عندما يخطئ الطبيب!

29-6-2017 | 23:53

 

لكل مهنة أخطاؤها، لكن أخطاء كل مهنة يسبقها غالبًا إنذار مبكر، ولنا فى عمارة الأزاريطة مثال وعبرة، ولكن يظل خطأ الطبيب هو الأخطر؛ لأنه قد يُكلف حياة أو يُغير مجرى حياة، والأكثر خطورة حين يعبث بالأنساب غير عابئ بأخلاقيات مهنته..


ومن الأمثلة الكارثية لخطأ الطبيب، ما فعله "يان كاربات"، الذى كان يدير عيادة الخصوبة فى روتردام، والذي أصبح حديث هولندا بأكملها حتى بعد وفاته، فقد اتُهم باستخدام الحيوانات المنوية الخاصة به خلال عمليات تلقيح صناعي بدلا عن العينات الممنوحة لمركزه من قبل الأزواج، وقد انتهت تحاليل الحمض النووى لـ19 من الأطفال المولودين من علاج التلقيح الصناعى في عيادته منذ فترة طويلة أنه يمكن أن يكون أبًا لهم!!

خطأ الطبيب لا يقبل النقض أو الاستئناف، فما ذنب مريض ينسى الطبيب في أحشائه "فوطة" الجراحة ولا يكتشف أمرها ألا بعد رحلة معاناة قد تطول أو تقصر مع المغص والألم والأشعات والتكلفة، وما ذنب مريض يستأصل طبيب كبير كليته السليمة خطأ بدل المعطوبة، وما ذنب زوجين يحلمان بالإنجاب ولم يجدا حلًا سوى التلقيح الصناعى فيأتهما طفل لون بشرته مخالف تمامًا لهما، وهو ما حدث فى أمريكا بالفعل!.

أخطاء الأطباء ليست ظاهرة مصرية، بل عالمية، فسجل الأخطاء الطبية فى أمريكا خلال الـ20 عامًا الماضية بلغ 320 ألف قضية من 165 ألف طبيب، ويبدو أنه مع التطور العلمي تزيد الأخطاء.

ففي دراسة علمية نشرتها دورية كبرى قالت إن الخطأ الطبي يأتي في المرتبة الثالثة بعد أمراض القلب والشرايين وأمراض السرطان كسبب للوفاة في الولايات المتحدة، ويذهب سنويًا نتيجة هذه الأخطاء 250 ألف إنسان في أمريكا وحدها، وحتى في جامعة هارفارد الأمريكية هناك إحصاءات تقول بوفاة 1% من مرضى الجراحات نتيجة أخطاء الأطباء .

وهناك فرق بين الأخطاء الطبية والمضاعفات، فالمضاعفات كثيرة ومُسجلة في كل كتب الطب، مثل المضاعفات الرئوية بعد العمليات الكبرى، وحالة الاكتئاب الشديد عقب عمليات القلب المفتوح، وتزداد الخطورة في حالة وجود أمراض أخرى مثل السكر والضغط المرتفع ومشكلات الكبد.

وعامل السن له دور في نسبة حدوث المضاعفات بعد الجراحات، حتى وإن كان الجراح مشهود له بالمهارة، فشاه إيران عندما احتاج عملية استئصال الطحال في مصر أجراها له الدكتور ديبيت أكبر جراحي الأوعية الدموية في العالم آنذاك، لكنه توفي بسبب آثار الجراحة.

لكن الخطأ الطبي يعني فشل الطبيب في عمل إجراءات للوصول بالمريض للسلامة بأقل المضاعفات، وهو الأمل الذي لاشك يتمناه كل طبيب، ومن صور الإهمال ترك شاشة أو "مقص" داخل بطن المريض بدون سبب أو إصابته بالحرق بسبب استخدام آلة طبية بدون تدريب كاف، وهناك صفحة على شبكة التواصل الاجتماعي ترصد مآسي كثيرة ومؤلمة لضحايا المستشفيات والأطباء في مصر victims of hospitals and doctors in egypt.

