الحل في يد "جنرال جديد" على غرار "كامل"

17-8-2017 | 13:02

 

حادث قطار الإسكندرية الأخير، وتساقط القتلى والمصابين بالعشرات، قل فيه ما تشاء (مروع ـ بشع ـ كارثيًا)، ولكنه كشف المستور، فهذه قضية أزلية باتت تهدد حياة المصريين بالملايين، الذين يتعاملون مع هذه الوسيلة للتنقل والترحال، حديث سقوط قتلى كل يوم، تلك الحوارات باتت

- قديمة جديدة - تدمي القلوب، وتثير لوعات الحزن.

من أسفٍ؛ مصر باتت الآن أولى دول العالم - بلا منافس وتفوقت على الهند وباكستان - في حصد أعداد الضحايا جراء لعنة القطارات، بعد أن تربعت تلك الدولتان سنوات طويلة على عرش سباق قطارات الموت.

أعداد الضحايا الذين يتساقطون نتيجة الموت على الأسفلت والطرق في مصر، ومغامرات قطارات الموت يفوقون عشرات المرات أعداد الضحايا الذين سقطوا وقتلوا في حروب الأرض والعرض والثأر مع العدو الإسرائيلي، ربما حصيلة عام واحد من الضحايا، ولائحة الأسماء حصريًا تفوق ضحايا حروب 56 و67 و1973.

حوادث الموت في فوضى القطارات، وتهالك السكك الحديدية وفساد منظومة التشغيل والتسيير باتت حديثًا مملًا، ولكن في المقابل: هل نقبل باستمرار تلك المأساة إلى ما لا نهاية؟! هل سنظل نعيش أسرى هذا الكابوس الشهري الذي يزور مدن محافظاتنا، وينال في كل مرة من مئات الأسر المصرية؛ فيخطف الموت أبناءهم، والبقية الباقية يعيشون أسرى المرض والإصابات القاتلة والعاهات المزمنة؟!

بعد حادث الإسكندرية، لا بديل عن المواجهة، أخطاء وتراكمات الماضي السحيق لابد أن تنسف، لا يُمكن ولا يُقبل أن تكون بلد مثل مصر تعداد سكانه يتجاوز 93 مليونًا، ويقترب - خلال أعوام محدودة - من المائة مليون، ويحقق إنجازات ونجاحات لا بأس بها، ويعجز عن مواجهة سرطان فوضى حوادث القطارات، أعلم - مثل الغالبية الكاسحة من المصريين - أن المنظومة متهالكة متردية أكثر من 80 عامًا، لم تقترب أو تمتد إليها يد الإصلاح أو التجديد أو الصيانة، أموال كثيرة صرفت وأنفقت على هذا القطاع في الأعوام العشرة الماضية، ولكنها دون جدوى، ودون نجاحات ملموسة تذكر.

آن الأوان لتغيير الذهنيات والسياسات والأساليب في التعاطي مع قضية أزمات سكك حديد مصر بالكامل؛ وليكن الأمر عبر خريطة طريق محددة أو رؤية شاملة تتحول إلى خطة عملية محكومة بإطار زمني، لن تنفع معها المهدئات والمسكنات في علاج مرض سكك حديد مصر، لن تجدي المحاولات الترقيعية لوقف نزيف الدماء على قضبان السكك الحديدية، لا بديل عن علاج جذري، أعلم أن خطة الإصلاح والتطوير تحتاج إلى أكثر من 40 مليار جنيه مصري.

فما المانع أن نبدأ وننفذ هذا الإصلاح تدريجيًا على مرحلتين عبر سقف زمني، حيث لا حل لإصلاح هذا الخلل في هذا المرفق الحيوي إلا عبر إطارين، أو طريقين، الأول: أن نبدأ هذه الخطة بسواعد وأفكار ورؤى وأموال الدولة، ونسعى لتوفير وتخصيص الأربعين مليار جنيه هذه، والثاني: أن نلجأ - مرغمين بعد الاعتراف بالفشل أو التعثر - إلى خصخصة، أو نقل الإدارة، وإعادة الهيكلة والتشغيل إلى القطاع الخاص، أو إحدى الشركات العالمية المتخصصة، كما فعلت الدول الكبرى في أوروبا حاليًا.

وفى هذه الحالة سيكون رد الفعل في الشارع المصري سلبيًا، وربما تمثل هذه الخطوة إيذانًا بإعلان الفشل، والإقرار بالهزيمة في معركة الإصلاح الاقتصادي، وترسيخ التنمية الشاملة، التي خضنا من أجلها معارك ضارية في الأعوام الثلاثة الماضية، ونجحنا بامتياز في العديد من مشروعاتها بـ"الطرق، وقناة السويس، والعاصمة الإدارية، والمدن الجديدة، وقضية العشوائيات.. وغيرها وغيرها".

