يوميات "الأرض المحتلة" بـ مدينة نصر.."الباطنية" للمخدرات وإمبراطورية الجائلين يحكمها حمار "سليمان"| صور

31-7-2017 | 20:28

الحي العاشر بمدينة نصر

 

ميادة عبد المنعم

بينما تسلق الصغير"سمسم" أحد أعمدة الإنارة بالطريق العام، ليسرق التيار الكهربائي منها، عبر وصلات مخالفة، يزين بها عربة الفول الخشبية الخاصة به، يقف على الجانب الآخر المعلم "خالد" الذي فقد اتزانه وطرح عمامته الرمادية أرضًا ليشرع في الدخول بمشاجرة جانبية مع أحد الباعة المنافسين بالجوار.

في أثناء ذلك، تصيح امرأة العقد الخامس -لا تكف عن سب زبائنها  بأكثر الألفاظ بذاءة- ضاربة بكفها الذي حمل سيجارة على شكل قرطاس، أكواب الشاي المعدة لرواد ال سوق ، وذلك في الوقت نفسه  الذي فطن فيه حمار "سليمان" لغياب رجل المرور، فأسرع بقضاء حاجته ملقيًا بروثه أمام السيارات السائرة في شارع أحمد الزمر ب الحي العاشر - مدينة نصر .

 يرتفع صوت "صبي قهوة" الذي انتهك حرمة الشارع الرئيسي بعشرات الكراسي البلاستيكية، وتهلك حنجرة التباع الصغير" بلبل" في مناداة الركاب، وسط صراخ كلاكسات تستغيث لفتح الطريق وصبية في الاتجاه الآخر اتخذوا من موقف التكاتك ستارًا لبيع المخدرات في ظل وجود عدد غير قليل من" نيجيريين" يقومون بعمليات تهريب للبشر في حارة الباطنية بسويقة الأرض المحتلة.

الوصلات المخالفة

القاصر"سمسم" صاحب عربة الفول الخشبية الذي وضع أدواته على قارعة الطريق لم يتردد في سرقة الكهرباء من أعمدة الإنارة العمومية في وضح النهار حيث بات هذا النوع من السرقات حق مكتسب للجميع عن طريق وصلات مخالفة.

تهريب البشر و المخدرات بـ"الباطنية"

البشرة الإفريقية السمراء تشكل نسبة كبيرة من سكان الحي، لكن التصوير هنا أشبه بالمستحيل، فـ"واضعو اليد" هنا لا يرحبون بالصحافة ولا يقبلون بالتقاط صور تدين انتهاكاتهم لأملاك الدولة.

المصريون من أبناء الحي يؤكدون أن "النيجيريون" هم الأخطر على الإطلاق بين الجنسيات الأخرى، وأن الأجهزة الأمنية تطاردهم باستمرار لتورطهم دومًا في ملفات يعاقب عليها القانون، على عكس السودانيين، مسالمون لكنهم يعيشون بإقامات منتهية.

انتشار عدد كبير من السنترالات بين حارات الحي العاشر وشوارعه الممتدة، وإجراء العديد من الاتصالات الدولية الغامضة وفق لهجات غير معروفة، دون إحكام الرقابة عليها، ملف يحذر حكماء المنطقة من خطورته خاصة أن أكثر القائمين علي تلك السنترالات أفارقة بإقامات غير شرعية !

تعد حارة "الباطنية" ب الحي العاشر ، أحد منافذ تجارة المخدرات والخمور، حيث يستطيع الأفارقة العثور على احتياجاتهم منها عبر النيجيريين أو السودانيين الذين يقومون بتصنيع ما يعرف بخمر"العرق" – معلومة أفصح عنها أحد العاملين الشبان بمتجر كهربائي.

الجريمة الأخطر للنيجيريين أيضًا، تهريب البشر واستخدام إقامات ومستندات مزورة تدل على أن القادمون من إفريقيا طلاب أو آخرون يحملون تأشيرات سياحية مدتها ٣ أشهر فقط ويتم إيواؤهم في شقق جماعية مفروشة معظمها يقع ب الحي العاشر .

إجراءات التسكين للأجنبي!

(صورة جواز السفر أو الإقامة مع دفع مبلغ شهرين تأمين) فقط هي إجراءات تسكين الأجنبي ب الحي العاشر - حسب محمود، أحد سماسرة الحي الذي يؤكد أن أعداد اللاجئين تتجاوز الآلاف.

انتهاك الطريق العام

 

للاحتلال أشكالًا أخرى بالحي، فالانتظار الخاطئ للسيارات ب شارع أحمد الزمر الذي تتجاوز مساحته 80 مترًا، ويعد محور مروري في غاية الأهمية قد تصل للصف الرابع!، رغم أنه حلقة الوصل التي تربط بين شرق العاصمة و القاهرة الجديدة باتجاه التجمع والدائري.

ثقافة الجائلين هنا تؤكد أن تخطي المساحات المسموحة للأرصفة والتعدي على الطريق العام بوضع كراسي وطاولات أو ملاءات تحمل بالات لملابس مستخدمة سلفًا "وارد خارج"، أمر طبيعي لا يجب محاربته بحملات قطع الأرزاق- حسبما قالوا.

 

المخدرات والتوك توك!

اللافت للانتباه بالحي الذي سقط أسيرًا، أيضًا، وجود موقف تكاتك، حيث يؤكد رواد المكان أن ال موقف يحكمه بعض الصبية الخارجين عن القانون وأنهم اتخذوه ستارًا لبيع مخدر الترامادول والحشيش للسائقين.

"أم طه" التي جلست أمام قدر أسود كبير يحتوي على ماء مغلي وصينيه تحمل عليها عددًا من أكواب الشاي المعدة للبيع، لم تجد غضاضة في افتراش الجزيرة التي تتوسط الشارع الرئيسي حيث قالت: "أنا بسترزق بدل ما أبيع نفسي للسواقين ببلاش".


الجزيرة وحمار سلميان

المرأة السمراء التي تبتاع كوب الشاي مقابل جنيهان، تعتمد اعتمادًا كليًا على بذاءة اللسان في التعامل مع زبائنها من الباعة ظنا منها أنها الطريقة الأمثل لـ "وقف كل ذكر عند حده"- على حد قولها -

البغال والحمير ب الحي العاشر ، لهم نصيبًا وافرًا من أرض الجزيرة التي تتوسط الشارع وتبلغ مساحتها نحو 8 أمتار، والتي يعتبرها الباعة "جراج وبيت راحة" لهم ولحيواناتهم.


الجائلون و"فوبيا" الترجمان

"أبو عمو" هكذا يلقبونه أما الاسم الحقيقي فيدعي (خالد- بائع متجول) يستقطع دون وجه حق، عدة أمتار من الشارع الرئيسي، حيث يأتي يوميًا من حي المرج ل سوق العاشر بعربة كارو تحمل أعدادًا كبيرة من البطيخ، ويؤكد أن زبون مدينة نصر "مريح" مقارنة بالأحياء الشعبية.

"خالد" الذي ارتدي جلبابًا صعيديًا وعمامة كبيرة يحمي بها رأسه من أشعة الشمس، لم يتردد في أن يعلن تحذيره عندما أيقن أنني صحفية ولست مجرد زبونه حيث قالها غاضبًا: "لمي عفاريتك يا ست المذيعة، مفيش بياع هيمشي من هنا ويروح يتنفي في الترجمان".

"زهراء و موقف العاشر، تجمع أول وخامس، إسكان شباب" أصوات أخرى تتداخل وتتشابك بالعصي والأيدي لاجتذاب الركاب، في موقف التجمع الذي فرض وجوده بواسطة بعض الخارجين عن القانون ممن ينظمون حركته مقابل "إتاوة" 5 جنيهات.


"نصباية" سوق السيارات

الجمعة والأحد من أشقى أيام الأسبوع لسكان مدينة نصر حيث يقام سوق ًا مكبرًا لبيع وشراء السيارات، يباشر فيه السماسرة عملهم منذ مطلع الفجر وحتى الساعات الأخيرة من الليل، وتصطف خلاله السيارات على الطريق ما يتسبب في شلل مروري.

طارق حسني، صاحب محل ملابس، يعتبر وجود ال سوق "وقف حال" ويقول: عوادم السيارات تتلف الملابس وتعرضنا لخسائر فادحة ويكشف أن سوق السيارات أكبر "نصباية" وأن معظم سياراته أما مسروقة أو مقلوبة-حسب تعبيره.

تلتفت سارة سليمان يمينًا ويسارًا لتخبرنا سرًا أن البلطجة ب الحي العاشر أكثر ما يؤرق السكان خاصة أن معظم الباعة والسائقين "عربجية عايشين بالدراع" – على حد وصفها، مؤكدة أن كل محاولات المحافظة باءت بالفشل لإخلاء ال سوق .


 

سرقة الموازين لغز انخفاض الأسعار

انخفاض أسعار السلع أكثر ما اشتهر عن سوق الحي العاشر لكنه تقابله سرقة وغش في الموازين- جملة قالتها سعاد إبراهيم التي عزفت عن الشراء وتُعلل.. الباعة يستخدمون مكاييل أقل من وزنها الطبيعي وأن الكيلو يزن 900 جرام فقط، لهذا تتوجه لمنافذ القوات المسلحة.

قوانين تجريم الغش التجاري والسلع مجهولة المصدر لم تحم أحمد مهران، طفل الـ 5 سنوات، من سكان الزهراء ، الإصابة بالتسمم فور تناوله نوع من الجمبري المهرب من الصين بدون رقابة والذي يلقى إقبالًا كبيرا بسبب انخفاض سعره- وفق حديث الأم.

أجولة عملاقة للقمامة تعلو عربات كارو تقف في منتصف الطريق والجزيرة ليتعطل الطريق ساعات من دون جدوى أمام التقاط هؤلاء السريحة لبعض الزجاجات البلاستيكية والكانزات المستخدمة في إعادة التدوير.




خبراء وحلول

وينصح أحد الخبراء القانويين، الحملات التفتيشية على ال سوق بالتنسيق مع المحافظة والأحياء لإزالة الإشغالات، مع تعيين الخدمات الأمنية بشكل دائم لا يسمح بعودة الجائلين فور انصراف الحملات مع الاستعانة بكاميرات المراقبة لضبط المخالفين وفرض إجراءات أكثر صرامة لتسكين غير المصريين.

تشدد دكتورة سامية قدري، أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس، على أن المعالجة الاجتماعية شريك في الحل، خاصة أن المُعالجة الأمنية لم تحقق أهدافها، ناصحة الدولة باختيار أسواق بديلة للباعة في المنطقة ذاتها أو بالقرب منها، ضماناً لاستمرار إقبال المواطنين.

واضعو اليد

وبينما يقول الخبراء مقترحاتهم العلمية تتواجد ( أم محمود) بشكل جديد للاحتلال بعد أن أقامت خيمتها على جزيرة الشارع مصطحبة معها بوتاجاز وأنبوبة وكرسي فوتيه قديم، بجانب وعاء زيت كبير اعتمدت عليه في عمل " الطعمية" لمستعمري الأرض المحتلة.

أما حصان أحد العربجية الذي أصابته أشعة الشمس الحارقة وسط تكدس مروري شل حركة شارع الزمر ب الحي العاشر ، فلم يجد بدًا من الإضراب عن العمل وافتراش الطريق فجأة، غير مكترثٍ لسارينة سيارات الإسعاف وتدخلات الجمهور الفاشلة لمصالحته وصرفه عن الحارة المرورية. #

مادة إعلانية

[x]