بركاتك في اليابان يا قداسة البابا

31-7-2017 | 17:24

 

لأسباب قهرية خارجة عن الإرادة، توقفت عن الكتابة في صحيفة "الأهرام" الغراء، لمدة تزيد على العامين، واليوم أعود للكتابة في "الأهرام"، عبر بوابتها الإلكترونية، الأكثر حداثة وتصفحًا وانتشارًا، بدعوة كريمة من رئيس التحرير، الأستاذ "أشرف العشري"، وبضوء أخضر من رئيس مجلس الإدارة، الأستاذ "عبدالمحسن سلامة"، وهما، في الحقيقة، زميلان عزيزان، أحمل لهما في نفسي كل مودة واحترام، ورفيقا درب شاق ومسيرة ثرية ومثيرة من المكتسبات والعثرات والتحولات الدرامية، استمرت لسنوات وسنوات في مؤسستنا العريقة.


وبعد،،،
فقد ورد في الأخبار أن قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية، وبطريرك الكرازة المرقسية ، سوف يقوم بزيارة رعوية، هي الأولى من نوعها، لليابان في أواخر شهر أغسطس، أي بعد أقل من شهر، وذلك لتدشين أول كنيسة قبطية في بلاد الشمس المشرقة، تحمل اسم السيدة مريم العذراء، والقديس مار مرقس، بهدف تقديم خدمة روحية للجاليات القبطية هناك من المصريين والإثيوبيين والإريتريين و اليابان يين.

عندما تلقيت نبأ زيارة قداسة البابا لليابان، من أحد الأصدقاء المصريين المقربين من الأوساط اليابان ية، قبل الإعلان عنها رسميًا، كان ردي على صديقى هذا مدويا، وهتفت باعلى الصوت، الله أكبر، انطلاقا من فهمي العميق لمعنى ومغزى إتمام مثل هذه الزيارة، في هذا التوقيت بالذات، ولما تحظى به ال كنيسة الوطنية المصرية من مكانة واحترام وتقدير، في وجدان وقلوب وعقول عموم المصريين، ولما يتمتع به البابا تواضروس، نفسه - كرمز وقيمة وقامة وهامة عالية - في جميع الأوساط الشعبية والرسمية في مصر والعالم.

يعلم الله أنه بقدر الفرحة بنبأ الزيارة راودتني، منذ اللحظة الأولى لعلمي بها، مشاعر متصاعدة ومتضاربة من الشوق واللهفة لرصد ما سوف تسفر عنه، حتمًا، المهمة السامية لقداسة البابا من بركات، سوف تصب – بكل تاكيد - في المجرى الطبيعي لتوثيق ودفع العلاقات الثنائية المصرية – اليابان ية على جميع الأصعدة والمستويات.

لوهلة، تخيلت نفسي أنني ما زلت مراسلًا لـ"الأهرام"، هناك، في بلاد الشمس المشرقة، تخيلت أنني سأتوجه إلى مطار "كانساي" في ثاني أكبر المدن اليابان ية، أوساكا، لكي أكون هناك في شرف استقبال "البابا" لدى هبوطه والوفد الكنسي الرفيع المرافق له من سلم الطائرة، وأقوم – كذلك – بمرافقته خلال توجهه إلى مدينة كيوتو، العاصمة التاريخية القديمة لليابان، والتي ستجرى فيها مراسم وصلوات تدشين ال كنيسة القبطية، وانتظاره على سلم القصر الإمبراطوري في طوكيو وهو يتأهب لمباركة ساكنيه.

ولأن الزيارات الخارجية لكبار الشخصيات، والمسئولين والقادة السياسيين والروحيين، عادة ما تحظى بالاهتمامات القصوى والترتيبات المراسمية الدقيقة من جانب الحكومات والبعثات الدبلوماسية في جميع دول العالم، حتى ولو كانت خاصة، فمن المنطقي أن تندرج مبادرة قداسة البابا بزيارة اليابان للمرة الأولى في الخانة نفسها من الأهمية.

