ثقافة وفنون

الرجالُ يصنعون الحروب والنساءُ يمُتْن فيها

9-8-2017 | 11:40

صورة تعبيرية

فريد دوهان

عاد من الحرب حذاءُ أبي. كانت السماءُ سوداء ملبّدةً بالغيوم، والريحُ تعصفُ بشدّةٍ فتُبعثرُ أوراق الخريف المتناثرة على طول الممشى، والعصافيرُ. لم نر العصافير التي اعتدنا أن نراها كلّ يومٍ جاثمةً على الأغصان الجرداء وأسلاك الكهرباء. في ذلك الصباح الكالح عندما فتحنا الباب فوجدناهُ هناك وحيدًا عند العتبة.


كان جلدُهُ الأسودُ مُشقّقًا ومُغطّىً بالوحل وإحدى فردتيه منزوعة الرباط، والأخرى مثقوبة الأرضيّة.

صاح أخي الأصغر:
- ولكن، أين القدمان؟ أين الساقان؟ أين وقعُ خُطى الحذاء العالي، أين السروالُ العسكري والقميصُ؟ أين، أين أبي؟

قلت:
- أنّى لنا أن نعرف أين هو الآن وكيف عاد حذاؤهُ من الحرب قاطعًا كلّ تلك المسافة الطويلة وحيدًا من دونه؟

قُمنا بإخفاء الحذاء في دغل الحديقة الكثيف. لا أدري لم فعلنا ذلك. وبعد عدّة أيّامٍ وجد أطفالٌ في مثل سنّنا حذاء أبيهم عند عتبة دارهم، وتكرّر الشيءُ نفسُهُ في اليوم التالي فخشينا أن ينكشف سرُّنا.

وطوالُ الأسبوع المنصرم ظلّتْ أحذية الآباء الجنود تعودُ بمفردها من الحرب كلّ يومٍ وكان الأطفالُ هم الذين يجدونها أوّلًا. لماذا نحنُ الأطفالُ نجدُ الأحذية قبل الكبار؟ نساءٌ كثيراتٌ خلعن ثيابهُنّ الجميلة ذات الألوان الزاهية ولبسن ثيابًا سوداء قبيحة، لم فعلن البارحة، في المساء، قبل أن ننام اتّفقنا أنا وأخي الأصغرُ أن نُطلع أُمّي على السر.

في الصباح أريناها الحذاء. نضتْ أُمّي ثياب بهجتها، ولبستْ أسمالاً سوداء مثل سائر النساء وهي تُردّدُ:

- الرجالُ يصنعون الحروب والنساءُ يمُتْن فيها.
-----------
فريد دوهان
(كاتب من العراق)

اقرأ ايضا:

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة