كلمات الوداع.. أصداف شواطئ مهجورة

16-7-2017 | 12:24

 

في الوداع، كما حالة السكر الشديد، يظهر معدن المرء الذي رُصدَ تحت أعين الوعي الانتقائي في إظهاره ما يريد أو ستر ما يعيب، فبعض مواقف الوداع طلبات، كما في صلوات الأمهات، برجاءات الغد الجميل.. هم من يحملون وداعة أعين الأطفال في نظرتها إلى الأفق البعيد.

وبعض كلام الوداع سور من شوك الصبير، وميزان أعرج يقيس القباحات بعد أن يعطب كفّة الجمالات.. بعض كلام الوداع كالمفرقعات التي عفّنتها رطوبة التخزين في قلوب باردة لم يدفئها اهتمام بنافذة تدلّ المدى على درب كان يشعّ فيه.

بعض كلام الوداع إنذارت يائسة، محاولات من يطلب شروق الشمس زمن الغروب، والسقوط في البحر قريب، بعد خطوط من لونين يتعانقان فلا يمتزجان أو يتلوّنان.. الوداعات الصغرى تلك التي تحترف فعل القطيعة من دون مقدّمات، لأنّ النهاية مخبّاة في البداية.. فمن لا يتمسّك بمن قاسمه الوعد، لا غد مضمون معه.. الوداعات الكبرى تلك التي تحيا في رومانسية الحالمين.. يتكرّر فيها سيناريو الفصل والوصل إلى ما شاء الدرب.. في بعض كلام الوداع استحضار لمستقبل لا يعترف بفقدان أبطاله، واختزان وجع التاريخ المكتوب في قلب أبطال الأساطير لإحيائها دفعة واحدة، كملعقة من ترياق لا بدّ منها.. من قويت بنيته كانت له لقاحًا، ومن ضعفت بنيته كانت له جرعة قاتلة.

بعض مواقف الوداع رقصة على قمّة الجبل لإنسان تُجذّره قدمه اليمنى في الصخر الطالع من عمق الأرض، وقدمه اليسرى في الفضاء، لا هو يهوي، ولا الدوران في الفضاء يسمح له بالسكون.. بعض مواقف الوداع تشييع لجثّة قديمة، لم يترك لها دود الندم مجال الراحة.. بعض كلام الوداع لوحة تنهي وهم اللون على حساب الخطّ الطالع من أطرافها، كما كلام القبلة الأولى الذي يرسم وعدًا لأيّام آتية، أو يرسم انعتاقًا لا يعترف بإطار.

بعض كلام الوداع صدى لأصداف منسيّة على الشواطئ المهجورة، لا آذان تصغي، ولا موجة ترغب باستردادها إلى أحضانها.

بعض مواقف الوداع محاولات إنعاش أخيرة قبل اللجوء إلى الموت الرحيم، إرادة بالبقاء في غرف العناية الفائقة.

بعض الوداعات لا تحبّ أن توثّق تاريخها، لأنّها هجينة، امتزجت فيها هويّات اختلطت فيها نيات أصحابها.. بعض الوداعات كانسلاخ القشرة عن غصن حين كَسَرَه ثقل الثمرة الأولى التي طالتها أيدي المارة.

بعض الوداعات عودة الغرباء إلى مقاعدهم بعد انتهاء فترة الضيافة التي اقتضتها مغامرة الفصول.. بعض كلام الوداع هدوء بين عاصفتين، الأولى أشعلتها الخيبات، والثانية أماتتها التراكمات.
..
ناتالي خوري
(روائية وناقدة من لبنان )

اقرأ ايضا:

مادة إعلانية

[x]