السيد المسيح عليه السلام حين صلبوه "طبقًا للعقيدة المسيحية" وحاولت أن تقرأ تلك الجزئية، من خلال رؤيتها للعالم، مع إسقاطات ذكية على الواقع المعيش.

فقرأت هذه الجزئية وفق رؤيتها لما عليه الحال في هذا العالم، الذي نحياه من أقوام قد ارتفعت منزلتهم، ثم هوت والعكس كذلك، وما كانت تلجأ إلى ذلك إلا بعد أن فهمت ما تعنيه أولًا من تلك اللفظة "ستيغماتا" لتأخذ منها الانطلاقة أو العلامتية، لتجعل من العمل أيقونة ثقافية وإبداعية كانت الهرمنيوطيقا طريقًا مؤزرًا في إخراجها.

فقد جعلت الكاتبة منَّا جميعًا أبطالًا لهذا العمل، وأيضًا جعلت منَّا قراء لهذا العمل، ورسمت بريشتها صورة كبرى لعالم يملؤه الحب، وفي الوقت نفسه لعالم يملؤه القتل والدم، عوالم مختلفة تبدو متناقضة أحيانًا، ولكنها ليست كذلك، بل إن الصورة متكاملة، وكل ما فيها له دور رئيس في العمل، حتى ولو كانت خلفية الصورة، وما رسمت به من ألوان مختلفة عاشها البشر شمالًا وجنوبًا شرقًا وغربًا، إنها الحياة بكل ما فيها من حب وكره، سعادة وشقاء.

لقد تناولت الكاتبة تلك الظاهرة بطريقة نفسية مع وجود بعض الخوارق، والتنبؤات التي لا يعلمها أحد إلا من لديه حس مرتبط بعالم الروحانيات الخفي تنبؤات غامضة عمدت إليها الكاتبة بطريقة تحسب لها، فتلك الظاهرة تظهر عند بعض المسيحيين، وهي في عرف الكنيسة الكاثوليكية معجزة في حد ذاتها، ومن تظهر عليه تلك العلامات، فهو بالتأكيد مقرب من السيد المسيح، وقد عايشتنا الكاتبة عبر هذا العمل في أجواء معظمها آلام وكآبة، ولم يكن هناك أي اطمئنان لفقرة من الفقرات، بل كان التشويق لمعرفة المزيد مع الاضطراب الداخلي للمتلقي.

إسقاط الحقيقة على الواقع من خلال البطلة "تريز يوسيبو"، ذلك الاسم المأخوذ من القديسة "تريز نيومان"، وهي من أشهر من ظهرت عليهم علامات السمة المقدسة، تأتي بها الكاتبة لتوضح فكرتها في ذلك الحكي تقول الكاتبة "ماذا يحدث لك يا "تريز" أملاك وراءك أم شيطان مخوف"ص29.

وتستعذب "تريز يوسيبو" الألم حبًا في الرب المخلص، ورضا منها، فهي قد رأت "يسوع" في منامها، وهذا يكفيها فلا شيء يساوي ذلك الأمر العظيم في رؤية السيد المسيح في المنام، "يسوع بنفسه هو تعويضها، وهو مكافأتها.. كانت لا تزال غير مصدقة للمنحة العظيمة التي نالتها ليلة الجمعة الماضية، حينما رأت "يسوع" راكعًا في البستان، تخيلت أنها تتوهم أو تتمنى "ص30.

تألمت تريز كثيرًا حتى ظهر على جسدها تلك العلامات المقدسة، فقد رأت جرحًا جافًا في جسمها، وحين لمسته أحست باشتعال النار، وبدأ ذلك الجرح ينزف دمًا، وفي الوقت نفسه، كانت تدعو الرب ألا يخفف عنها ما هي فيه.

وقد كانت تريز في حياتها، تخاف من الخالق العظيم، وتصنع كل ما من شأنه أن تتقرب إليه.. وحين رأت تريز ذلك الوجه غير الغريب عليها في طبق حسائها في بيت عمها أناتولي، بدأ تتفهم الأمر قليلًا، وبدأ تتساءل مع نفسها، من يكون صاحب هذا الوجه، وتلك اللحية المنمقة الجميلة، تسمرت في مكانها من هول ما رأته، ولم يظن أحد أنها على صواب، وأنها قد مسها نوع من الجنون، ذكرت ذلك لزوجة عمها "تشاليا" وقالت لها، إنها رأت "الرب" وتحدثت معه، ولكنها خشت على نفسها من قسوة زوجة عمها، حتى لا يطالها الضرب والتعذيب منها، واضطرت الفتاة إلى الكذب.

وهكذا، هم القساة الذين يجبرون الضعاف على الكذب إرضاء لهم، وإلى رغباتهم، فلم تصدق زوجة عمها بما حكته لها من قبل، عن ذلك الأمر الذي حدث معها، ولم تنته نظرة الاستعلاء من زوجة عمها "تشاليا" وكانت دائمًا تنهرها، وتحاول النيل منها، وتعييرها بأنها صاحبة الفضل عليها، فلولاها لأصبحت تريز في الشارع بحكم أن أمها ماتت ووالدها في السجن، ولم يكن لها إلا بيت عمها، ودائمًا ما كانت تقول لها أيتها "الكاثولوكية".

