"القاهرة في بغداد" بحث نادر عمره 90 عامًا لمؤرخ عراقي

19-7-2017 | 12:07

العراق قديما-ارشيفية

 

محمود الدسوقي

منذ نحو 90 سنة، وفي عام 1932م، نشر المؤرخ واللغوي العراقي مصطفى جواد بحثًا أكاديميًا عن  دخول المصريين بغداد التي عانت كثيرًا الصراعات المذهبية بين السنة والشيعة، والغلاء، وصراعات الأجناس بها من فرس وأتراك وعرب وسلاجقة، وغيرهم.

قال جواد: "إن بغداد كانت تعيش في القرن الخامس الهجري في معركة وأزمة سياسية خانقة"، مضيفًا "كانت تعيش معركة دول مختلفة وأجناس متباينة ومذاهب متعددة وسياسات متناقضة؛ فالعباسيون وخليفتهم عبد الله القائم في سبيل أحياء عزهم، والبويهون وملكهم والعرب وأمراؤهم والسلاجقة وغيرهم من جنود الأتراك، والفرس والعرب، في شغب مستمر والفتن المذهبية بين السنة والشيعة تطل برأسها".

والمؤرخ العراقي مصطفى جواد، صاحب البحث التاريخي، عاصر عباس محمود العقاد ود.طه حسين، وكانت بينهم مجادلات وترك خلفه كنزًا ثمينًا من آثاره ومؤلفاته المختلفة في شتى ميادين المعرفة بلغت مجموعها 46 أثرًا، نصفها مطبوع ونصفها الآخر ما زال مخطوطًا، وأشهر المخطوط كتابه الكبير "أصول التاريخ والأدب"، ويقع في 24 مجلدًا، ومازالت موجودة لدى أسرته كما أنه صاحب البرنامج الإذاعي الشهير "قل ولا تقل".

وأوضح جواد في بحثه الطويل الذي يعج بالأحداث والوقائع، والذي نشره في مجلة "المقتطف" أنه في عهد الخلافة الفاطمية استولت القاهرة الوليدة آنذاك على بغداد في زمن الخليفة العباسي القائم، حيث انتهز الخليفة المستنصر الفرصة في الصراع الذي نشب في بغداد بين أبي الحارس أرسلان الباسيري مملوك بهاء الدين عضد الدولة، وبين علي بن الحسين، وزير الخليفة العباسي، حيث انتهي الصراع بهروب الباسيري من بغداد، حيث ظهر أنه منتم للشيعة وحين انكشف أمره قصد الهجوم على بغداد.

وبغداد أنشأها الخليفة العباسي أبوجعفر المنصور، وكانت حاضرة الدنيا ومقر الخلافة الإسلامية لعدة قرون، فيما أنشأ القاهرة القائد جوهر الصقلي 969م شمال مدينة الفسطاط لمدة 3 سنوات، وجعلها الخليفة الفاطمي المعز لدين الله الفاطمي عاصمة لمقر حكمه وجعلها منفصلة عن حكم الدولة العباسية.

يضيف جواد أن الخليفة العباسي القائم استعان بمحمد بن ميكائيل طغرلبك من السلاجقة وكان بالري في إيران لمواجهة الباسيري الذي هرب خوفًا من طغرلبك وأرسل للخليفة المستنصر بالله الفاطمي بالقاهرة، الذي أمده بالأموال والعدد، وكون الباسيري جيشًا من الأتراك واتجه للهجوم منتهزًا فرصة حرب طغرلبك مع شقيقه واستولى على الأنبار وزحف لبغداد تحت الرايات البيض الفاطمية، وملك الجانب الغربي من بغداد وحارب جيش الخليفة وانتصر عليه ليبدأ من هنا استيلاء القاهرة على بغداد.

الباسيري حين استولى على بغداد قام بحبس الخليفة العباسي ونهب بغداد وقتل من فيها، وقام بالتمثيل بجثة عدوه ابن المسلمة وزير الخليفة العباسي، ويقول المؤرخون إن انتصار الباسيري كان فرحة للشيعة ومنهم أهل الكرخ الذين قتلوا ابن المسلمة بالأحذية بعد التمثيل بجثته.

