"الجماعة 2".. الفن في حقل ألغام التاريخ

29-6-2017 | 23:20

 

أثار السيناريست وحيد حامد جدلًا كبيرًا في الجزء الأول من مسلسل " الجماعة " (إنتاج 2010) الذي قام ببطولته الممثل الأردني إياد نصار، من إخراج محمد ياسين؛ حيث اتهمه البعض بأنه لم يفعل سوى تزيين صورة جماعة " الإخوان المسلمون"، ممثلة في مرشدها الأول ومؤسسها الراحل حسن البنا.


جاءت تلك الاتهامات بالرغم من ندرة المصادر التاريخية الموثوقة، تحديدًا في الفترة المتعلقة بالشطر الأول من حياة البنا، أي قبل تأسيس الجماعة ، حيث اعتمد حامد بشكل كبير على "مذكرات الدعوة والداعية" التي كتبها مؤسس الجماعة في عام 1945 تقريًبا.

الأمر لم يكن أفضل حالًا في " الجماعة 2" الذي عرض ضمن الموسم الرمضاني المنصرم، حيث طالت ألسنة النقد، بل والاتهامات شبه الصريحة، مؤلف ال مسلسل ، الذي اتهم هذه المرة، فضلًا عن تزيين صورة " الإخوان "، بتزيين صورة الكاتب الراحل سيد قطب ، وتشويه صورة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر .

واستند المنتقدون لل مسلسل بداية إلى المحقق التاريخي الذي لجأ له وحيد حامد ، وهو د.حمادة حسني، أستاذ التاريخ بكلية السياحة والفنادق جامعة قناة السويس، الذي اتهمه البعض، من بينهم الكاتب د.خالد منتصر، بانتمائه للإخوان، وتشويهه خلال كتاب اته ولقاءاته الصحفية لعبد الناصر، مستشهدًا وبمقالات مقاطع فيديو لحسني.

بصورة عامة يبدو المقبل على إنتاج عمل درامي عن تلك الحقبة مقبلًا على مخاطرة كبيرة؛ فمن جهة ثمة عدة مصادر تتضارب في نقلها للأحداث وفقًا لمواقفها السياسية والإيديولوجية، ومن جهة أخرى يكون المؤلف والمخرج في أزمة صراع بين الحبكة الدرامية وما تتطلبه من رسم للشخصيات وتحديد مسار أفعالها، وبين الحقائق أو الروايات التاريخية.

ثمة مواقف توقف عندها المنتقدون، والمعجبون كذلك، وأخرى ربما مرت مرور الكرام. أول هذه المواقف هو انتماء عبد الناصر لتنظيم الإخوان ، الأمر الذي لاقى هجومًا من كل من: د.خالد منتصر، والنائب البرلماني خالد يوسف المحسوب على التيار الناصري، وسامي شرف، سكرتير الرئيس الراحل، وغيرهم.

يبرر وحيد حامد موقفه بأنه لجأ لعدد من أعضاء تنظيم الضباط الأحرار من بينهم الراحل عبد اللطيف البغدادي ، فيما يتجاهل ذكر مذكرات الرئيس الراحل محمد نجيب " كنت رئيسًا لمصر "، الذي يؤكد على علاقة عبد الناصر ب الإخوان .

". . . أعرف أن الإخوان كانوا أول من ساعدوا عبد الناصر في تنظيم الضباط الأحرار، في فترة لم أكن فيها قد عرفت عبد الناصر ولا التنظيم، وكان بين عبد الناصر وبينهم تاريخ طويل، وكان اسمه الحركي عندهم زغلول عبد القادر".

يبدو الهجوم على " الجماعة 2" لإشارته لانتماء عبد الناصر للإخوان قبل الثورة مغفلًا لحقيقة تاريخية مهمة، وهي أنه في السنوات التي سبقت الثورة مباشرة عمل طرفان على استقطاب الشباب من أطياف الشعب كافة لمصلحتهم، وهما حزب الوفد وجماعة " الإخوان المسلمون". فيما يبدو غير منطقي أن ينضم عبد الناصر، الذي كان منتميًا قبل ذلك بفترة قصيرة لتنظيم شيوعي، لحزب يرأسه الأعيان وأصحاب الأملاك، فيما قد يكون اجتذاب الإخوان لذلك الشاب مبررًا؛ وذلك بسبب شعاراتهم الحماسية، وإعلانهم عن رغبتهم في وحدة إسلامية شاملة.

أمر آخر جعل حامد في مرمى سهام النقد هو علاقة ضباط التنظيم الأحرار، وعبد الناصر تحديدًا، بالكاتب الراحل سيد قطب . ففيما يصوره " الجماعة 2" أبًا روحيًا للتنظيم، يلجأ له الضباط في كل قرار يتخذونه تقريبًا، ثمة أصوات تحاول أن تنفي هذه العلاقة تمامًا.

ربما يكون وحيد حامد قد غالى في تصوير سطوة صاحب "العدالة الاجتماعية في الإسلام" على أعضاء التنظيم، ولكن أحداث التاريخ تجعل من الصعب نفي العلاقة بينهم بشكل كامل. فقطب الذي انبرى في مقالاته للدفاع عن حركة يوليو أو " ثورة يوليو " كما سماها، لم يكن من المنطقي أن يدخل في هذا العداء الشديد مع الضباط الأحرار سوى بحدث جلل، هذا الحدث الجلل تشير عدة رواياته إلى أنه حرمانه من وزارة المعارف التي كان يحلم بها ليطبق نظريته في "تطوير" التعليم.

ولعله من غير المنطقي أن يطلق هذا الوعد لرجل عادي هو مجرد كاتب لا أكثر ولا أقل لمجرد دفاعه عن الحركة، فكم من كاتب كتب تأييدًا لحركة يوليو ولكنه لم يحصل على وعد مشابه؟

قد يفسر هذا الموقف من الكاتب وحيد حامد بأنه حنين إلى الوفد باستعدائه للإخوان، وللناصريين كذلك بعد الإشارة لانتماء الرئيس الراحل للإخوان، وهي التهمة التي تعد سبة بعد الأحداث التاريخية الأخيرة التي انتهت بحل الجماعة وإعلانها منظمة إرهابية، وذلك بعد الأحداث التي تلت حركة 30 يونيو. ولكن هذا التفسير يتبخر خلال الحلقات الأولى، وذلك بعد تضمين إحدى الحلقات مشهدًا يقبّل فيه الزعيم الوفدي الراحل مصطفى باشا النحاس (الذي أدى دوره الفنان محمود الجندي) يد الملك عقب توليه رئاسة الحكومة قبل قيام الضباط الأحرار بانقلابهم بفترة ليست بالطويلة.

قد يكون من غير المنطقي أن يصدر هذا الفعل عن النحاس المعروف بحساسيته تجاه الملك، والمعروف أيضًا بأنه مدعوم من الشعب، وأن أية انتخابات نزيهة ستأتي بحزبه أغلبية بالرلمان، وتأتي به هو رئيسًا للحكومة، لذلك فإن تعيين الملك له رئيسًا للحكومة ليس منة أو تفضلًا. وقد يسأل سائل: هل من المنطقي أن يقبل رجل يد ملك دخل معه في صراع من أجل تعيين كهربائي طلياني أراد فاروق تعيينه متجاوزًا لاختصاصات الحكومة، ليرفض النحاس مهددًا بالاستقالة؟

والمثير للتساؤل في الأمر أن حامد، كما قال في حوار صحفي، اعتمد في ذلك على مذكرات الراحل حسين سري باشا، الذي تولى رئاسة الحكومة 3 مرات لفترات قصيرة، خلفه فيها النحاس في مرتين. الاعتماد على هذا المصدر وحده قد يعد عدم إنصاف من مؤلف " الجماعة 2"؛ لما يعلمه من انحياز سري باشا للأحرار الدستوريين، الغريم التقليدي للوفد، وكذلك تقربه من الملك.

ال مسلسل الموجه في الأساس للتأريخ لجماعة الإخوان صاحبة التاريخ الكبير في الفتاوى المتطرفة يبدو أنه يلجأ إلى فتاوى مضادة ربما تحول الأمر إلى سجال من الفتاوى التي لا تنتهي، والتي ربما قد تكون مردودة أصلًا. في الحلقات الأولى لل مسلسل يذهب الشاب المكلف باغتيال إبراهيم باشا عبد الهادي، رئيس الوزراء المعادي للجماعة آنذاك، لشيخ أزهري لسؤاله عن حكم من "يقتحم حصون العدو متأكدًا من موته" ليفتي له الشيخ بأنه ليس شهيدًا.

هذا السؤال الذي لم يرد في مصدر تاريخي معروف ولعله اجتهاد من المؤلف يطرح إشكالية مهمة، وهو مواجهة الخطاب الديني بخطاب ديني مواجه. وهو الأمر الذي قام به في الجزء الأول من إبراز الهجوم على البنا بدعوى أنه غير متخصص في الدين. هذه المواجهة تبدو سلاحًا ذا حدين: فمن جهة قد يبدو مفيدًا في إقناع المشاهد بانحراف الفكر الإخوان ي، ومن جهة أخرى قد يرسخ مفهوم المصدر الواحد والوحيد للدين.

كما أن الفتوى نفسها قد تكون مردودة بسهولة؛ فبناء على هذه الفتوى، التي أجابت عن السؤال بهذه الصيغة التاريخية، يكون الصحابي الشهير البراء بن مالك الذي اقتحم حديقة الموت في إحدى حروب الردة منتحرًا لا شهيدًا لأنه كان موقنًا من موته، ثم ماذا عن الجندي المصري الذي يروى أنه احتضن المدفع الصهيوني في حرب أكتوبر قبل أن تطلق قذيفته صوب خطوط المصريين؟

ورغم استخدام حامد للغة متزنة تتسق مع الحقبة التاريخية، ومع المكانة الاجتماعية والثقافية لأبطاله، فإن هناك مفردات ربما تثير التساؤل، بخاصة على لسان أقطاب الجماعة ، وتحديدًا الراحلة زينب الغزالي ، والراحل المستشار حسن الهضيبي مرشد الجماعة آنذاك.

تتردد كلمة "عسكر" باستمرار على لسان الشخصيتين بشكل يدعو للتساؤل: هل استخدما بالفعل هذه اللفظة التي عرفناها بغزارة في السنوات الأخيرة سواء في المواجهات مع نظام مبارك، أو مع المجلس العسكري الحاكم عقب ثورة يناير؟

وبالرجوع إلى أدبيات الجماعة ومن بينها "أيام من حياتي" للغزالي نجد أنا لم تستخدم كلمة "عسكر" على الإطلاق، وأن المادة نفسها "عسكر" لم ترد سوى في توصيف حركة يوليو بأنها "انقلاب عسكري".

هذا الاستدعاء للفظة "العسكر" في هذا السياق التاريخي قد يحمل على أوجه كثيرة، قد يكون بعضها تدخلًا في نوايا الكاتب، ولكن أيًا يكن من أمر، فإن استدعاء لفظة مثيرة للجدل سياسيًا وفكريًا دون وجود مصدر تاريخي يؤكدها يعد مخاطرة تجعل الكاتب عرضة للنقد، وربما الاتهام.

بصورة عامة ليس المطلوب من ال مسلسل أن ينتصر لطرف على حساب آخر، إنما المطلوب في الأساس هو الجودة الفنية التي يبدو أن صناع العمل قد نجحوا في تحقيقها إلى حد كبير بطاقم عمل يضم ممثلين بارزين، وبعوامل مساعدة من التصوير والموسيقى التصويرية، ولكن يبقى في النهاية الالتزام بصيرورة منطقية للأحداث. فهل تحقق هذا الأمر أم لم يتحقق؟ لعله من الأفضل أن تترك هذه الإجابة للجمهور، وللنقاد والمؤرخين بعد أن يهدأ صخب الهجوم أو التأييد.

" الجماعة 2" بطولة: عبد العزيز مخيون، صابرين، محمد فهيم، أحمد عزمي، نضال الشافعي، ياسر المصري، سيناريو وحوار وحيد حامد ، تحقيق تاريخي د.حمادة حسني، وإخراج شريف البنداري .

الجماعه ٢

اقرأ ايضا:

مادة إعلانية

[x]