وحين حاول ابنها معرفة ما بيدها، رفضت تريز ذلك، ووصفته بالقذر وشكى لأمه ذلك باكياً فنهرتها زوجة عمها قائلة لها: "كيف تجرئين على وصف ابني بالقذر أيتها الكاثولوكية؟! ألا تعرفين أنه لولا إحساننا وعطفنا عليك، لهمتِ في الشارع مشردة بعد مقتل أمك، وسجن أبيك"ص68.

لم تكتف زوجة عمها بذلك، وإمعانًا من الكاتبة في رؤية العالم الذي يأكل فيه القوي الضعيف، نرى زوجة عم تريز تصر على أن تترك المدرسة التي لوثت عقلها، على حد تعبيرها، وهذا التجبر، وذلك الطغيان، هما ما جعلا تريز تعيش في خوفٍ دائمٍ، ولم يكن لها منجيًا ولا مخلصًا إلا الرب، وتؤكد الكاتبة على تلك الجزئية بأن تريز وأمثالها كثيرون.

وقد كانت معلمتها بلينسترا تحبها جدًا، ودائمًا ما توليها اهتمامها، ولاحظت معلمتها "بلينسترا" عليها بعض الوجوم فحاولت معرفة ذلك فأخبرتها بأنها رأت "الرب" المخلص "يسوع" لقد رأيت "المسيح" بنفسه!"ص60.

ففرحت معلمتها كثيرًا، ورأت فيها علامات الطهر والنقاء، لأنها كانت تخشى الله في تصرفاتها، ولكن القدر هو من جعلها تعيش في بيت عمها أناتولي، الذي لم يرحمها، ولم يرحم ضعفها، وزوجته تشاليا تلك الزوجة المتجبرة التي أذاقت الفتاة كل أصناف الذل والعبودية، وفي الوقت نفسه، كانت تتفاخر بنفسها وبكل ما تملك على جيرانها وأقاربها، خاصة في حفلاتها ودعواتها لهم لإظهار ما لديها من مأكل ومشرب ومسكن ليس لدى الجميع مثله، وتحاول تبيان ذلك جليًا للعيان..

وهو ما نراه رأي العين عند البعض، وعلى النقيض، نراها لا تلقي بالًا بتريز، تلك الفتاة المسكينة التي التزمت حجرتها بالأيام لا تخرج منها، وهي لا ترجو إلا الرب المخلص من الظلم الذي حل بها من بيت عمها، وعلمت علم اليقين، أنه ليس هناك حنان يساوي حنان الأم والأب.

وفي ظل احتفال زوجة عمها، وفي وسط تلك الجلبة والصخب، جاء الرد الرباني على أفعالها، فمهما تمادى الظالم في ظلمه، يأتي وقت ويقتص منه الله، إنها صرخة مدوية وقف الجميع مذهولين لا يعلمون ما الخطب، لتتأكد تشاليا بعد ذلك، أن هذا الصوت هو صوت ابنها "هو فن".

يقف متسمرًا أمام غرفة تريز، وقد أصابه الألم والشحوب الذي غلف بشرته الناعمة، والأمر المرعب للجميع، أن هناك نورًا قد خرج من غرفة تريز، التي كانت متسمرة كالموتى، وقد نضحت من قدميها دماء حمراء غزيرة، كعلامة من علامات السمة المقدسة، ولكن تشاليا لم تكن على علم بها.

وصل الحال إلى إيداع تريز مصحة نفسية، ظنًا من عمها وزوجته أن يتخلصا منها، ومن أوهامها، ومما يحدث لها، وكأن بها اضطراب نفسي، ولكن العم أدرك في نهاية الأمر، أن هناك معجزة تحدث لابنة أخيه من خلال تلك الهالة البيضاء التي تأتي لها، والتي شوهدت عبر كامير المصحة، بأن هناك من يتحدث معها ثم تظهر تلك العلامات المقدسة من نزيف في الوجه، يعقبه كلمات من تريز "من أجلك أنت ومن أجل العالم كله". تتحدث إلى المخلص.

جعلت الكاتبة من الأحداث الجانبية طريقاً آخر، لتعبر من خلاله إلى تلك الآثار الباقية على وجود دماء، حيث عجت الرواية من أولها إلى آخرها بالموت والقتل، ثم العودة من الموت والقتل إلى الحياة مرة أخرى لنعايش واقعًا ميتافيزيقيًا، تحاول من خلاله رؤية العالم على حقيقته فالظلم الذي وقع على مايكل أخو ماريا كانت نهايته وخيمة، فقد مات مايكل بسبب عنف ماريا حين حبسته ولم ترحمه، بفتح الباب للخروج لتتفاجأ بموته، ثم يعود إلى الحياة بعد فترة لينتقم من ماريا، تلك الأخت التي لم تبك عليه مطلقاً، ولم تبد أي دهشة أو استغراب حين مات مايكل، وكأنها تريد أن تقول لنا، إن المظلوم لو أعطي فرصة أخرى للعودة لانتقم ممن ظلمه، وهكذا فعل مايكل بأخته ماريا.


فقد أحدث بها تشققات في جسدها لتنضح بالدماء من كل جانب من جوانب جسمها، ليصاب الأهل بالذعر مما حدث لها، وهكذا تظل الكاتبة في سردها مع وضعها في الاعتبار، أن هذا السرد من ورائه هدف عظيم، هو كيف ترى هي العالم من خلال ذلك الظلم الواقع على بعض البشر، وكيف السبيل من الخلاص منه، فليس هناك مخلص إلا الرب الذي بيده تخليص الناس من الظلم الذي وقع عليهم ويقيم العدل بين الناس.

اقرأ ايضا:

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة