ومن الفول ما قتل!

18-8-2017 | 10:38

 

في النصف الأول من ثمانينيات القرن الماضي كان الكتاب الأكثر تداولًا بيننا كطلبة في كلية الإعلام هو "مذكرات صحفي في قاع المجتمع المصري" للكاتب عبدالعاطي حامد من مدرسة أخبار اليوم، باعتباره مرجعًا

لكل صحفي مغامر يريد كشف أسرار المجتمع..

وبرغم أن كتاب عبدالعاطي حامد تأكد بعد ذلك أنه "مُفبرك بالكامل"، على لسان فاروق إبراهيم أشهر مصوري السبعينيات، والذي رافق عبدالعاطي حامد في كل الصور التي حواها الكتاب، لكن ذلك لم يقلل من قيمة المغامرات التي "ألفها " الكاتب، فربما يكون قد جلس وتحاور مع كثيرين من أصحاب المهن التي تناولها الكتاب مثل عمال التراحيل والمتسولين والخدم، إذ لا يمكنه ارتداء ملابس السجن إلا بترتيب مع إدارة السجن، لأنه ببساطة كان محررًا في قسم الحوادث، لكن أن يرتدي زي طبيب في قصر العيني ويتولى فحص بعض المرضى، فهذا وارد بدليل أن كثيرًا من زملاء المهنة خاضوا هذه التجربة حتى وقت قريب..

برغم كل ذلك، فلا ننسى فضل الكتاب في أنه "عيشنا" حلم المغامرة الصحفية الذي كنا نحلم به آنذاك ونحن طلبة على وشك التخرج والانخراط في مهنة البحث عن المتاعب.. ورحم الله عبد العاطي حامد محرر الحوادث الذي لم يكن يعلم أنه سيصبح خبرًا في صفحاتها إثر حادث أليم، نجت منه بإصابات بليغة آنذاك زوجته مذيعة التليفزيون الشهيرة فاطمة الكسباني..!!

تذكرت قصة كتاب عبدالعاطي حامد وأنا أطالع قصة مغامرة متداولة عبر "فيسبوك"، ولكن وقائع هذه المغامرة التي جرت على طريقة الصحافة الاستقصائية وإن كانت قديمة، لكنني تأكدت شخصيًا من استمرار الكارثة التي كشفت عنها.. وهي تُذكرني بالمغامرة الصحفية التي خاضها الصديق العزيز أيمن السيسي فارس التحقيقات المتميز في الأهرام ليكشف لنا قبل عدة سنوات عن جريمة من أشهر جرائم التغذية في مصر، وهي خلط الألبان ببودرة السيراميك !!!

المغامرة الجديدة، تكشف عن الرصاصة التي تصيب في مقتل أهم وجبة غذائية في حياة المصريين، ألا وهي طبق الفول.. وخاضها صاحبها من بدايتها، وقاده فضوله الصحفي لاكتشاف الجريمة التي ترتكبها كل محال الفول والطعمية بحق معدة المواطن المصري، المطحون بطبعه..

الجريمة تتم مع سبق الإصرار والترصد في مستوقدات الفول في القاهرة وكل محافظات مصر، حيث يتم فيها تسوية قدر الفول بالأجر ونقلها لمحال الفول والطعمية، وتتمثل في إضافة بودرة بيضاء يتم جلبها سواء من العطار أو محال الكيماويات، ووظيفتها تسوية الفول بشكل سريع بسبب ارتفاع سعر أسطوانة الغاز والإقبال الشديد على المستوقد من قبل أصحاب عربات الفول.. وكل منطقة تطلق عليها اسمًا مختلفًا، هناك من يسميها إديتا أو " البودرة البيضة "، وغيرهم ممن يطلقون عليها الفنكوش، وعدد قليل جدًا يطلقون عليها "كربوناتو".

المهم أن الرجل في نهاية الأمر استطاع شراء مادة "إديتا" من أحد محال بيع الكيماويات، وتوجه بها مباشرة إلى قسم علوم الأغذية بكلية الزراعة جامعة عين شمس، لعمل بحث على تلك المادة..

وكانت المفاجأة الكبرى، التي تُعد كارثة صحية تهدد حياة أكثر من 90 مليون مواطن مصري، طبق الفول أو ساندويتش الفول هو الرئيسي في وجبة إفطارهم وربما غذاؤهم، حيث أضافوا مادة الإديتا بنسبة 2.5 جرام في غذاء فئران التجارب، علمًا بأن جسم الإنسان يتناول منها 10 جرامات يوميًا في طبق الفول..

ثبت من التجربة إصابة الفئران بالهزال وتراجع حالتها الصحية، لأن المادة "القاتلة" توقف نشاط إنزيمات الكبد، وترفع نسبة الكرياتين واليوريا في الدم، مما يسبب الفشل الكلوي.. وحذر خبراء التغذية من أن استخدام الإيديتا في طهي الفول بطريقة مفرطة يسبب العديد من المشكلات الصحية، أبرزها اضطراب الحالة الصحية لمرضى القلب والكبد والكلى والصرع، بالإضافة إلى أنها تؤدي إلى الموت المفاجئ.

بالطبع النتيجة كارثة صحية خطيرة وظاهرة جديدة لم يكن يتوقعها الباحثون أنفسهم، ما يعني أن على الحكومة أن تقف بكل قوة ضد انتشارها، وعليها أن تطلق حملة لتوعية الناس بمخاطرها..

من المؤسف أن ذلك يحدث في وقت تقاتل فيه كل دولة للحفاظ على هويتها الغذائية‏، فحتى طبق الفول الذي يحتل قهرًا مكانًا متميزًا على المائدة المصرية تركناه عُرضة لجشع الذمم الخربة، وباتت محال العطارة والكيماويات مصدرًا لترويج مواد قاتلة وملوثة لطبق الفول..

ويا ليتنا نقتدي بالحكومة الإيطالية التي أصدرت قبل عدة سنوات قانونًا يلزم صانعي البيتزا بعدم تغيير مكوناتها الأصلية لتظل محتفظة بهويتها الغذائية باعتبارها أكلة إيطالية الأصل‏.‏

وتبقى النصيحة، عودوا لإعداد طبق الفول في بيوتكم، ومن اضطرته الظروف لتناوله خارج البيت فلا يغرنه طعم الفول ولا "الحُمرة" التي تبدو على لونه، فربما وراءها سم قاتل..

مقالات اخري للكاتب

تكنولوجيا مخاطبة "الموتى"..؟!

لم يترك الروبوت مجالا إلا اقتحمه، ولم يتوقف الأمر اليوم عند هذا الحد، بل بلغ مرحلة الإبداع.. نعم الإبداع..

علاقة "كورونا" بالغذاء؟!

علاقة "كورونا" بالغذاء؟!

شرطي المستقبل؟!

في ليلة من ذات الليالي في العام 2060، يستيقظ رامي فزعًا على وقع أحداث جريمة مروعة في منزله، اختطف فيها أربعة جناة طفلته الوحيدة، ونهبوا كل ما لديه من وثائق وعملاته الرقمية من البتكوين، والأدهى من ذلك أنهم عطلوا قبل كل شيء منظومة البيت الذكي الذي يسكنه..

الوباء الغامض!

‏"أرجوكم خذوا ابنتي" صرخة أم عالقة مع ابنتها المصابة بالسرطان يرفضون خروجها لتلقي علاجها.. ولحظة مؤثرة لأب صيني من خلف الزجاج العازل يغالب دموعه أمام طفله

نهاية عصر الخصوصية!

نهاية عصر الخصوصية!

مادة إعلانية

[x]