متى تجفّ أقلام المبدعين؟.. كُتّاب يبوحون لـ"بوابة الأهرام"

5-9-2017 | 15:06

متى تجف اقلام المبدعين‎

 

منة الله الأبيض

يقولون إن من يكتب، كمن حفر بقلمه طريقًا مرصوفًا بالمتاعب، ويقولون أيضًا، إن الكتابة هم وشفاء في آن واحد. ثمة مبدعون ، قرروا أن يتوقفوا عن الكتابة ، رافعين الراية البيضاء ومعلنين وفاة قلمهم، بكلمة "النهاية"، وآخرون أعجبتهم اللعبة، وأبوا ألا يفارقوا الحلبة، حلبة الحروف ولعبة النفس الأطول.

السؤال الجوهريّ الذي يجب أن يلتفت إليه كلّ مبدع، كما يقول الشاعر والمترجم محمد عيد إبراهيم، هو متى يتوقف؟ أمامنا أمثلة كثيرة، أم كلثوم لم تتوقف حتى جاءها الأجل، محمد الماغوط توقف طويلًا، ثم عاد بديوان متوسط أضعف مما سبق، وبلند الحيدري أيضًا، توقف ثم عاد بديوان أقلّ مما كتب، آخر دواوين صلاح عبدالصبور وحجازي أقلّ بكثير مما قبله، أنسي الحاج حوّل وجهته الشعرية في سنينه الأخيرة إلى منطق (الشذرات)، أدونيس لا يزال يكتب، مع أن ما يكتبه لم يزد فنيًا عما كتبه قبل انصرام الألفية.

 أهي جرأة أن نواجه أنفسنا ونكفّ؟ أم ربما يظلّ لدى المبدع دائماً ما يقول؟ لكن الأساس ليس في ما يقول، بل الجدّة في ما يقول، بعيداً عن التكرار والإملال.


بالنسبة له، يحاول "إبراهيم" أن ينتبه، ويتريث، ويبطئ، ويفكّر مليًّا، عساه لا يقول ما كرّر قوله، فيقول: "أنا أصلاً مقلّ، كل أربع أو خمس سنوات ينعم الله عليّ بديوان، بعد مرحلة شحن معرفية وعاطفية طويلة، وتحنّن أمام باب ملاكة الشعر، لكن أن أتوقف تماماً وكلياً صعب الآن، فلا يزال لديّ الجديد، وربما يعينني على ذلك معاقرة الآداب الأخرى، حيث أظلّ أترجم بصورة شبه يومية، وأكتب مراجعات نقدية لبعض الدواوين التي أراها مناصرة لمتجهاتي الجمالية، تلك التي تهضم التراث مع ما بعد الحداثة في بلعة واحدة، وأتمنى من الله أن لا أسمع يوماً من أحد: تباً، إنه يكرّر ما كتب".

والكاتبة نهلة كرم ، ترى أن كل مبدع لديه طرق خاصة به وحده، تحفزه على الكتابة وتلهمه، ولديه أيضًا أشياء توقف خياله وتصيبه بما نسميه "متلازمة الورقة البيضاء"، فبالنسبة له هناك الكثير من الأشياء التي قد توقف خيالها وتجعله غير قادرة على كتابة حرف واحد، من بينها الحر، ففترة الصيف تُزعجها كثيرًا وتستنزف طاقتها وقدرتها على التفكير، لا يكون لها مزاج للقراءة أو الكتابة أو فعل أي شيء.

الانخراط في الحياة أيضًا، يصيبها بعدم القدرة على الكتابة ، بخاصة أن الكتابة لا يُعتمد عليها كمصدر دخل، ففي بعض الأحيان، يأخذ عملها جزءًا كبيرًا من الوقت، وتستنزفها تفاصيل الحياة الأخرى، حتى أنها كثيرًا ما تتوقف فترة طويلة عن الكتابة رغمًا عنها، ولا يكون الرجوع إليها ثانية بالأمر السهل أبدًا، فالأمر يتطلب محاولات كثيرة، وقد يقطع هذه المحاولات انشغال ببعض الأمور الحياتية أيضًا.

وهكذا تجد نفسها عادة في دائرة لا تستطيع الخروج منها، لكن ليس أمامها في هذا العمر سوى المقاومة والاستمرار.