في عام 450 هجرية ابتدأت الخطبة للخليفة الفاطمي في القاهرة المستنصر بالله على مساجد بغداد وجوامعها الشهيرة مثل جامع المنصور بالجانب الغربي وجامع الرصافة وجامع المهدي وغيرها من المساجد، وزيد في الآذان "حي على خير العمل" على المذهب الجعفري الذي كانت تدين به القاهرة الفاطمية آنذاك حين قدموا من المغرب واستولوا على مصر.

أمر أرسلان الباسيري، الذي حكم بغداد باسم الفاطميين في القاهرة، ببناء مشهد الإمامين علي الهادي والحسن العسكري في بلدة سامراء، ولكن حريقًا التهم الضريحين فأمر الخليفة الفاطمي بالقاهرة بتجديدهما وكانت نهاية الباسيري القتل على يد عدوه طغرلبك فكانت مدة استيلاء القاهرة على بغداد عامًا واحدًا فقط ثم عاد الخليفة العباسي القائم لبغداد مرة ثانية حاكمًا لها وبعث الخليفة العباسي القائم إلى نقيب الطالبيين يأمره بمحو ما فعله الفاطميين نصرة لأهل السنة ولبيت رسول الله.

يقول المؤرخ العراقي إنه لما دخل هولاكو بغداد صارت القاهرة ملجأ العراقيين، وأصبحت حماية للعباسيين الذين التجأوا لها، لافتًا إلى أنه في عهد المغول هرب الخليفة العباسي أبو القاسم أحمد بن محمد الظاهر لها في عهد بيبرس هربًا من سيوف التتار، حيث كان معتقلًا، وخطب له في القاهرة وسكت عمله باسمه وهو لقبه المستنصر بالله. ويضيف المؤرخ مصطفي جواد أن القاهرة أرسلت جيشًا مع الخليفة الخليفة العباسي لاسترداد بغداد وتم تأهيل الجيش بمليون دينار ولكن عسكر التتار قابلهم فقتلهم وكان قاتل المستنصر قرابغا نائب هولاكو.

العراقيون سمعوا بتجديد الخلافة العباسية من خلال القاهرة بمصر فهوت قلوبهم للقاهرة وانفتح للقاهرة طريق شرعي وسبب ثأري للاستيلاء على بغداد وإرجاعها للخلافة العباسية وأحس التتار بهذا الشعور فأخذوا يعاقبون الناس على الظن ويقتلون بالشبهة ويسرفون في العقوبة، وقاموا بقتل الكثيرين من العراقيين لإرسالهم رسائل لحكام مصر لنجدتهم.

وأوضح جواد أنه لم يتهيأ للقاهرة أن تبسط سلطانها على العراق إلا في القرن الثامن الهجري، أي بعد مرور مئات السنين بعد استيلاء الفاطميين عليها لمدة عام واحد، حيث انتهزت الفرصة القاهرة في عصر الملك برقوق بن أنص الجركسي حيث تم سك عملة باسمه في بغداد وخطبت منابر العراق باسمه وذلك بعد قيام سلطان العراق أحمد بن أويس التتري بالهروب بعد أن توجه تيمورلنك للسفر وجعل نائبًا له في بغداد، حيث هرب السلطان أحمد بن أويس من مشهد الإمام الحسين بكربلاء إلى حلب بسوريا التي كانت تحت حكم مصر فأكرمه نائبها وأرسله للسطان برقوق في القاهرة فأكرمه وتزوج ابنته دوندي سلطان ثم تجهز برقوق لغزو العراق وبقيت بغداد في سلطة القاهرة حتى رجع تيمور لنك من سفره واسترجعها بالقوة.

وينهي جواد بحثه الشيق قائلًا: "ولطافة هذا البحث أفردنا له هذا الفصل الذي يعد مستقلًا مستوجبًا للعناية والالتفات والتحبير والإثبات".

البحث الاكاديمي للمؤرخ العراقي


البحث الاكاديمي للمؤرخ العراقي


البحث الاكاديمي للمؤرخ العراقي

اقرأ ايضا:

الأكثر قراءة