وفي مصر أتذكر ما قاله منذ فترة نقيب الأطباء الأسبق الدكتور حمدي السيد من أن النقابة حققت في ألف حالة خلال 4 سنوات من بين 2200 شكوى، وأحيل للتحقيق والتأديب 250 طبيبًا، وتم قصر التحقيق في النقابة العامة فقط منعًا للمجاملات!

والرجل كان يملك من القوة والشجاعة ما يجعله يعترف بأن الأطباء يمارسون مهنة في غاية الخطورة، وأن اخطاءها في غاية الضرر، فقد يفقد المريض حياته أو يصاب بالعجز طيلة حياته، لكنه يُحمّل الدولة والمجتمع مسئولية أنه لا يأخذ بجدية كافية مسألة إعداد الطبيب للممارسة، فالمهنة دائمة التطور، وتستعين كل يوم بمزيد من التكنولوجيا المعقدة وكل تكنولوجيا تُضيف مخاطر جديدة للصحة، وكان يندد دائمًا بزيادة أعداد الخريجين، خاصة بعد إضافة الجامعات الخاصة، معتبرًا أن ذلك تخريب مُتعمد للمهنة ويُضر كثيرًا بفرص المجتمع في الحصول على طبيب متدرب جيدًا، باعتبار أن الزحمة عدوة الرحمة، كما يقولون.

وعلى النقابة أن تردع كل طبيب يتاجر بآلام المرضى، سواء مستغلا ثقة المرضى العمياء في تجريب علاجات وهمية أو أدوية لم تخضع لكل مراحل التجارب العلمية المتعارف عليها علميًا، مثلما يحدث عبر فضائيات تسويق الوهم أو حتى في بعض العيادات الخاصة، والأخطر من ذلك أن تصدر ممارسات غير أخلاقية من الطبيب تجاه المريض لاعلاقة لها بالطب، وهي لا شك جرائم لا حل لها سوى الشطب من سجل الأطباء.

من الضروري أن يكون لنقابة الأطباء شكل من أشكال الردع يضمن حقوق الضحايا، وألا تتوقف تحقيقاتها في المخالفات عند حد المجاملات، خاصة أنه يندر أن يحصل متضرر على حقه؛ لأنه غالبًا لا يتمكن من توثيق مخالفة الطبيب؛ لأن "الورق والدفاتر" في أيدي المستشفى والأطباء الذين يحمون بعضهم بعضًا باعتبارهم "أسرة واحدة".

وعلى النقابة أن تبحث عن آليات تتضمن إعادة تسجيل الأطباء كل عدة سنوات، مثلما يحدث في دول رائدة في مجالات الطب، للتأكد من أن معلوماتهم لم يعلوها الصدأ في مهنة متجددة يوميًا، وحبذا لو تم تفعيل الدعوة لتمثيل المجتمع في لجان التحقيق في أخطاء الأطباء ، ثم ما المانع في تعميم تطبيق فكرة الصندوق الأسود في غرفة العمليات ، برغم أنه يتم في جراحات المناظير، ومع الوقت سيعتاد الطبيب عليه، ولن يدخل غرفة العمليات بأيد مرتعشة.

مقالات اخري للكاتب

علاقة "كورونا" بالغذاء؟!

علاقة "كورونا" بالغذاء؟!

شرطي المستقبل؟!

في ليلة من ذات الليالي في العام 2060، يستيقظ رامي فزعًا على وقع أحداث جريمة مروعة في منزله، اختطف فيها أربعة جناة طفلته الوحيدة، ونهبوا كل ما لديه من وثائق وعملاته الرقمية من البتكوين، والأدهى من ذلك أنهم عطلوا قبل كل شيء منظومة البيت الذكي الذي يسكنه..

الوباء الغامض!

‏"أرجوكم خذوا ابنتي" صرخة أم عالقة مع ابنتها المصابة بالسرطان يرفضون خروجها لتلقي علاجها.. ولحظة مؤثرة لأب صيني من خلف الزجاج العازل يغالب دموعه أمام طفله

نهاية عصر الخصوصية!

نهاية عصر الخصوصية!

وصفة الموت!

وصفة الموت!

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]