مسرحية "الجلسة".. الصراع الخفي بين الواقعي والمتخيّل

12-7-2017 | 16:17

 

" الجلسة " من المسرح يات التي جلست أتابعها بشغف، بخاصة أن موضوعها الذي تناوله المؤلف موضوع خصب، فيه مساحة واسعة لإعمال الخيال، الصراع بين الخير والشر كما يقال، الحرب التي لا تنتهي بين الشيطان وآدم، آثرت هنا أن أضع عنوان الواقعي|المرئي والمتخيّل؛ نظرًا لأننا بصدد دراما جادة يستحسن فيها تسمية الأشياء باسمها الصحيح، فكل ما نلمسه مرئي بالنسبة لنا، أمّا ما نسمع عنه من عالم أشباح أو عالم جن أو شياطين أو مردة فهي عوالم متخيلة لا يمكننا أن نجزم أنها تشبهنا أو تشبه الحيوانات، وهنا تأتي مساحة التخيل التي يمكن لأي مؤلف أو مخرج أو مصمم أزياء أو مكياج أن يترك العنان لمخيلته لإضافة بصمته التي لن تنسى مهما تم تناول الموضوع من قبل غيره فيما بعد.


حينما ذهبت لمشاهدة عرض الجلسة كنت قد قرأت عنه أخبارًا بسيطة متناثرة لا تضيف لي الكثير، لكنني ذهبت مؤهلًا نفسيًّا أن هذا العرض (شغل عفاريت) كما أشارت بعض المواقع، للوهلة الأولى بعد دخولي إلى المسرح ، جلست على كرسي مرتفع، أطفئت الأنوار، في الخلفية موسيقى خافتة غير محددة الملامح لكنها موسيقى موترة، نجح هنا المخرج في أن يضعني منذ اللحظة الأولى في حالة ترقّب، أتمنى أن يبدأ العرض في أقرب وقت حتى تختفي هذه الموسيقى المزعجة، بالفعل، يبدأ العرض.

هنا يبدأ التحدي بين الشيطان وحلفائه وبين الإنسان، متمثلًا في الشيخ سليمان والقسيس إسحاق، حيث يكتشف المتابع للعرض أن لعبته الدرامية قائمة في الأساس على فكرة مريم المجدلية، وهي إحدى تلميذات المسيح عليه السلام، وقد شفاها المسيح بأن أخرج منها سبعة شياطين، "وَبَعْضُ النِّسَاءِ كُنَّ قَدْ شُفِينَ مِنْ أَرْوَاحٍ شِرِّيرَةٍ وَأَمْرَاضٍ: مَرْيَمُ الَّتِي تُدْعَى الْمَجْدَلِيَّةَ الَّتِي خَرَجَ مِنْهَا سَبْعَةُ شَيَاطِينَ". شفيت المجدلية ولم يشف إبليس الذي ظلّ حانقًا على نسلها متربصًا لهن، وواقفًا بالمرصاد لكل نفس ضعيفة يمكن أن يتلبسها لينتقم مما أحدثه المسيح معه. وهذا ما اتضح عندما توعد الشيطان بأنه مع ولادة كل بنت من نسل المجدلية سيكون موجودًا لاحتلال جسدها. وهذه هي الجملة التي أعتبرها نواة الصراع الذي سيتصاعد عبر المشاهد السبعة لل مسرحية والتي سنتناولها بالتفصيل.

في المشهد الأول يظهر الشيخ والقسيس متواجهين، بعد أن يدخلا واقفين من جانبي المسرح ، في التوقيت نفسه يخرج الجن من فتحة تشبه فتحة القبر، وهذا للتأكيد على أن هذه الكائنات غير المرئية لا تحيا إلا هنا، في الأسفل، أو في القبور كما يقولون، تبدأ أغنية "هيّا يا هيّا، حلوة وشايلة العروسة" والتي على إثرها يدخل الجالس في مقعد المتفرج إلى حلقة الذكر مباشرة، أو التفقير التي توحي بأجواء استخراج العفاريت من أجساد الآدميين. ربما هذه الفكرة لا تروق للبعض لكنها تراث لا يمكن التنصل منّه وحقائق متوارية قابلة للإنكار من البعض وقابلة للتصديق من البعض الآخر.