هنا.. تذكرت ما كتبه السفير البريطاني في القاهرة "جون كاسن"، معلقًا على اللقاء التاريخي الذي جمع بين الملكة إليزابيث و قداسة البابا تواضروس خلال زيارته الأولى للندن في يوم التاسع من شهر مايو الماضي، كتب كاسن نصًا: "الملكة الـ66 على مدار 1500 سنة.. تستقبل بابا مصر الـ118 خلال 2000 سنة.. طرفان لهما حكمة وخبرة كبيرة في التعايش والاستمرارية في عالم متغير".

فى السياق نفسه، تابعت، كما تابع العالم عبر أجهزة الإعلام المختلفة، اللقاء التاريخي الذي جمع بين الرئيس الروسي بوتين و قداسة البابا تواضروس خلال زيارته الأولى لموسكو في أواخر الشهر، نفسه، مايو، وكيف تجلت مظاهر الحفاوة والترحيب من رأس الدولة الروسية برأس ال كنيسة الوطنية المصرية، حتى لو كانت زيارته خاصة لحضور حفل تكريم أو لتسلم جائزة.

وفي ضوء ما تحظى به الدبلوماسية المصرية ونظيرتها اليابان ية من عراقة وحرفية ومهنية، في مثل هذه الظروف المراسمية الخاصة، كالتي ترافق زيارة قداسة البابا تواضروس لليابان، فإنني أقدر عاليًا مدى المجهود الذى يبذله الجانبان، المصري و اليابان ي، وفي المقدمة، سفيرا مصر و اليابان ، في طوكيو والقاهرة، السيدان خيرت وكاجاوا، من حيث ترتيب جدول أعمال ثري جدًا من اللقاءات الرسمية والإعلامية والثقافية في كل من أوساكا وكيوتو وطوكيو لتحقيق أكبر استفادة ممكنة من الزيارة.

من الطبيعي أن يتطلع المراقبون في البلدين إلى أن تسفر الترتيبات المكثفة التي يبذلها الجانبان عن عقد لقاءات ل قداسة البابا تواضروس خلال الزيارة الميمونة لليابان في مقار المحافظات اليابان ية الثلاث التي سيزورها، ومع الدارسين في الجامعات اليابان ية، جامعة كيوتو العريقة مثلًا، وكذلك في نوادي الصحافة اليابان ية الشهيرة؛ نادى الصحفيين اليابان يين في طوكيو مثلا، ومع مذيعي القنوات التلفزيونية، وفي مقر الحكومة، ومع رئيس الوزراء شينزو آبي، نفسه، وصولا إلى القصر الإمبراطوري في قلب طوكيو؛ حيث تلتقى المكانة الروحية والحضارية التي يتمتع بها قداسة البابا تواضروس مع ما يتبقى في وجدان اليابان يين من مظاهر التقديس للأسرة الإمبراطورية.

وبسبب خبرتي المتواضعة ب اليابان ، أزعم أن كل كلمة سوف ينطقها قداسة البابا تواضروس هناك سوف تجد صدى واسعًا، وبالذات، إذا ما رافقتها التغطيات الإعلامية الواجبة، وعندما يتطرق إلى الحرب التي يخوضها المصريون ضد الإرهاب والتطرف الديني، وطموحات المصريين في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية وبناء الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة، والدور المحوري والفعال الذي تلعبه اليابان باستمرار وبسخاء من خلال المنح والمساعدات المادية والمعنوية لتحقيق تلك الغايات.

وتظل دار الأوبرا المصرية وجسر قناة السويس ومستشفى الأطفال في أبو الريش والجامعة اليابان ية في برج العرب والمتحف الكبير وخطوط مترو الانفاق والقناطر والسدود على نهر النيل، تظل كلها علامات مضيئة على الطريق ومعبرة عن مدى الامتنان وعمق ومتانة العلاقات الثنائية بين مصر و اليابان .

أعرف أن اليابان يين مشغولون جدًا في هذه الأيام بالتغييرات الوزارية، وأدرك أن توقيت زيارة قداسة البابا سوف يتزامن – كذلك - مع بدء الإجازات الصيفية الطويلة (أوبون)، وتقديس اليابان يين، على المستويين الرسمى والخاص، لضرورة إتاحة الوقت الكافي، الذي قد يصل إلى سنوات، عند وضع جدول أعمال مسبقًا لبرامجهم وتحركاتهم ولقاءاتهم وأسفارهم.

أدرك كل ذلك، وأتفهم مدى الصعوبات التي تواجه الجانبين المصري و اليابان ى في ترتيب البرنامج الذي يليق بزيارة قداسة البابا، غير أن الخبرة والرغبة والإرادة والحس السياسي والدبلوماسي الرفيع، كلها عوامل، في حالة توافرها، سوف تذلل المتاعب والمعوقات الآنية.

كلنا يتذكر زيارة قداسة بابا الفاتيكان الآخيرة لمصر وما رافقها من تغطية إعلامية واسعة لبرنامجه السياسي والروحي، ومما تبقى في الذاكرة وله دلالات لا تنسى، وصول رأس ال كنيسة الكاثوليكية للقاهرة على متن شركة طيران "أليتاليا" وتنقله خلال زيارته لمصر بسيارة إيطالية الصنع.
أكيد أن كل ذلك وغيره تم ترتيبه في إطار برنامج تسويقي شامل أعدته مؤسسات إيطالية، وهو ما يعني أهمية التنسيق والتعاون بين كل أجهزة الدولة المصرية لتحقيق أكبر استفادة ممكنة من زيارة قداسة البابا تواضروس لليابان.

كلمة آخيرة أقولها لوجه الله والوطن: أمامنا فرصة هائلة لفتح آفاق أوسع من العلاقات الثنائية بين مصر و اليابان باستغلال المناسبة التي أتاحتها الأقدار لنا، وببركة التحرك الفريد والمرتقب ل قداسة البابا تواضروس في بلاد الشمس المشرقة، يمكن تسويق مصر- من جديد- سياسيًا وأمنيًا وحضاريًا وسياحيًا في اليابان ، خاصة مع استئناف شركة مصر للطيران رحلاتها المباشرة لطوكيو قبل انتهاء العام العام الحالي، وأيضًا ببركة قداسة البابا من الممكن تسويق برنامج سياحي من الطراز الأول لليابانيين لتتبع أثر رحلة العائلة المقدسة في مصر.

kgaballa@ahram.org.eg

مقالات اخري للكاتب

إذا عطست الصين أصيب الاقتصاد العالمي بالزكام

أستعير عنوان المقال، نصًا، من الزميل القدير، رئيس تحرير الشروق، الأستاذ عماد الدين حسين، وقد كتبه بتاريخ 24 أغسطس 2015، والمفارقة، أنني لم أجد أفضل منه، للتعبير عن الحاضر، والإطلالة على التأثير الاقتصادي بجميع جوانبه، محليًا في الصين وعالميًا، لانتشار فيروس" كوفيد- 19"، المعرف بـ كورونا.

مبادرة تضامنية مؤثرة تجاه الصين

حسنًا فعلت الحكومة المصرية، بالإعلان عن إرسال 10 أطنان من المستلزمات الوقائية، هدية رمزية للشعب الصينى، على متن الطائرة، التى أقلت المواطنين المصريين العائدين من مدينة ووهان، لحمايتهم من الإصابة بفيروس كورونا.

"هو تشي منه" و"خوسيه مارتي"

كلاهما أحب مصر.. فبادلهما شعبنا حبًا بحب، وبمرور الأيام، وانجلاء الحقائق، أصبح حضورهما ملء السمع والبصر، مشفوعًا بالتوقير، في قاهرة المعز.

سنة قمرية سعيدة لأصدقائنا الآسيويين

من بين بطاقات كثيرة، لبيت دعوة السفير الفيتنامي بالقاهرة، تران ثانه كونج، للاحتفال معه بحلول رأس السنة القمرية، الذي أقيم في منزله بالزمالك، مساء يوم الجمعة الماضي، وسط ما يمكن وصفه بـحشد من أسرة الجالية الفيتنامية بمصر.

من "أبوجا".. إلى العاصمة الإدارية

من "أبوجا".. إلى العاصمة الإدارية

رييوا.. 2050

اليوم، أختتم سلسلة من مقالات، بدأتها في نوفمبر الماضي، بـ إطلالة على عصر الـ"رييوا"، الجديد، في اليابان، عقب عودة من زيارة لطوكيو، تزامنت مع أجواء ومراسم احتفالية عامة أقيمت هناك لتتويج الإمبراطور ناروهيتو، وقرينته الإمبراطورة ماسكو، واستعراض موكبهما، في ضواحي العاصمة.

[x]