نظارة شمس

18-7-2017 | 16:58

 

نهض كامل، وراح يتأملها بنظرات حادة، ثم راح يدور حولها وهي متلفعة بالصمت، لا يكاد يصدر عنها صوت. كانت الأم نائمة في الحجرة المفضية إلى الصالة، وقد أغلقت عليها الباب بعد أن تناولت دواءي السكر والضغط، وابتلعت حبة المنوم بصعوبة.


وجه حديثه إليها بصوت أقرب إلى الهمس: لقد رأوك معه؟
ـ من هم؟
ـ واحد من أبناء عمك إبراهيم.
ـ ماذا أخبرك؟
تردد قليلًا، وحك أنفه وهو يحدجها بنظرة غاضبة.

ـ قال إنكما كنتما تجلسان على حشائش الحديقة، وكان يبدو عليكما البهجة؟
ـ بهجة؟
ـ وقد اقترب من جلستكما وحين وقع بصرك عليه امتقع وجهك؟
ـ وجهي أنا؟
ـ وأنه اقترب منكما، وتظاهر بشراء نظارة شمس من لوحة كبيرة كانت إلى جواركما؟
ـ نظارة شمس ؟
ـ نظارة عيرة لا تساوي مليمًا.
ـ وماذا يفعل بها؟
ـ لا يوجد مفر من الاعتراف.
ـ وليد يطاردني منذ رفضته، ويحاول التضييق علي.
ـ هل رآكم فعلًا؟
ـ رآنا، لكننا لم نكن نضحك. كنا في حالة أقرب للوجوم.

شعر بالاختناق فذهب إلى الشباك المطل على المنور ففتحه، ثم شم رائحة أبخرة أطعمة تتصاعد فأغلقه، والوقت ليل. عاد يحدثها متصنعًا الهدوء في كل جملة ينطق بها.

ـ ماذا يعمل هذا الولد؟
ـ ليس ولدًا. إنه شاب ناجح ، حاصل على دبلوم تجارة.
ـ مهنته؟
ـ يبيع نظارات شمس.
ـ هل مهنته مربحة؟
ـ بالتأكيد، وإلا ما استمر فيها ثلاث سنوات.
ـ كم يربح في اليوم الواحد؟
ـ حوالي مائة جنيه.
ـ هل سيأتي كي يخطبك من أبيك؟
ـ كنا نتحدث في هذا الموضوع، وفضل أن ينتظر فرصة سفر للخليج.
ـ هل بحث عن عقد عمل؟
ـ هناك من وعده بتدبير الأمر.

اقترب منها ، وفك أزرار البزة الصوف التي يرتديها، جلس قبالتها تمامًا.

ـ سمعة أسرتك تكاد تخدش.
ـ لم يحدث ما هو عيب.
ـ لو علم أبوك لذبحك.
ـ أعرف.
ـ وليد ـ ابن عمك ـ عرف هذا وجاءني المأمورية، حدثني على انفراد . إنه حزين لكون رآك مع شخص غريب.
ـ هذا الغريب سيصبح خطيبي.

قامت الأم نوال من سريرها متجهة إلى الحمام، فلما رأت ابنها مأمور الضرائب طبطبت على كتفه، أكملت طريقها، ولما عادت فعلت الشيء نفسه. قالت وهي نصف نائمة: قومي يا لبيبة واعملي لأخيك كوب شاي.

تحركت الفتاة من مكانها ، وهي تزفر أنفاسها في ارتياح : حاضر يا أمي.

أغلقت الباب وراءها من جديد ، وعادت بعد قليل بكوبي شاي، وضعتهما على منضدة صغيرة عليها مفرش أبيض منقوش بالورد: تفضل.

ـ لقد تركتك تذهبين لترتبي أفكارك، فلا تكذبي عليّ.
ـ أنا صادقة معك.
ـ منذ متى تخرجين معه؟
ـ خرجت معه ثلاث مرات، وكان الحديث يدور عن ظروفه وظروفي.
ـ هل يعرف أن أباك يعمل بالنجارة، وأنه بالكاد يجلب لكم الطعام؟
ـ أحواله ليست أفضل من أحوالنا. على الأقل لنا بيت وأسرته تسكن بالإيجار.
ـ ما اسمه؟
ـ ...
ـ هل خرست؟
ـ سيأتي، ويعرفك بنفسه. كل شيء ستعرفه في ميعاده.
ـ ماذا لو رأتك ابنتي سارة؟ ماذا كان يمكنك أن تقوليه لها؟
ـ كنت سأدعوها للجلوس معنا.
ـ لبيبة ابنة المعلم عبد السميع تجلس مع شاب في حديقة. شيء جميل.

انقطع التيار الكهربائي فغرق المكان في الظلام. قامت لتشعل شمعة كانت بدرج مكتب خشبي قريب من جلستهما. عادت إلى مكانها، وراحت تهش بيدها ذبابة لحوحة كانت تطير لتحط على طرف أنفها. عاد يسألها ، وهو يبتر الكلمات الزائدة، مصوبًا نظره على باب الشقة المغلق.

ـ هل لو طلبت منك أن تمتنعي عن مقابلته ستفعلين؟

صمتت لحظة بدت كدهر ونطقت بصوت متحشرج: أفعل ذلك.

خرجت الأم مرة ثانية من حجرتها، قالت وهي تعبر الصالة: عملت الشاي لأخيك يا لبيبة؟

ـ نعم يا أمي.

غابت في الحمام مدة أطول، مسحت يديها المبتلتين بالماء واختفت في حجرتها.

بدا الكلام معطلًا. فضل أن يسكت حتى تعود أمه لنومها. بعد دقائق سمعا وقع أقدام الأب على درجات السلم الخشبي. رجته أن يتستر عليها: أرجوك، لا تخبر أبي.

ـ هل تخافين عليه أم تخافين على نفسك؟
ـ أرجوك.
هز رأسه: سأفعل ما يمليه علي ضميري.

سمعا صوت المفتاح ، وهو يوضع في ثقب الباب، دخل عبدالسميع بيته، ونشارة الخشب تعلو رأسه. لمح ابنه البكري يجلس على مقعد بالصالة وأمامه لبيبة.

ـ أنت هنا يا كامل؟
ـ جئت لأراك.
ـ لم تعد تمر علي في المحل؟
ـ مشاغل يا أبي.
ـ هل تتناول معي لقمة بسيطة؟
ـ بالهناء والشفاء.

قامت لبيبة تسخن طعام أبيها ، وتناهى إلى سمعها وشوشات واهنة. صفت الأطباق على السفرة، عادت لتحضر سكينًا كي تقطع ليمونة، وجاءت بملعقتين نظيفتين. حين اقتربت من جلستهما معًا. لطمها الأب بقوة على وجهها. خرج الأخ في غمرة نحيبها، وفتحت الأم الباب لثالث مرة، أطلت مستفسرة: هل يوجد من يبكي في هذا الوقت من الليل يا لبيبة؟

اقرأ ايضا: