تعرَّف على الحكمة من فريضة الحج

28-8-2017 | 02:34

فريضة الحج

 

حسني كمال

عرفة هو يوم عظيم أقسم به الله عز وجل، في قوله تعالى (والفجر وليال عشر)، ويوم عرفة يوم عظيم من أيام الله تعالى، يوماً مشهوداً، وبعده يأتي يوم النحر، يوم عيد الأضحى المبارك، وهو يوم الحج الأكبر، ولكلٍ من اليومين أحكام تخصه.


الحكمة من فريضة الحج
وفي أكبر تجمع للمسلمين طوال العام، وفي مشهد عظيم يعبر عن وحدة الأمة الإسلامية، يتجمع الحجاج يوم التاسع من ذي الحجة في وقفة عرفة، وهي ركن الحج الأعظم، كما قال الرسول الكريم محمد "صلي الله عليه وسلم" "الحج عرفة"، فإن ملايين المسلمين في أنحاء العالم تتعلق قلوبهم بهذا اليوم المشهود، يتضرعون إلى الله وهم صائمون، بأن يكتب لهم الوقوف بعرفة في الأعوام المقبلة، وفضل هذا اليوم العظيم يشمل الأمة كلها، من حج ومن لم يحج، فإذا كان صيام يوم عرفة لغير الحجاج يكفر السنة الماضية والسنة القادمة، فإن وقوف الحجاج بعرفة يعني شهادة ميلاد جديدة وصفحة بيضاء خالية من الذنوب.

ونتطرق إلى بعض تلك الأحكام المهمة التي تهم المسلم، ويريد تحريها، ومعرفة أحكامها، حتى تكون عبادته لربه تبارك وتعالى على بصيرة وهدى ونور، وأعظم ما فيهما من أحكام، الأحكام التي تتعلق بالصيام، ففي صيام التطوع من الفضيلة ما ذكره الله تعالى في كتابه العزيز بقوله: "فمن تطوع خيرًا فهو خير له"، وقال تعالى: "وافعلوا الخير لعلكم تفلحون" فكل إنسان يحتاج إلى فعل الخير والعمل الصالح تقربًا إلى الله وتعبدًا له وزيادة في الأجر والثواب فعطاء الله لا ممسك له، وثوابه لا حدود له، فعلى المسلم أن يكثر من فعل الخير والعمل الصالح.

لماذا فرض الله تعالى الحج؟
ويقول الدكتور مبروك الدعدر، أستاذ الدراسات الإسلامية المعاصرة، كرسي الأمير سلطان للدراسات الإسلامية المعاصرة، كلية التربية، جامعة الملك سعود بالرياض، مع كل موسم حج تكثر الأسئلة عن الحج ونسكه، ومناسكه، وعن موانع الحج وحالاته، وعن مواقيت الإحرام ومحظوراته.. إلخ، من مواضع الأسئلة التفصيلية بدءًا من النية، وانتهاء بطواف الوداع، ولكن نادرًا ما يتعرض الدعاة والعلماء والكتاب إلى موضوع الحكمة من الحج ، أو بمعنى آخر: لماذا فرض الله تعالى الحج؟ إن من يتأمل في جميع العبادات التي شرعها الإسلام يجد أن لها غاية أسمى وهي توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة، ثم تأتي بعد ذلك الحكمة من وراء كل عبادة أو نسك ليحقق تلك الغاية، ثم ما فيها من مصالح للعباد في الدين والدنيا، وأضاف، مؤكدًا أن شعيرة الحج أمرها عظيم وفوائدها كثيرة، وحكمها متنوعة، فلقد شرع الله تعالى هذه الشعيرة لإعلاء كلمة الله، وتوحيده، والإخلاص له، والتعارف، والتعاون على الخير، والتواصي بالحق، إلى غير ذلك من المصالح العظيمة والفوائد التي لا تحصى.