وبالتالي، يبقى الخيار الأول هو الهدف الأسمى، والتحدي الحقيقي للدولة والحكومة في تولي خطة الإصلاح الشامل، وعبر السقف الزمني المحدد لسكك حديد مصر؛ حيث هذا الأمر يحتاج إلى خطط وبرامج ومراحل ومراجعات نقدية عميقة وجذرية ومحاسبية، وقبل كل ذلك طي صفحة اليأس والإحباط والخوف والتردد في اختراق واقتحام هذا الملف الشائك؛ لإعادة فتح النوافذ، وإعادة إطلاق الأمل بالنجاح والتفوق في هذه القضية لدى المصريين المحبطين المنكفئين.

وقد يتساءل البعض كيف هذا؟ ومن هي الجهة التي ستتولى عملية التنفيذ والإصلاح؟ خاصة أن البعض ليست لديهم ثقة في الجهاز الإداري والتقني والفنيين والمتخصصين في هندسة الطرق؛ حيث شكلت عشرات اللجان للإصلاح والتطوير، ولكن دون جدوى؛ عملًا بالقاعدة المتعارف عليها في مصر والعالم العربي أن اللجان "مقبرة الحلول".

وبالتالي، يبقى الأمل الوحيد - صراحة - في تكليف الرئيس عبدالفتاح السيسي الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، واختيار شخصية عسكرية كفء مبدعة حركية وديناميكية، على غرار شخص " اللواء كامل الوزير "؛ حيث يجب أن يتفرغ الأخير لمجمل مشروعاته التي يتولاها، ويتعهد بمتابعتها وتنفيذها حاليًا؛ بحيث يتم اختيار الشخصية الأخرى، وفريق عمل معاون من الهيئة الهندسية بالقوات المسلحة؛ للتفرغ فقط لهذا الهدف، وهو إصلاح وإعادة تأهيل وهيكلة سكك حديد مصر؛ بحيث تكون لدى هذا الفريق الصلاحيات والمقومات، مع إتاحة الفرصة والحركة له في الاستعانة بالخبراء والفنيين من مهندسي إدارات سكك حديد مصر؛ بحيث يتولى فريق الهيئة الهندسية تغطية وزيارات كل خطوط سكك حديد مصر؛ للوقوف على طبيعة تردي الحالة، والبحث عن أوجه الخلل والعلة وطرق الإصلاح، ونسف كل الأخطاء البشرية، ومعالجة المزلقانات والأبراج إلكترونيًا، وإلغاء العنصر البشري في تشغيل منظومة تسيير وتتابع حركة القطارات، ووضع أنظمة صارمة وقاسية لأداء العمل والحركة وطرق التشغيل، دون أي تهاون.

على أن توفر الأموال والأدوات لهذا الفريق، دون أي تدخل من الحكومة والروتين القاتل، الذي يقتل ويعرقل كل جهود الإبداع والابتكار، على أن يحدد إطار زمني لهذا الفريق العسكري - كما فعل في إنشاء المرحلة الثانية لمشروع قناة السويس - لا يتجاوز ثلاث سنوات على أكثر تقدير؛ لأن المهمة صعبة وشاقة، والتركة ثقيلة ومتهالكة.

هذا هو الحل الأنجح والأصوب؛ لمعالجة تلك الأزمة المزمنة في حياة المصريين؛ حتى لو اضطررنا لرفع سعر تذكرة السفر بالقطار والمترو من جديد؛ لنوفر أموال الإصلاح، وإعادة الهيكلة؛ على غرار قاعدة "آخر العلاج الكي بالنار".

من أسفٍ؛ غالبية الإدارات والوزارات ومنسوبيها من الموظفين الإداريين أصبحوا لا يرغبون في العمل والابتكار، وشاعت بيننا ظاهرة غريبة مرفوضة بعد ثورة 25 يناير، وهى الإهمال، وتراجع العمل، والمطالبة بحقوق وامتيازات دون عمل يذكر.

وبالتالي، يجب أن نعترف صراحة بأن القوات المسلحة هي من تتحمل هذا العبء، وتستطيع معالجة هذا الخلل الذي أصاب بقية إدارات الدولة، وهذا هو قدرنا في هذا الزمن.. فهل تنقذنا أيضًا هذه المرة، وتنقذ مشروع وبرنامج إصلاح خطوط سكك حديد مصر؟!

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]