دراسة: المصري القديم حقق أهداف "التنمية المستدامة" منذ آلاف السنين من خلال نهر النيل

11-7-2017 | 14:11

نهر النيل

 

محمود الدسوقي

كشفت رسالة ماجستير بعنوان "ھندسة الفراكتال في استدامة المباني"، للباحثة مي محمد حسین محمد، المدرسة المساعدة بقسم العمارة بمعهد الأهرامات، عن تحقيق المصري القديم أهداف التنمية المستدامة بمفهومها الحديث في عصرنا، التي تعني تحسين نوعية الحياة البشرية في الوقت الذي تعيش فيه القدرة الاستيعابية لدعم النظم البيئية من خلال معتقداته الدينية، ومن خلال نهر النيل حيث كان يقسم المصري أمام محاكمة العالم الآخر أنه لم يلوث النهر.

وقالت الباحثة مي حسين في أحد فصول دراستها بعنوان "العمارة و التنمية المستدامة "، إن المصري القديم قد حقق أهداف التنمية المستدامة على مستوياتها الثلاثة البيئية والاقتصادية والاجتماعية، مضيفة أنه في ثمانينيات القرن الماضي كان التعريف الأكثر شيوعًا للاستدامة و التنمية المستدامة ، وهو تعريف لجنة "برونتلاند" التابعة للأمم المتحدة التي تعني أن التنمية المستدامة هي التنمية التي تلبي احتياجات الحاضر دون المساس بقدرة الأجيال المقبلة على تلبية احتياجاتها الخاصة .

وتعني التنمية المستدامة على المستوى البيئي ترشيد استهلاك الموارد غير المتجددة والاستعاضة عنها بمصادر أخرى متجددة, والحد من انبعاث المواد الضارة بالبيئة. أما على المستوى الاقتصادي فتتلخص في تنظيم الاقتصاد لتحقيق الأهداف على المدى البعيد, والحفاظ على رأس المال المادي المتمثل في خدمات البنية التحتية والمباني والمنشآت وغيرها.

وكذلك الحفاظ على رأس المال المعنوي المتمثل في الهوية الثقافية والتعليم والتراث والعادات والتقاليد وغيرها, والحد من الديون الجديدة أو تجنبها تمامًا. أما عن أهداف التنمية المستدامة على المستوى الاجتماعي فهي تعني تحقيق استقرار النظام الاجتماعي, وتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية سواء المادية أو المعنوية, وتوفير الأمن داخل المجتمع, واحترام التنوع الثقافي.

وأضافت الباحثة في دراستها أنها وجدت أن المصري القديم قد حقق أهداف التنمية المستدامة على مستوياتها الثلاثة البيئية والاقتصادية والاجتماعية, حيث نجد أن المصري القديم قد حقق أهداف التنمية المستدامة على المستوى البيئي من خلال أداء الطقوس والصلوات وتقديم القرابين للإله من أجل الحفاظ على ديمومة حركة الشمس، وهو ما يعد المصدر الرئيسي لتجدد مصادر الحياة.

وطبقًا للمفاهيم الدينية المصرية القديمة فقد اختار المصري القديم أداء هذه الشعائر الدينية في توقيتات معينة لها رمزية دينية خاصة طبقًا لمعتقداته الدينية، فمثلًا أداء الشعائر في الصباح الباكر، يساعد معبود الشمس كي يغتسل في بحيرة "آيارو" حتى يُزيل عنه ذلك اللون القاتم وذلك يعني تجدد اليوم وشروق الشمس واستمرار الزمن.

وقد عمل المصري القديم على الحد من تلوث البيئية المحيطة به بخاصة نهر "النيل" بل وجعلها من الأمور المقدسة لديه التي يجب الالتزام بها حتى يمنح الخلود بعد الموت, لذلك ظهرت فكرة المحاكمة بعد الموت لأول مرة منذ عصر الأسرة الرابعة حيث كانت موازين المحاكمة في يد المعبود "رع", ثم حل مكانه "أوزير" على رأس المحكمة ومن ثم يقدم المتوفى لهذه المحكمة الإلهية في العالم الآخر، التي تكون مهمتها هي الحكم عليه, إذ يدخل المتوفى صالة العدالتين ليدلي ببراءته أمام هيئة قضائية.

وبعد دخول المتوفى إلى صالة المحكمة ورؤيته للمعبودات والميزان الذي وضعت فيه أعماله ممثلة في قلبه - الضمير- في إحدى كفتي الميزان في مقابل ريشة "ماعت" رمز العدالة, يخاطب المعبودات بسلسلة من إنكار الخطايا يفتتحها بنفي الذنوب ويسرد خلالها اثنين وأربعين إنكارًا للخطايا موجهين إلى الاثنين والأربعين قاضيًا من ضمنها أنه لم يلوث أبدًا ماء النيل, فإذا رجحت كفة رمز العدالة فإن هذا يعني أن المتوفى كان رجلاً عادلًا طيبًا في حياته.

وقد حقق المصري القديم أهداف التنمية المستدامة على المستوى الاقتصادي من خلال تأسيس نظام اقتصادي مركزي يؤول إلى سلطة الفرعون نفسه، حيث تمتلك هنا السلطة المركزية كافة أدوات الاقتصاد سواء على المستوى الصناعي أو الزراعي، وهو ما يحقق بدوره الأهداف التنموية المرجوة على المدى البعيد.

وقد وضع نظام إداري مركزي لإدارة هذا النظام الاقتصادي الضخم يرأسه الوزير يتبعه حاكم كل إقليم في مصر القديمة، وتابعيه من رؤساء القرى هذا إلى جانب عدد ضخم من مسئولي وموظفي الدوائر مثل الخزانة والمحفوظات والشئون والمخازن, تحت نظام تحتكر فيه الدولة كافة الأنشطة الاقتصادية، إلى جانب استخدام المعابد الكبرى المنتشرة في ربوع مصر القديمة كمحطات مركزية للنظام الإداري الملكي وتمتعها بقدرات وإمكانيات اقتصادية ذات شأن عظيم.

وقد حقق المصري القديم أهداف التنمية المستدامة على المستوى الاجتماعي من خلال مفهوم العدالة الإلهية "ماعت" حيث التزم الفرعون بتحقيق العدالة والحفاظ على استقرار المجتمع كما يلزمه بتوفير كافة احتياجات الإنسان المادية والمعنوية ويظهر ذلك جليًا في قصة "الفلاح الفصيح" الذي ذهب إلى الفرعون شاكيًا الظلم الذي وقع عليه ونصرة الفرعون له.

وأكدت ال دراسة أنه كان على الملك تطبيق أوامر المعبودات والحفاظ على هذه المنظومة، وبناءً على ذلك يجب أن يحافظ على حدود مصر ويحميها من أعدائها ويقيم العدل ويعاقب أعداء المعبودات من أجل الحفاظ على تلك المنظومة الرائعة, وقد أدى ذلك المفهوم إلى الالتزام بتحقيق الأمن داخل المجتمع في مصر القديمة من خلال تأسيس نظام قضائي يتبع النظام الكهنوتي ووضع قوانين تنظيمية وعقابية ومن خلال ما سبق يتبين أن المصري القديم قد عمل على تحقيق أهداف التنمية المستدامة ، وإن لم يكن يدرك ذلك على مستوى المفاهيم المعاصرة.## ## ## ## ## ## ##

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]