والحجّ ليكون رحلة خالصة لوجهه، بالحسّ والوجدان، يجتمع فيها العبادة بالمال والنفس، فتحمل النفس على التجرُّد من زينة الدنيا، والإقبال على الطاعة؛ انتقال وارتحال، مشاقِّ وسفر وتغير الأجواء، وتجرد من متاع الحياة، حتى في الثياب المألوفة، ليكون الإقبال على الله بالحسّ والنفس، والعمل والقول، والذكر والفكر، فمنذ الإهلال بالحج يتخلى الإنسان عن كثير من عاداته، عن مفاخره ومُميزاته؛ فيتساوى الغني والفقير، والحاكم والمحكوم، والضعيف والقوي، وصاحب الجاه وغيره، الكل في الزي والتلبية والتنقل لمناسك الحج سواء، إنَّها تصفيةِ النَّفس وتَهذيبها، إشعار كامل بحقيقة العبودية لله وحْدَه والأُخُوة لجميع المسلمين تحقيقًا لهدف واحد وغاية واحدة.

الحكمة من كل منسك
وأشار د. الدعدر، إلى إن من يتأمل الحكمة في كل منسك من مناسك الحج يجد العجب، وتتجلى حكمة الله تعالى في كل خطوة من خطوات الحج، فمن ذلك على سبيل المثال: توحيد شعار الحج، منذ الإحرام نداؤه ودعاؤه: "لَبّيكَ اللهمّ لَبيْكَ، لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك"، يردده الرجل والمرأة والشاب والكبير والصغير، شعار يهز الوجدان، ويعلي الهمم، ويحي النفوس، ويُعلِّم الدنيا أننا أُمّة واحدة، عربها وعجمها، شرقها وغربها، جئنا لنوحد الله، ومعه نوحّد كلمتنا، ويشد بعضنا عضد بعض، إنها غاية ما أروعها! وما أجملها إن تحققت!

وفي طواف الحجاج حول الكعبة البيت الحرام، تشبُّه منهم بالملائكة الحافِّين بعرش الله، الطائفين به، المسبحين حوله، لا يفترون، وفي هذا من سُمُوِّ الروح ما لا يصفه الواصفون، وفي السعي بين الصفا والمروة رسالة واضحة أنَّ الدين يتعلق بقصد القلب، ومعه لا بُدَّ من عمل بدني يتم له القصد ويكمل، ليستشعر الحكمة، أو ما عرف منها؛ ليحصلَ له التأثُّر في نواحي سلوكه، فيكتسب من سَعيه النَّشاط في كل أعماله الدِّينية والدُّنيوية بالصبر والمثابرة، راجياً لُطف الله ورحمته، واثقًا به، ومتوكلاً عليه، معالجًا أقدارَ الله بأقدار الله، كما عالجتها أم إسماعيل، مميزًا بين حقيقة التوكُّل الذي قامت به أمُّ إسماعيل وبين طريقةِ اليأس والقنوط التي رفضتها من الأساس، إنها رسالة السعي والعمل، وفي عرفات اعتراف لله بالربوبية، والجلال، والجمال، والاستغناء عن كل شيء، وبعظيم إنعامه عليهم، يعترفون على أنفسهم رغبة في التخلص من كل أدرانهم، اعتراف بشدة الحاجة لله، فلا تكبر ولا استعلاء، الكل بين يدي الرحمن سواء، وفي الهدْي تقديم مراد الله ومَحبوباته على مُرادات النفس الإنسانية ومَحبوباتها، لتظهر حقيقة الامتحان والنَّجاح فيه أو السقوط، وفي الرمي يأخذ الحجاج من ذلك دروسًا وعبرًا؛ إنه الرجم المعنوي لكل شيطان من شياطين الجن والإنس، فيعلن الحجاج توحيدهم للواحد الأحد، وأنهم جميعاً بكل أطيافهم وألوانهم وأجناسهم وأنواعهم يداً واحدة على الذين يكيدون للإسلام والمسلمين عن جهل أو قصد من المرجفين والمضللين من شياطين الإنس والجن.

وفي النهي عن قتل الصيد حكمة عظيمة تبرهن أن هذا الدين دين أمن وسلام للإنسان والطائر والحيوان، فلا عدوان ولا اعتداء ولا سفك دماء، إنه دين الرحمة يحرِّم القتل الغلُّو والتطرُّف والجهل.