لكن الشعر عند الفلسطينية ابتسام أبو سعدة (شاعرة)، نهر لا يجف، يبقى مِعطاءً غزير الهطول، تصيبه بعض الهفوات فقط، أو السقطات، ويسميها الشاعر فترات نقاهة، وتحررًا من الشعر، حيث يصمت قلمه قليلًا عن القلق، وتهدأ ثورته الهائجة في دواخله، وتعود ليعلو صوتها مجددًا، ويخلق حالة من فوضى الحواس والكلمات، فيرتلها قصائدَ فتيّة، يكتمل نضجها ذات هدوء، فإن قرأ كثيرًا، امتلأت قريحته بما يجود به حبره، وإن بخُل على شحن مخزونه الروحي، بخُل حبره وجفت معانيه، واهترأت تعابيره، وتراكيب قصيده.

هكذا تحدث نفسها وتقومها وتجلدها "أبو سعدة"، فحينما يتوقف الشعر عن النطق بلسانها، تعود له متلهفة لهفة المحبوب للقاء حبيبه، فما تجد منه إلا احتواءً يصعد بروحي للسماء، حيث تنسدل جدائل الشعر معلنةً مخاض نصٍ جديد، إذن فكيف للشعر أن يجف، وكيف للروح أن تهدأ، وكيف للشاعر أن يتخلى عن قلمه؟ هكذا تبوح "أبوسعدة".


من فلسطين، إلى كردستان، هل يجف قلم الروائي الكردي جان دوست ؟

يصف "دوست" المبدعين بالبراكين، حتى وإن بدوا خاملين خامدين فلابد أن يثوروا مرة أخرى. لا يمكن أبدًا أن يبقى المبدع صامتاً إلى الأبد، ولا يمكن لقلمه أن يجف. لا لشيء إلا لأن الكتابة كأي ظاهرة طبيعية، لا يمكن أن تنتهي إلا بانتهاء مبدعها.

الكتابة عنده تشبه المطر، فحتى لو بدت السماء بخيلة شحيحة بأن تجود به، إلا أنها تفاجئنا بين الفترة والأخرى، وعنده شمس أيضًا حتى لو غابت مساء، إلا أنها تعود للشروق في اليوم التالي.

بطبيعة الحال، يمكن أن تمر على المبدعين فترات يعجزون فيها عن التعبير، ربما لهول الصدمة أو لأسباب أخرى كثيرة، إلا أن أي كاتب لا يمكن أن يبقى صامتًا إلى الأبد، وما يبدو جفافاً ظاهريًا وعد بمطر وغيث مستمر.

الإجابة عند الكاتب السعودي عبدالله الوصالي ، تبدو تفصيلية أكثر، إذ يقول: "يحتمل جواب السؤال معنيين معنى فسيولوجي، وهو المتعلق بعدم القدرة البدنية عن أداء وظيفتها في اجتراح الإبداع، كإصابة المبدع بعلة ذهنية أو عطب جسدي، وهذا أمر محسوم بقدر العلة والإعاقة هذا من جهة".

أما من الجهة الأخرى، وهي السيكولوجية المتعلقة بطبيعة الإبداع فهي طبيعة لا تزال غامضة ومتمنعة على الفهم، أبدع البعض نصا شعريا كمالك ابن الريب ومات. أو رواية واحدة فقط مثل الروائية الأمريكية هاربر لي، على الرغم من أن روايتها "أن تقتل طائرًا محاكيًا" تعتبر من عيون فن الرواية في الأدب الأمريكي، وربما رواية مارجريت متشيل "ذهب مع الريح".

وعلى النقيض – كما يضيف "الوصالي" - استمر الكثيرون في الإبداع بعشرات الكتب والنصوص ذات القيمة العالية فنيًا وفكريًا، وأثروا في مسيرتهم الإبداعية الإرث الإنساني.


ومن وجهة نظر "الوصالي"، فإنه لا يمكن أن نحدد سنًا أو وقتًا للإبداع، أو ساعة رمل لتوقف معين المبدع، ولا يمكن التكهن بذلك فهو أمر غامض في الحقيقة، وهذا ربما سر جماله فَلو عرف سر، وكنه الإبداع وطريقة تخلقه لفقد الكثير من جماله!


ولكن هناك نقطة مهمة يحددها "الوصالي"، وهي أنه لابد للإبداع من معرفة متجددة، وقد ينهمك المبدع في وقت ما في تكوينه المعرفي أكثر من إبداعه، ثم في مرحلة ما يتجلى الإبداع بشكل كبير.

وأخيرًا، لا يجرؤ على أن يتوقف عن الإبداع من ذاق لذته. هي لذة توازي لذة العارفين الروحانيين. ويختم بقوله "لكني لا أخفيك أني أقلق كثيرًا من أن ينضب معيني، ولا أتجاوز ما قدمت حتى اللحظة ففي كل عمل يصاحبني هذا الهاجس المقلق".## ## ## ## ## ## ##

اقرأ ايضا:

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]