يظهر الجن مسيطرًا على الفتاة التي تعد محور الأحداث في ال مسرحية ، كما يبدي الشيطان قوته في مواجهة كل الأساليب التي يمكن أن يستخدمها الشيخ والقسيس لأنها تعد بالنسبة لأعمارهم التي تتخطى آلاف السنين أشياء مجربة وتعودوها، فعندما يقرأ الشيخ سليمان آية الكرسي يكملها له الشيطان وحلفاؤه من الجن، وعندما يخرج القسيس إسحاق قنينة الماء المصلى من جيبه يخطفها منه الشيطان ويشربها ويلقيها على الأرض دون أن يصاب بأيّ شيء، وهذا المشهد رغم واقعيته التي يمكن أن يصدقها العقل، سيوقع المؤلف في ورطة في مشهده الأخير الذي ينتصر فيه الشيخ والقسيس على الشيطان ويخرجانه من جسد الفتاة لأنهما سيخرجانه بالآليات نفسها التي عهدناه قويًّا أمامها في مشهد ال مسرحية الأوّل.

من الجمل اللافتة التي جاءت على لسان عزازيل في هذا المشهد جملة "إذا كنت تريد النصر فعليك أن تمتلك أدواته"، وهي جملة توحي بأن المؤلف لا ينكر حكمة الشيطان، ولا ينكر جماله في الوقت نفسه، فقد تم اختيار ممثل يمتلك ملامح معبّرة عن طاووس الملائكة، وهذا أخرج المخرج من الوقوع في فخّ صورة الشيطان القميئة التي صدرتها لنا السينما في السابق، والتي لم تراع فيها أنه كان أحد المقربين من عرش الله. وهذا أعتبره نجاحًا جزئيًّا يوصل لنجاح كلّي.

الحديث في المشهد الأوّل كلّه يحيلنا إلى المجدلية، والمجدلية كان يتلبّسها سبعة شياطين، هنا كان لزامًا على المؤلف أن يراعي هذه النقطة، لذا قمت بعدّ الشياطين التي جاءت في شكل ثنائيات (أمّ الصبيان) قام بدورها اثنان، (الجن العاشق) قام بدوره اثنان، كبير الجن، الجنيّة التي تربط العالمين والشيطان، سبعة بالضبط، وهذا نجاح جزئي آخر يوصل لنجاح كلّيّ.

أما عن المشهد الثاني، فهو مشهد منفرد كبير الجن الذي يحكي فيه عن عالمه وحضارته، وكيف أنّ الإنسان، هذا المخلوق الطيني الضعيف، جاء إلى الأرض وزاد نسله فسيطر عليها، ويتساءل: لماذا خلقهم؟ لماذا ميّزهم عنّا؟ أسئلة وجوديّة مطروحة لإعمال العقل لا للرجوع إلى النقل، حيث إنّ كبير الجنّ هو الآخر تم تقديمه باعتباره حكيمًا، من ثمّ لا يترك نفسه لضعفه أمام هذا البشري، وإنما يتّحد مع الشيطان حتى تقوى مملكته التي يهددها العقل البشري.

في المشهد الثالث تظهر المجدلية بالمرآة، وهنا يظهر الجن العاشق، ويقال إنّ الجن العاشق كما "هو نوع من أنواع الجن المسالم لكنه مؤذ في بعض الحالات، يعجب بالبشر، يوهمك البشري أنه في علاقة حب والحبيبة مجهولة".

وتأتي أهمية المرآة في هذا المشهد ومن هنا يظهر الجن العاشق وخلفهما الشيطان الذي يظلّ طيلة الوقت واقفًا خلف المرآة لمراقبة الفتاة حتى يتمكّن منها، الفتاة هنا هي المجدلية، لذا يأتي صوت السيّد من الخارج: تماسكي يا مجدلية. وهنا يريد المؤلف أن يعمّق بهذا المشهد رؤيته ليستند إليه فيما بعد حينما يحاول الجن السيطرة على جسد فتاة من نسلها.

في المشهد الرابع تظهر توهة الشيخ والقسيس، وهذا المشهد جاءت لغته مخالفة للغة التي يتحدث بها العرض، فقد تم استخدام العامية فيه، لا أعرف إذا كانت هذه مقصودة من المؤلف أم أنها جاءت هكذا، وإن كنت أرى أنها مقصودة لأن المشهد الختامي سيكون هو الآخر بالعامية. وإن كنت أرى أن استخدام الفصحى طيلة هذا العرض كان هو الأكثر إقناعًا لأننا بصدد حدث تاريخي أو يظهر هكذا للجذور التي استند إليها ولقدم عمر الطرف الآخر على الأرض، وإن كانت مساحة الخيال واردة؛ لأننا لا نعرف لغة هذه الكائنات. في هذا المشهد يظهر تلاعب الشيطان الواضح بهما (الشيخ والقسيس) حيث يقف وكأنّه يعزف وهما تائهان، ثم يتلبّس جسد الشيخ ليتحدث بلسانه، ويقبّل القسيس، ليُظهر مدى قوته، اللافت للنظر أن الشيطان في هذا المشهد تظهر في يده مسبحة، وقد نجح أن يزرع بداخلهما الشك والخوف، وهذا ما يسعى إليه طيلة الوقت، أمّا عن المسبحة فأعتبرها تمهيدًا لسؤاله الوجودي: أليس من حقي أن أتوب، ماذا لو تبت، هل ستقبل توبتي؟ هنا يتحدّث مباشرة إلى الله، والإجابة معروفة لأنها أزلية. هو يسأل لمجرد طرح القضية مشفوعة بالندم. لكنه يعرف الإجابة.

في المشهد الخامس، تدخل الفتاة التي جاءت من نسل المجدلية للتحدث منفردة عن أزمتها مع الحياة، عن الإنجيل الذي لم يفارقها، عن ذاتها عن الجن الذي يتلبسها، عن حالتها التي حيرتها.

تأتي الأغنية الثانية كفاصل لتعيدنا إلى حالة التفقير، ثم يبدأ المشهد الخامس، وهو مشهد الاحتلال، حيث يظهر كبير الجن والفتاة التي تربط بين العالمين التي ستظهر للشيخ والقسيس في النهاية وهم جميعًا يتلاعبون بالفتاة التي تمت السيطرة عليها تمامًا، يظهر الشيطان ليتابع ما يحدث، ثم يستدعي تابعيه ليسألهم عن مهامهم وعن الدقة في تأديتها، لا أعرف سبب التوتر -الذي لا توجد مقدمات له- المسيطر عليه في هذا المشهد، الشيطان يدفع بالفتاة إلى بئر الخوف، يشككها في الجميع، بخاصة القس والشيخ، لكنها تقول جملة في غاية الخطورة، "قد أكون مريضة، لكنّي لم أفقد عقلي بعد" وهذه الجملة كان من الممكن أن تكون هي محور النهاية الذي تخلّى عنه الكاتب بمنتهى البساطة ليمنحها مساحة الانتحار بدلًا من أن تسيطر هي على الجن الذي يتملكها فتعفيه من أزمة قوة البداية وسقوط النهاية التي أشرت إليها سابقًا. ينهي الشيطان حواره في هذا المشهد بقانونه "زيّنوا لهم الدنيا".

المشهد السادس، يستدعي فيه الشيخ والقسيس الجنيّة "مزدوجة الجنس" لمساعدتهما في شفاء البنت التي جاءت من نسل المجدلية، تساومهم الجنيّة، ثم تتركهم دون حلول بعد أن تقول لهم "نحن لا نخاف من المجهول، لأننا المجهول" وهي جملة تؤكد على قوة الآخر الذي لا يأبه بما يفعله الإنسان.

بعد ذلك يحاول المؤلف أن يعرّف شخصياته فيظهر ثنائية الغولة أو أمّ الصبيان لتعرف نفسها وتعدد أسماءها "عايشة القنديشة- المعادل الأنثوي للشيطان- ليليت" وتذكر أنها أم الصبيان لأنها تحب الصبيان وتتحدث عن مدى خطورتها على الأنثى وعلى جمال الأنثى البشرية، حيث إنها توشهها لتتجمل بها. تنهي حوارها بجملة "يا سليمان الحكيم أشكو لك حالي" وكأنها تتضرّع إلى سليمان الحكيم، وكأنه غضب عليها فجعلها على هذا الوضع.

المشهد السابع والأخير، وهو مشهد الجلسة وجاء حواره بالعامية، يتخلله بعض العبارات الفصيحة، تتلو فيه المجدلية الإنجيل، ويحاول الشيخ والقسيس إخراج الشيطان من جسد الفتاة، صراع شديد بين الإنسان والشيطان يذكر فيه الشيطان للإنسان خطاياه ويذكره بها، وهذا ما حدث مع القس، حينما ذكره أن هذه البنت قد راودته في حلمه فراودها واشتهاها، وهذه بمثابة خطيئة، تظهر حينما يمثل الحلم على الخشبة وهو يعتلي الفتاة، حيث تحمله بين قدميه لتوحي بالتوق إلى إشباع الغريزة، وهنا تمت المزاوجة بين الخط الأفقي والخط الرأسي. يخرج الشيطان من جسد الفتاةـ أو هكذا يظن المتفرج، لكنّه لا يترك لها مساحة اختيار سوى أنه يلتقط الموسى من الجن العاشق ليمنحها إياه فتنتحر، بعد أن يصيب المتفرج ارتباك خروجه من الجسد من عدمه.

يغلق الستار وتطرح الأسئلة التي لا تنتهي بمجرد انتهاء العرض الذي أبدع فيه الممثلون، ومصمم الأزياء الذي أجاد استخدام اللون الأسود والبطانة الحمراء، و"نوّع فيها قدر إمكانه ليعطي للشيطان هالة، وليظهر أن المخبر يختلف عن المظهر، فالهالة الحمراء أعطت للشيطان درجة عالية من الدفء والسخونة في مقابل الألوان الباردة التي اختارها لملابس الشيخ والقسيس"، كما يقول الأستاذ الدكتور سيد الإمام. كما ميّز بين الجنّ باستخدام المكياج ليميز بين الجنّ العاشق وبين أم الصبيان وفي كل ثنائية منهما نجد أن مكياج الوجه يكمل مكياج الوجه الآخر. ونجح في مكياج الشيطان في المشهد الأخير وكأنه يبكي دمًا.

أما عن الحركة فقد اختلفت حركة الجن عن حركة الشيطان عن حركة الإنسان، جاءت حركة الجن ملائمة لدخوله وخروجه من فتحة المقبرة، وحركته الغريبة وحركة الجن العاشق الذي يتدحرج وكأنهما جسد واحد، كذلك أم الصبيان، أمّا حركة الشيطان فكانت سريعة في معظم الأوقات، موحية، ووقفته يظهر عليها القوة والتجبر. جاءت الحركة ملائمة للمشاهد ولحالة العرض فاستخدم الحركة الرأسية في مشاهد الاستعراضات، والحركة الأفقية في المشاهد التي استدعت ذلك.

الإضاءة كانت ملائمة للحدث الذي تم تناوله، والإكسسوارات جاءت بسيطة ملائمة لكل شخصية. اللغة جاءت متماشية مع الأحداث وإن كان المؤلف قد غيرها من الفصحى للعامية في مشهدين، وإن كانت من الأجدر أن تسير على المنوال نفسه الذي بدأت به ال مسرحية .

الشخصيات: (الشيخ، القسيس، الجن العاشق شخصية واحدة قام بها اثنان، أم الصبيان شخصية واحدة قام بها اثنان في شبه اتحاد، كبير الجن، مزدوجة الجنس، الشيطان، المجدلية، البنت محور الدراما، والتي تأتي في دور البطولة بعد الشيطان، السيّد من الخارج) كلّها أدت دورها وفق ما هو متعارف عليه في الكتب التراثية، وإن كان المؤلف قد أعمل خياله في توظيف الشخصيات والربط بينها.

اقرأ ايضا:

مادة إعلانية

[x]