حِكَمٌ وحِكَمٌ كثيرة شرع الله تعالى الحجَّ ليعلِّم عباده كيف يترفَّعون عن الأحقاد والأضغان، ويتناسَون الشحناء والبغضاء، ويئدون الخصومة والمعاداة؛ موسم الحج فرصة للإخاء والصفاء، والتنزه عن الخلاف والتعسف والاختلاف، في الكلام والحوار، في العلم والعمل، والبعد عن كل أسباب التمرد والانحراف؛ تأمل قوله تعالى: (الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعلوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلَا رَفَثَ ولاَ فُسوقَ ولاَ جِدالَ فِي الحَجِّ ومَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْه اللهُ، وتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوَى، واتَّقونِي يا أولى الألْبابِ) (البقرة: 197).

موسم الحجّ موسم أمانٌ وسلام، إنها رسالة الحج "اللهم أنت السلام، ومنك السلام، فحينا ربَّنا بالسلام".

يباهي بهم الملائكة
ويقول الدكتور مختار مرزوق، العميد السابق، لكلية أصول الدين بجامعة الأزهر فرع أسيوط، إن يوم عرفة هو أفضل أيام العام كما قال أهل العلم واستندوا إلى كثير من الأحاديث التي وردت عن النبي، صلى الله عليه وسلم: (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول ما أراد هؤلاء) ، ومن السنن التي سنها لنا النبي، صلى الله عليه وسلم في يوم عرفة: صيامه لغير الواقف بعرفات، وحينما سئل صلى الله عليه وسلم، عن يوم عرفة قال ( أنه يكفر السنة الماضية والسنة الباقية) أما الواقف بعرفات فلا يسن له الصيام، وإنما يسن له الفطر، اقتداء بالنبي، صلى الله عليه وسلم حتى يتقوى الحجاج على العبادة والذكر، ولا ننسى أيضا الإكثار من التهليل والتكبير والتحميد، وليس هذا في يوم عرفة فقط، بل في كل الأيام العشر، ولكنه يتأكد في يوم عرفة، فقال صلى الله عليه وسلم، (ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد)، رواه الإمام أحمد بسند صحيح.

وأضاف، أنه يسن الاغتنام في يوم عرفة بليلتها بالإكثار من الدعاء، فقال صلى الله عليه وسلم خير الدعاء هو يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير).


نفحات
ويقول الدكتور أحمد كريمة أستاذ الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، لقد أنعم الله علينا بأزمنة وأمكنها فيها نفحات، فيقول النبي، صلى الله عليه وسلم (ألا إن لربكم في أيام دهركم لنفحات، ألا فتعرضوا لها)، وممن يتصل بهذا الأمر، دخول يوم عرفة في قسم الله تعالى، في كتابه العزيز، (والفجر وليال عشر) وقد قال النبي، صلى الله عليه وسلم، خير يوم طلعت عليه الشمس، يوم عرفة، يهبط الله تعالى، إلى السماء الدنيا، فيباهي بالحجيج ملائكته، ويتفضل عليهم بالمغفرة، وأما عن صيامه لغيره الحاج، قال النبي، صلى الله عليه وسلم: (صوم يوم عرفة يكفر سنتين، سنة ماضية، وسنة آتية)، فسر العلماء بتكفير سنة مستقبلة، أن الله تعالى يحفظ العبد الذي قبل صيامه من المعاصي، ويكرهها له، ويبغضها له، فيبتعد العبد بتوفيق الله عنها، وهو يوم سنوي كما أن الله جعل ليلة سنوية، وهي ليلة القدر، فمن مجموع يوم عرفة، وليلة القدر، بالإضافة إلى أزمنة أخرى، العشر الأخير من رمضان، والعشر الأول من ذي الحجة، والعشر الأول من المحرم، ثلاث عشرات منحها الله تعالى لأمة الإسلام، وكذلك يوم الجمعة، والثلث الأخير من الليل، فهي أزمنة يجب بذل المجهود لنيل المقصود من مغفرة الله ومثوبته، (ولمثل هذا فليعمل العاملون) (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون)، أما الحكم التكليفي لصيام يوم عرفة، فهو من الصوم المسنون لغير الحاج، وليس واجبا. ولكن اتباع النبي أولى، فقد صامه، وأصحابه وآل بيته، وخلفائه من بعده، وصارت سنة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

[x]